الحوار لإدارة الأزمة السودانية أم لحلها؟
“المدارنت”
في سلسلة مقالاتنا حول دعوات الحوار في السودان، وصلنا إلى الجزء الخاص بالعناصر والمقومات الضرورية، والتي لابد منها، لنجاح أي حوار مقترح. وفي المقالات السابقة ناقشنا ثلاثة من هذه العناصر:
الإرادة السياسة وبناء الثقة قبل بدء الحوار والمساومة. واليوم نناقش العنصر الرابع، وهو: القبول والإقرار قبل بدء الحوار بأن مخرجاته ستكون ملزمة للجميع. هذا العنصر هو الأكثر حسماً لنجاح الحوار الوطني، إذ يُحوِّله من مجرد نقاش فكري أو توصيات استشارية إلى التزام سياسي وقانوني لا رجعة عنه.
وإذا كانت العناصر والمقومات الثلاثة الأخرى هي روح الحوار، فإن العنصر الرابع هو الهيكل العظمي الذي يجعل قوام الحوار متماسكا، ويمنع إنهياره بعد انتهاء جلساته. الاتفاق على إلزامية مخرجات الحوار يجب أن يتم قبل بدء الحوار وليس في نهايته، عملا بالقاعدة الذهبية: الاتفاق على آلية الخروج يكون قبل الدخول، وليس عند الخروج! ففي بداية الحوار، تكون الأطراف متحمسة ومنفتحة، ولكنها في نهاية الحوار، وعندما تُطرح نتائج مؤلمة أو تنازلات صعبة، تميل إلى التملص والتراجع. وإقرار الإلزام قبل معرفة النتائج، يعني منع أي طرف من استخدام «الفيتو» في اللحظة الأخيرة.
ومعروف أن الكثير من الحوارات تفشل لأن الأطراف تعتبرها مجرد منصة لإطلاق المطالب، مع العلم مسبقاً أنها غير ملزمة. الإقرار المسبق بالإلزام يُدخل الجميع في حالة من «الجِدّية الإستراتيجية»، لأنهم يدركون أن ما سيتفقون عليه سيتحول إلى واقع معاش. كما أن المواطنين الذين ينظرون للحوار بقلق وتوجس، وربما تشاؤم، ينشدون ضمانة أن هذا الحوار ليس «ضرباً في الهواء» أو مجرد «ثرثرة سياسية».
والإلزام هنا ليس مطلقاً، ولكن له درجات وأنواع يجب التفريق بينها. فهناك الإلزام الأخلاقي والسياسي، أي أن الأطراف تعلن أمام الرأي العام وبوضوح إلتزامها الجاد بمخرجات الحوار، وأن التراجع عنها سيكون «طعناً في النخوة الوطنية» وخيانة للثقة.
ورغم أن هذا الإلزام هو الأضعف، لكنه الأسرع تأثيراً في اللحظة الأولى. وهناك الإلزام المؤسسي/ القانوني، وهو الأقوى، ويتمثل في أن تُترجم المخرجات مباشرة إلى قوانين نافذة أو تعديلات دستورية تتم المصادقة الفورية عليها، بالإضافة إلى تشكيل آليات للتنفيذ وللمتابعة. وقد يكون الإلزام موقوتا، أي أن يكون الاتفاق ملزماً لفترة زمنية محددة، مثلا فترة انتقالية مدتها سنتان، وبعدها يُعاد تقييم الاتفاق بناءً على التطورات، وليس على أساس الرغبة السياسية لأحد الأطراف. وبالطبع الإلزام يجب أن يكون متبادلاً، أي لا يمكن لطرف أن يلزم الآخر بالقوانين بينما يترك لنفسه حرية تفسير القرارات أو تعطيلها!
أما التحدي الأكبر، فيكمن في توفير الضمانات العملية لتحويل الإقرار بالإلزام من مجرد قول وكلمة، إلى واقع وحقيقة ملموسة. وقد تبدأ هذه الضمانات بميثاق شرف أو وثيقة رسمية توقع عليها قيادات الأطراف قبل الجلسة الإفتتاحية للحوار، تقر بأن مخرجات هذا الحوار هي المرجعية الأساسية لكل القرارات الوطنية، وأنها سنعمل بكل صلاحياتها لتنفيذها، وأي مخالفة لذلك تعتبر خروجاً على الإجماع الوطني. كذلك يمكن إشراك طرف ثالث ضامن، كالأمم المتحدة أو دولة راعية أو مجلس حكماء.. الخ، يكون حارسا للإتفاق، تُحال إليه أي خروقات أو تفسيرات، ويكون له حق التذكير والضغط الأخلاقي والقانوني. أو ربط تنفيذ مخرجات الحوار بجداول زمنية واضحة مع استخدام العقوبات عند التأخير أو التنصل. لكن الإلزام الحقيقي لا يكون في غرف الحوار والتفاوض المغلقة، بل عندما تُنشر مخرجات الحوار علنا وللرأي العام لمحاصرة أي طرف يحاول التراجع.
يمكننا قياس قبول الأطراف للإلزام قبل الحوار، ومدى نجاحه بعده، بمجموعة من المؤشرات، منها: *قبول الأطراف بأن تُتخذ القرارات بـالتوافق، مع التخلي عن «الفيتو»، وهذا هو أولى علامات القبول الجاد بالإلزام. *مؤشر إعداد مسودات القوانين اللازمة لتنفيذ المخرجات بالتزامن مع جلسات الحوار، وهذا دليل على أن تنفيذ المخرجات لا ينتظر نهاية جلسات الحوار، بل الإستعداد للإلزام فوراً.
*مؤشر تغليب المصلحة العامة على الحزبية، بمعنى، هل تدافع أطراف الحوار عن المخرجات بعد صدورها، حتى لو كانت غير راضية عن بعضها، أم تتراجع وتسرب في الإعلام أنها لم توقع إلا إكراهاً وتحت الضغط؟ *مؤشر اللجوء لآليات التحكيم كمقياس للإلزام، وذلك عند نشوب أول أزمة أو خلاف في تفسير المخرجات بعد صدورها، هل يلجأ أطراف الحوار إلى آلية التحكيم المتفق عليها لحل الخلاف، أم سيخرجون إلى وسائل الإعلام لاتهام بعضهم البعض بانتهاك الاتفاق؟
الخلاصة الجوهرية، أن الإقرار والقبول بأن مخرجات الحوار المتوافق عليها ملزمة للجميع، هو الفرق الشاسع بين النظر إلى الحوار كأداة «لإدارة الأزمة» والحوار كأداة «لحل الأزمة». فبدون هذا الإلزام، يظل الحوار مجرد استشارة غير ملزمة يمكن أن يضعها أحد الأطراف، وغالبا هو الطرف الأقوى، كالسلطة الحاكمة، على الرف، أو يتظاهر بأنه غير معترفة بها. لكن مع الإلزام، يصبح الحوار سلطة تشريعية موازية تنتج قرارات لها قوة القانون وقوة الإجماع. والمقياس العملي لنجاح عنصر الإلزام هو سؤال يوجه لكل طرف في أول جلسة من جلسات الحوار:
هل أنت مستعد لأن تضع توقيعك على وثيقة تنص على أنه إذا كنت غير راضي عن بعض مخرجات الحوار، أو بعض التنازلات التي قدمتها، فإنك ستلتزم بالمخرجات وتدافع عنها أمام جماهيرك، بدلاً من أن تقول لقد فرضت عليّ تحت الضغط؟ فإذا كان الجواب «نعم»، فهذا يعني أن الحوار قد انتقل إلى مرحلة «العقد الوطني»، حيث لا أحد يعلو على كلمة الوطن، وحيث يصبح الالتزام بالاتفاق هو عنوان الانتماء، والخروج عنه هو عنوان الانشقاق الأقرب إلى الخيانة الوطنية. وهنا فقط، يتحول الحوار من مجرد «فكرة رومانسية جميلة» إلى «قوة دافعة للتغيير». وسنواصل مناقشة بقية العناصر الضرورية لنجاح أي دعوة للحوار.



