الخيارات المرّة والأمل الضئيل!

خاص “المدارنت”..
ألبلاد بين الحياة والموت، ولمّا تجد بعد من يدخلها غرفة العناية الفائقة. الفراغ يحتلّ سدّة الرئاسة الأولى (في لبنان)، والأزمات تتفاقم في مؤسسات الدولة، وتهدّد وجودها في الصميم:
– فراغ في موقع الرئاسة الأولى، والمؤشرات لا تنبئ بانفراج قريب.
– فراغ في المجلس النيابي بعد شغور موقع الرئاسة الأولى، وتحوّله دستوريًّا الى هيئة ناخبة، أثبتت عجزها بفعل التعطيل الذي يمارسه فريق واسع من نوّابه لمصالح خاصّة ومشاريع خارجيّة معروفة.
– حكومة مستقيلة، يقتصر دورها على تصريف الأعمال في أضيق نطاق، حتى بلغ بها الأمر مبلغ اضطرارها لتسويغ مشروعيّة اجتماعاتها باجتهادات دستوريّة.
– وزارات علّق معظمها عمله، إلا في حدود ضيّقة، مع إضراب القطاع العامّ الذي يكاد لا ينتهي، بسبب الرواتب التي لم تعد تكفي لتأمين الحدّ الأدنى للعيش الكريم.
– القضاء في قبضة السياسة التي تنحرف به عن أداء دوره في إحقاق الحقّ وتكريس العدالة؛ وقد بات معطّلًا، يعيش حالة انقسام حادّ غير مسبوق.
– المصارف أعلنت إضرابها، وهدّدت بالاقفال التامّ احتجاجًا على ما تتعرّض له من تهديدات وأعمال تخريب وإحراق، ومن استهدافات من قضاء مسيّس.
– المدارس والمؤسسات التابعة للدولة في شلل، أو ما يشبه الشلل في واقعها الراهن.
من جهة أخرى، ثمّة مجتمع يعيش على هامش الحياة الكريمة. هو يقف أعزل في مواجهة أعباء معيشيّة وصحيّة لا تطاق؛ فقد تدنّت قيمة النقد الوطنيّ لتبلغ الحضيض، حيال طغيان غير مسبوق للدولار، قفزت معه الأسعار قفزات جنونيّة لا ترحم؛ فلا الموادّ الغذائيّة، ولا متطلّبات الصحّة من دواء واستشفاء، ولا مستلزمات النقل والتدفئة من المحروقات في هذا الشتاء القارس في متناول الفئات المسحوقة من اللبنانيين، إلا في الحدود الضيّقة جدًّا.
وهكذا، البلاد في مواجهة مصير قاتم: دولة فاشلة، وشعب بائس يتقلّب على نار معاناة كاوية، وغضب مكبوت، يتفلّت بين الحين والآخر في انفعالات فرديّة عشوائية، لا تعلو حتى يكتمها الصمت من جديد.
كلّ هذا، ومعظم من أوكلت إليهم المسؤولية من أرباب السلطة، من زعماء وسياسين وذوي بأس ونفوذ، منشغلون عن انهيار الدولة وهموم الناس، بمصالحهم الخاصّة والفئويّة، ونكاياتهم ومشاريعهم الخارجية المعروفة.
أمام هذا الواقع الوطنيّ المأزوم، سياسيًا واقتصاديًا، المحتقن فرديًا واجتماعيًا، يبدو أفق الحلول القريبة مستبعدًا؛ فاليأس الى حدّ ما، سيّد الموقف بلا منازع. في ليل هذا اليأس، تبدو أمامنا خيارات علقميّة ثلاثة:
– الأولى: إنتظار تداعيات الأزمة وتفاقمها، حيث يغدو المصير الكارثيّ محتّمًا.
– الثانية: الهجرة لمن استطاع إليها سبيلًًا، حيث يدفن اللبنانيّ تاليات أيّامه في غربة موحشة.
– الثالثة: استدعاء الوصاية الخارجيّة لتقرير مصير البلاد، ووضع أزماتها على سكّة الحلّ، بعد أن أثبتت دويلة الشرعيّة فشلها الذريع.
… وهكذا فهي خيارات أحلاها يحمل مرارة العلقم.
هو نفق طويل، نمنّي النفس في نهايته ببصيص أمل. أمل نتمسّك بخيوطه العنكبوتيّة، تمسّك الغريق بقشّة نجاة؛ فهل نأمل بانتفاض قوّة داخلية، ما تزال حتى الآن محايدة من مجريات هذا الصراع الداخليّ المحموم؟ هل لنا أن نأمل بانتفاض على هذا الواقع المتردّي المتخبّط في فساده، ومشاريعه التي تتناقض وقضية الوطن؟
إنّه لأمل ضئيل، قد لا يعوّل عليه لظروف ذاتيّة وموضوعيّة، ولكن؛ هل من قيمة لحياتنا من غير أمل ؟!



