مقالات

“ميليشيا الحوثي” اليمنية التابعة لإيران بين الأعراض والنتائج وأصل الداء!

عناصر من “ميليشيا الحوثي” اليمنية التابعة لإيران

“المدارنت”
تبدو المسألة الخطرة في قضية الحوثيين، هي الانشغال بالأعراض التي يمثلها وجودهم في صورة بنية عسكرية وصلت إلى مرحلة تستطيع من خلالها فرض شروطها داخل بلادها وخارجها، وتجاهل العوامل التي أدت إلى إنتاج هذه الظواهر من الأساس، فالحوثيون كانوا دائما عرضا لمرض أصيل يتمثل في الفشل في بناء دولة حديثة في اليمن، واستغراق سلطة علي عبد الله صالح في الاستفادة من تناقضات المجتمع القبلي والجهوي في اليمن، من أجل الاستمرار وكأن ذلك غاية في حد ذاته، من غير أن توجد محاولة لبناء مجتمع جديد يستطيع أن يحمل مشروعا وطنيا يتجاوز خنادق القبيلة والجهة.

المحاولة التي تصدى لها الرئيس إبراهيم الحمدي وعملت على إزاحة المشايخ القبليين، لمصلحة التكنوقراط اليمنيين، انتهت باغتياله في ظروف غامضة سنة 1977، ولم يكن ذلك يعني فقط الانقلاب على مشروع التحديث، ولكن صياغة مفهوم القبيلة والمحاصصة تجاه الدولة في نسخة جديدة مراوغة، يتحول فيها علي عبد الله صالح إلى «شيخ مشايخ» اليمن قبل أن يكون رئيسا، وفي هذه البيئة كان طبيعيا أن يتم إنتاج علاقات هرمية حول الرئيس، وأن يتجاهل هرم السلطة الملتئم في صنعاء كثيرا من الفئات الأخرى، ومن بينهم الحوثيون في منطقة صعدة الحصينة والبعيدة عن الدولة واهتمامها وعنايتها.

الآخرون من فصائل الثورة السورية ومن الميليشيات في السودان والعراق وليبيا كانوا يخرجون من الهوامش المهملة نفسها من السلطة التي تريد السيطرة من غير أن تمنح شيئا في المقابل، أو كانت تمنح أقل مما تقدمه للصفوة التي تختارها وتلتقي معها قبليا، أو مذهبيا، أو طبقيا، والنخبة التي تساندها من أجل الحصول على حصة من المكتسبات ومنح شكل من الشرعية لمنظومة الدولة.

مشكلة “الحوثيين” ومعهم الكثير من الفصائل العراقية، أن المسألة لم تكن تقتصر على وجودهم داخل حدود بلدانهم، لأنه في الحالتين العراقية واليمنية كانت العلاقات مع الخليج العربي جزءا من تشكيل المخيلة السياسية في البلدين، فالعراق رأى نفسه، وبعد تسويق نظرية حارس البوابة الشرقية، وصيا على دول الخليج، أما اليمن فكان دائما ما ينظر إلى الدعم الخليجي كأداة ترجيح للقوة التي تستطيع استرضاء القبائل والمشايخ، وعلى الرغم من سعي الخليج إلى يمن هادئ ومستقر نسبيا إلى جواره، وبما يتلاءم مع الهياكل الاقتصادية والاجتماعية في الخليج.

إلا أن ترجمة التدخل الخليجي من خلال علي عبد الله صالح وسلطته كانت توظف بوصفها فاعلا في تشكيل المشهد السياسي اليمني، وفي هذه الحالة جرى تصوير الخليج، خاصة المملكة العربية السعودية، وكأنه لاعب أساسي في الكواليس، بينما كانت السياسة مع اليمن ممكنة التلخيص في باب الريح الذي لا تملك السعودية تحديدا أن تفتحه أو تغلقه بالكامل. المبادرة الخليجية التي أتت بعد احتجاجات 2011، كانت تحاول إعادة ترتيب اليمن للحيلولة دون انفجار الأوضاع.

ولكن ذلك كان مقاربة سياسية لم تستطع أن تستوعب التحولات الاجتماعية الجذرية التي كانت الاحتجاجات تعبيرا عنها في المرتبة الأولى، وكان الحوثيون جزءا من ذلك الغضب الاجتماعي المكبوت الذي تمكن، وبعد اشتعال الصراع المسلح بينهم وبين صنعاء في 2004، من إخراجهم من حسابات الدولة، في التنمية أو حتى في بناء تفاهم من أجل الحل، ليكون ذلك مدخلا لإيران لتمتلك أوراقا مهمة في الخليج العربي تزامنت مع الدخول من البوابة العراقية بعد الاحتلال الأمريكي في 2003، وهذه الفرصة هي التي أسست لسياسة إيرانية جديدة، ربما لم تكن مطروحة من قبل ووضعتها الظروف على الطاولة في لحظة تاريخية معقدة، وكانت بعض الأجنحة في إيران تتقدم لاغتنام هذه الفرصة وضمن الشروط الموضوعية التي كانت قائمة في ذلك الوقت.

حرب صعدة الأولى كانت مرتبطة بما يحدث في العراق، وبوجود خطة تطويق، ولكن ذلك لا يفسر كل شيء، فالأساس هو وجود جيوب خارج معادلة الدولة تستغل الديمقراطية الشكلية، التي تدور حول النظام وتعبر عن مصالحه، وهي مختلفة جذريا عن الديمقراطية التي يفترض أن تنتج النظام كله، وفي هذه الديمقراطية كان للحوثيين أن يحصلوا على 10% في أبعد الحدود من برلمان يمني، ويفقدهم تماما أي ذريعة من أجل الاستحواذ على ذلك، ويضعهم أيضا تحت الرقابة الخاصة بعملية سياسية صحية بدلا من أن يصبحوا ثغرة مفتوحة لتدخل خارجي.


هذه الفرضية وضعها الأمريكيون في واحدة من المراحل في بحثهم عن طريقة لاستقرار المنطقة، حيث رأى البعض أن الديمقراطية يمكن أن تستوعب مشكلات مثل، التطرف والتمرد في دول من المهم أن تبقى مستقرة، نظرا لأهميتها كمصدر عالمي للطاقة والفرص المرتبطة بها في الممرات التجارية العالمية، ولكن البنى القائمة على تركيبات اجتماعية قبلية وجهوية وعرقية ومذهبية كانت أبعد كثيرا من الرؤية الأمريكية، وأكثر تعقيدا من استيعابها بالعقلية الاستشراقية أو السياحية التي حملها بعض المسؤولين الأمريكيين وهم يتجولون مبشرين بضرورة التحول الديمقراطي في المنطقة.

ومع غزو العراق تبين أن الحل لا يمكن أن يطبق على الأرض من غير وجود الكثير من المتطلبات التي يتوجب إنجازها، ومن أهمها وجود الدولة الشاملة التي تستطيع أن تمثل الجميع وأن تدمجهم في المرتبة الأولى. الخلل في سياقات المنطقة مع الربيع العربي كان مرتبطا بأن القوى التي بقيت في خانة الاستبعاد والإقصاء لعقود من الزمن تطلعت إلى أن تحل مكان رأس النظام السابق، لا أن تغيره لمصلحة الجميع وتجعله أكثر شمولا، ولأن هذه القوى أُنتجت في ظل القمع والعنف، فإن تصرفها كان معبرا عن تلك النزعة، وتصبح مشاهد التخلص من معمر القذافي وعلي عبد الله صالح عنوانا للعصر السابق، وكأنهما كانا يصعدان سلما من قراراتهما بالتفرد والتلاعب تجاه هذه الهاوية الشخصية المؤسفة.

المقاربة الخليجية لم تتفهم الخلل الذي أحدثه علي عبد الله صالح في اليمن، وكيف كان يورط الخليج في بنية التصورات السلبية التي حملتها القوى الغاضبة في اليمن، وفي الوقت الذي تحرك فيه الإيرانيون الذين عرفوا العنوان المطلوب منذ 2004، فإن دول الخليج ما تزال تبحث عن عنوان للحل في اليمن، وهو ما يبدو ضروريا وعاجلا ولا يمكن تجنبه، لأن تكلفة عقود من الفوضى المكبوتة في اليمن أصبحت تشكل جزءا متواضعا أمام تكلفة انفلات الفوضى في الأيام الأخيرة مع استهداف المطارات السعودية، وربما يكون المدخل المهم الذي يدفع الحوثيين للعودة إلى البقاء ضمن معادلة مستقرة ومنضبطة، هو أن يصبح لديهم ما يخسرونه ويرغبون في المحافظة عليه، وأن يجري بناء هذه المعادلة وضبطها بحيث تكون حصتهم من يمن مستقر ومزدهر أعلى مما يمكن أن يحصلوا عليه من بقائهم في صنعاء المسورة بالموت والعنف وإعادة إنتاج الكراهية والضغينة.

سامح المحاريق/ “القدس العربي”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى