الرسالة الغائبة.. الجزء “2”
خاص “المدارنت”..

من باب إن الذكرى تنفع المؤمنين، أرى من الأهمية بمكان أن أعيد إلى الأذهان بعض الأحداث والوقائع التاريخية، التي استهدفت المنطقة العربية في الحقب السالفة، وكانت لها آثار وتبعات كارثية، وأسست للواقع المأساوي الذى ترزح فيه الأمة، وقيّد حركتها، وأفقدها دورها الطليعي المؤثر في صنع التاريخ الإيجابي المعاصر.
فليكن المدخل الى معرفة العدو الصهيوني، بغرض العظة والعبرة واستلهام الدروس والإستفادة منها. فى عام 1897 التقت نخبة من اليهود من أنحاء العالم في مدينة بازل بسويسرا في المؤتمر الصهيوني الأول برئاسة تيودور هرتزل، لمناقشة إيجاد وطن قومي لليهود، في واحدة من ثلاث دول مقترحة، وهى الأرجنتين وأوغندا وفلسطين.
وقدمت رؤية متكاملة للإعداد المادي والمعنوي والتعبوي واللوجستي، بصحبة تصور منهجي عميق وفاعل، لكيفية السيطرة على ناصية العالم، عبر التحكم في مصادر الإقتصاد والثروة ووسائل الإعلام والرأي، وكذلك للتصدي لحملات ما بات يعرف بمعادات السامية، التي كانت بارزة ومؤثرة في ذلك الزمان.
وبالعمل الدؤوب والإيمان بالفكرة والهدف، تحقق لهم ما أرادوا عام 1948، وأقيمت دولة إسرائيل على أرض فلسطين العربية، خنجرا في خاصرة العالم العربي. ونمت وكبرت وأضحت قوة ضاربة، ذات يد طولى تصل بها إلى أي مهدد لها على امتداد الوطن وخارجه، كما حدث في العراق وسوريا ولبنان وتونس والسودان وأوغندا وغيرها، ضاربة بالمشاعر الإنسانية وصيحات الإحتجاج وقرارات الأمم المتحدة عرض الحائط.
ولا يجد أحد عناءً كثيرا، ليكتشف السيطرة المطلقة للصهيونية على وسائل الإعلام والإقتصاد ومراكز القرار في العالم، بطرق معلنة وأخرى خفيه. وفي المقابل نجد التراجع الملحوظ وعلو روح الانهزامية والتخاذل هي الطافحة على السطح في المشهد السياسي العربي، ونرى ونشاهد بحسرة وأسى، موسم الهرولة العربية نحو العدو الصهيوني، للفوز بالرضى والإحسان ولربما الشعور بالأمن والأمان.
وعندما صرح نتنياهو قائلًا: “إن معظم الدول العربية على تواصل مع دولة إسرائيل”. لم يكتشف أميركا، فالأمر ما عاد سرا مستورا. وحتى السودان، موطن لاءات الخرطوم الثلاثة: لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض مع إسرائيل، وهو الخارج من غمار ثورة مبادئ وقيم، صرح وزير شؤونه الدينية الجديد مطالبا بعودة اليهود السودانيين، والذين غادروا بمحض إرادتهم الى دولة “إسرائيل”. ولم يفتح الله عليه بكلمة واحدة في حق المسجد الأقصى، الذي تنتهك حرمته يوميا، أو في حق الحرم الإبراهيمي، وفي نفس السياق صرحت وزيرة الخارجية السودانية، بأنها لا تستبعد إقامة علاقات ديبلوماسية مع إسرائيل، ولكن هذا ليس الوقت المناسب لظروف البلاد الثورية !
والفطن المجرم لا يضيع الفرص المؤاتية، فأعلن نتنياهو نيته ضمّ غور الأردن وشمال البحر الميت حال فوزه في الإنتخابات البرلمانية. وهذا يفسر لنا إصراره على تولي الفترة الأولى لرئاسة الوزارة، لينفذ وعده بمساعدة رئيس أميركي داعما له وطامحا في دورة رئاسية ثانية، غير آبه بأن يكون أسيرا تحت رحمة اللوبي الصهيوني، حتى قيام الانتخابات الرئاسية.
محطة أخرى مهمة، وهي عقد إتفاقية “سايكس ـ بيكو” السرية عام 1916 بين فرنسا وبريطانيا، بمباركة الإمبراطورية الروسية، التي قسمت منطقة الهلال الخصيب، بين فرنسا وبريطانيا على أثر ضعف الخلافة العثمانية وإرهاصات انهيارها. ثم جاء وعد بلفور عام 1917، الذي أعطى من لا يملك إلى من لا يستحق، أرض فلسطين لتقوم عليها الدولة المزعومة لليهود. وكان من مآلات تلك الاتفاقية، تنصيب دمى قبلية وعشائرية تابعة وعميلة للقوى الإستعمارية على إدارة (الجزر) العربية المنعزلة، ليحكموا بالظلم والاستبداد ليؤسسوا لملك عضوض لا مكان فيه لإرادة الشعب، وحقه المشروع في السلطة والثروة والعدالة.
وكان طبيعيآ أن تصاب الأمة بنكبة بعد نكبة. والقاعدة البديهية تقول: لكي يُحرر الشعب ينبغي أن يتحرر أولاً.
كانت مرحلة النضال الوطني ومقاومة الاستعمار، قد أورثت الدول العربية أنظمة حكم كانت وبالا على شعوبها، بتولي السلطة ملوك وأمراء ورؤساء وعسكريين حكموا بالحديد والنار، استبدوا أيّما إستبداد، ودخلوا في محاور الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، واستخدموا آلة إعلامية مضللة، وجمعوا حولهم بطانة الفساد تزين لهم أفعالهم المشينة، وتجد لهم المبرر والمسوّغ، وخلفهم جوقة من علماء السلاطين لإصدار الفتاوى الكاذبة.
أبطلوا الحريات العامة، بدعوى أنها تقف حجر عثرة في طريق التنمية الشاملة، ولا تتناسب مع الاستعدادات الجارية لخوض معركة المصير مع إسرائيل. فلا التنمية تحققت ولا إسرائيل رحلت.
وفي الحقيقة حدث العكس تماما، فإسرائيل أصبحت واحة للحرية والديموقراطية لسكانها من اليهود، ومركزا مشعا للعلوم والتكنولوجيا ، وجحيمأ للشعب العربي الفلسطيني.
ثم جاءت أحداث 11 سبتمبر عام 2001 (المفبركة)، والتي قادت إلى غزو العراق عام 2003 بذريعة امتلاكه أسلحة الدمار الشامل، وتحول العراق العظيم، بما عنده من إقتصاد ضخم وطاقة بشرية علمية هائلة وجيش مدرب ومؤهل، وصل تعداده المليون إلى بلد محتل من قبل الأميركيين، فعاثوا فيه فساد، قتلا، تعذيبا، سجنا، قهرا، ظلما وانتهاكا للحرمات. ووضعوا له قواعد لدولة طائفية فاشلة، قادت إلى حرب أهلية، ساد فيها شرع الغاب، وجلبت تدخلا إيرانيا سافرا وأدخلته في نفق مظلم غير محسوب العواقب. ثم تركوه لمصيره، يعيش مأساته بنفسه، يكابد الفقر والتنازع على السلطة وشبح الحرب الأهلية والتقسيم .
خلقت داعش وقبلها القاعدة، وأوهموا العالم بأن خطر الإرهاب الكاسح لكل القيم والحضارات قادم من الشرق الأوسط، حتى يجدوا مسوغا للتدخل وخلق الدمار الشامل لدول المنطقة، وتحطيم البنية التحتية والإقتصادية، ومن ثم تنفيذ نظرية شيكاغو المسماة بالصدمة، لتمرير خططهم الخبيثة. فادّعو أن داعش تملك جيشا جرارا بعشرات الآلاف وأسلحة كيميائية، وقد يكون في مقدورها الحصول على أسلحة نووية!
وكان الإرهاب المزعوم ذريعة دخلت بها القوى الغربية إلى العراق، ثم سوريا، حيث شكل دخول إيران وروسيا نقطة تحول في الصراع الدائر في المنطقة. وأضحت أرض سوريا الخيرة المعطاءة، خربة جرداء، وساحة حرب تتنافس فيها الجيوش وتتبارى في تجريب أكثر الأسلحة فتكا و دمارا.
والحصيلة حتى الآن، قتل أكثر من مليون شهيد و6 مليون مهاجر في الداخل والخارج، ودمار شامل للبنية التحتية والتاريخية، في بلد حضارته تعود إلى آلاف السنين قبل الميلاد، وهو كذلك يواجه خطر التقسيم .وليبيا أيضا، تحولت إلى أرض محروقة ومعبرا لتجارة البشر، تتصارع على أرضها المليشيات المسلحة والأنظمة العربية المسيرة، وتنهب خيراتها الوفيرة، بينما إنسانها يعيش الفقر والبطالة في بلد يُعد من أغنى دول العالم .واليمن (السعيد) أصبح شقيا، مريضا وجائعا بفعل الحرب الأهلية العبثية، التي لا طائل من ورائها غير الدمار والخراب. والتي طالت نيرانها بعض دول الخليج، التي لن تسلم أيضا، فهي على مرمى حجر من بؤرة تلك النيران، وتجلس على صفيح ساخن، وتقبع فيها قنبلة موقوتة ستنفجر لا محالة، متمثلة في الوجود الأجنبي الذي يجعل من العرب أقلية في أوطانهم.
المخطط جاري، لفرض قوانين دولية تشرذع لحق الإقامة والجنسية الملزمة لكل الأطراف. وتفرض حق الترشيح والتصويت لحاملي جنسية البلد المعين، عليه، يمكن لهذا الوجود الأجنبي أن يحكم أو يتحكم في السلطة فى السنين المقبلة .
بعد كل هذه الوقائع التاريخية، والفرضيات المحتملة، يبرز السؤال المشروع الذي يطرق باب كل عربي وكل مراقب ومتابع، وهو: ما هو مصير هذه الأمة؟ والى أين تسير؟ وهل فقدت البوصلة وضلت الطريق؟ وهل خرجت عن دائرة التأثير الإيجابي العالمي وأضحت على الهامش؟ وهل إنقصم ظهرها وما عادت قادرة على العطاء في حمل رسالتها التاريخية للعالم في التنوير والتطور الحضاري؟
وهل هي تملك أصلا الرؤية والهدف والأدوات والمعاول لتحقيق هذا الدور، واللحاق بالمسيرة الناهضة والصاعدة؟ للإجابة على كل هذه الأسئلة وغيرها، ينبغي في البدء أن تحدد الأمة أهدافها وترتب أولوياتها، من هم ذوي القربى؟ ومن هم أبناء السبيل؟ ومن هم أصدقاؤها؟ ومن هم أعداؤها؟ وأن تخرج من نمط الأوهام التاريخية السالبة. فمن الخبل أن يتصارع الناس حول معركة الجمل، وأيهما أولى بالخلافة علي أو معاوية؟ أو نبش تاريخ الخلافة العثمانية. فإيران ستظل وإلى الأبد جارة للأمة العربية وكذلك تركيا.
لا بد من النظر الى العلاقات الإقليمية والدولية بمفهوم جديد، يدفع بروح حسن الجوار والعيش المشترك الآمن وفق منهج سلمي، يحفظ حقوق كل الأطراف وينمي ويدعم ويرفع من شأن المصالح المشتركة .
فى المقام الاول: المطلوب مصالحة عربية عربية عاجلة، تخرج جميع الدول العربية من حالة الاستقطاب الحادة والخصومة الفاجرة وشق الأمة إلى محاور وهمية.
ويقيني أن كل الصراعات العربية لن تحلها الحروب، وإن طال الزمان أو قصر، سيكون مكان حلها وحسمها هو طاولة المفاوضات، واستمرار الحروب هو فقط مدعاة لاستنزاف المال العربي، وثغرة لدخول الأجنبي لتحقيق مراميه المرسومة والمعدة سلفاً.
وعلى الأمة التخلي عن عقلية حرب البسوس، حتى لا تفقد رهانها مع المستقبل والتاريخ، كما فقدوا رهانهم على فرسيهما داحس والغبراء، والتي كانت قد جرتهم إلى حرب ضروس، استمرت أربعين عاما، فلا أرضا قطعت ولا ظهرا أبقت.
الأمة مطالبة الآن أكثر من أي وقت مضى، بنهج ديموقراطي يثبت دور الشعب فى الاختيار الحر المباشر، لأنظمة الحكم في كل المستويات، وحقه في تطويرها، حتى يصل إلى مرحلة تملك زمام التغيير الحقيقي ويحكم نفسه بنفسه. وهذه بلا شك، معركة شاقة وطويلة في واقع معقد، لكن ضربة البداية واجبة وملحة .
لا يستطيع أيا مَن كان، أن يضع تصورا بمفرده أو بمعزل عن الآخرين، لوطن مترامي الأطراف متعدد الخصوصيات، ولكن يستطيع أن يطرح فكرة المشروع، وهو حقّ مشاع ملك للجميع، وهي في متناول من يؤمن بها وعيا وإحساسا وسلوكا، وأن يبني عليها ويضيف حتى ترى النور.
وينبغي الخروج من الجمود الذي صاحب التجارب الفكرية المنغلقة، بعد مرحلة التحرر والإستقلال الوطني، التي حاولت التزاوج بين واقع مجتمع محافظ وأفكار غربية دخيلة عليه. وكذلك يجب تجاوز الأفكار التقليدية، التي تتعامل مع الواقع وكأنه الأمس .
لا بد من إطلاق قطار التجديد والتحديث والبحث العلمي، ومراعاة تغير الظروف الاقتصادية والإجتماعية والثقافية والسياسية داخل الوطن العربي، والإنفتاح بأريحية على كل التجارب الإنسانية العالمية، أخْذًا وعطاءًا، وبخاصة الديموقراطية منها، والتي تعطي الإنسان قدرة في الحركة والتعبير والعدالة والشفافية.
ولعل أولى العقبات التي ستواجه هذا المشروع، هو النظام العربي الرسمي، الذي سيقاتل لوأد المشروع في مهده . إضافة إلى المفاهيم الخاطئة والتقاليد والأعراف البالية، الموروثة والمتجذرة فى المجتمعات العربية، والتي تدثرت بغطاء ديني وقبلي وجهوي، رعته وغذته أنظمة الحكم الاستبدادية، واستخدمته سندا لها ودعما لها، في مسيرتها الظالمة، وأضحى من الموروثات والثقافة الإجتماعية السالبة، ومن المسلمات التي يلزم القبول بها، والرضى بها بلا نقاش أو إعتراض.
إن الدور التمهيدي والأساسي يقع على عاتق النخب السياسية والفكرية والثقافية، المؤمنة به حقا وصدقا و هدفا، في أن تأخذ المشروع وتفعله عبر مؤتمر جامع للقوى الديموقراطية في العالم العربي، بلا إقصاء، لوضع تصور منهجي، مؤسسي، نهضوي، ديموقراطي، يقدم الخطة والمسيرة والآلية، في أن يكون لأي مواطن أو مواطنة دور ومسؤولية مستقبلية، في شبكة تتوسع وتتكامل لتشمل كل الأقطار، وصولا الى عالم عربي ذو رسالة خالدة، قائدا ورائدا للبشرية، نحو الخير والنماء والسلام والرفاهية.
من باب إن الذكرى تنفع المؤمنين، أرى من الأهمية بمكان أن أعيد إلى الأذهان بعض الأحداث والوقائع التاريخية، التي استهدفت المنطقة العربية في الحقب السالفة، وكانت لها آثار وتبعات كارثية، وأسست للواقع المأساوي الذى ترزح فيه الأمة، وقيّد حركتها، وأفقدها دورها الطليعي المؤثر في صنع التاريخ الإيجابي المعاصر.
فليكن المدخل الى معرفة العدو الصهيوني، بغرض العظة والعبرة واستلهام الدروس والإستفادة منها. فى عام 1897 التقت نخبة من اليهود من أنحاء العالم في مدينة بازل بسويسرا في المؤتمر الصهيوني الأول برئاسة تيودور هرتزل، لمناقشة إيجاد وطن قومي لليهود، في واحدة من ثلاث دول مقترحة ، وهى الأرجنتين وأوغندا وفلسطين.
وقدمت رؤية متكاملة للإعداد المادي والمعنوي والتعبوي واللوجستي، بصحبة تصور منهجي عميق وفاعل، لكيفية السيطرة على ناصية العالم، عبر التحكم في مصادر الإقتصاد والثروة ووسائل الإعلام والرأي ، وكذلك للتصدي لحملات ما بات يعرف بمعادات السامية، التي كانت بارزة ومؤثرة في ذلك الزمان.
وبالعمل الدؤوب والإيمان بالفكرة والهدف، تحقق لهم ما أرادوا عام 1948، وأقيمت دولة إسرائيل على أرض فلسطين العربية، خنجرا في خاصرة العالم العربي. ونمت وكبرت وأضحت قوة ضاربة، ذات يد طولى تصل بها إلى أي مهدد لها على امتداد الوطن وخارجه، كما حدث في العراق وسوريا ولبنان وتونس والسودان وأوغندا وغيرها، ضاربة بالمشاعر الإنسانية وصيحات الإحتجاج وقرارات الأمم المتحدة عرض الحائط.
ولا يجد أحد عناءً كثيرا، ليكتشف السيطرة المطلقة للصهيونية على وسائل الإعلام والإقتصاد ومراكز القرار في العالم، بطرق معلنة وأخرى خفيه. وفي المقابل نجد التراجع الملحوظ وعلو روح الانهزامية والتخاذل هي الطافحة على السطح في المشهد السياسي العربي، ونرى ونشاهد بحسرة وأسى، موسم الهرولة العربية نحو العدو الصهيوني، للفوز بالرضى والإحسان ولربما الشعور بالأمن والأمان.
وعندما صرح نتنياهو قائلًا: “إن معظم الدول العربية على تواصل مع دولة إسرائيل”. لم يكتشف أميركا، فالأمر ما عاد سرا مستورا. وحتى السودان، موطن لاءات الخرطوم الثلاثة: لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض مع إسرائيل، وهو الخارج من غمار ثورة مبادئ وقيم، صرح وزير شؤونه الدينية الجديد مطالبا بعودة اليهود السودانيين، والذين غادروا بمحض إرادتهم الى دولة “إسرائيل”. ولم يفتح الله عليه بكلمة واحدة في حق المسجد الأقصى، الذي تنتهك حرمته يوميا ، أو في حق الحرم الإبراهيمي، وفي نفس السياق صرحت وزيرة الخارجية السودانية، بأنها لا تستبعد إقامة علاقات ديبلوماسية مع إسرائيل، ولكن هذا ليس الوقت المناسب لظروف البلاد الثورية !
والفطن المجرم لا يضيع الفرص المؤاتية، فأعلن نتنياهو نيته ضمّ غور الأردن وشمال البحر الميت حال فوزه في الإنتخابات البرلمانية. وهذا يفسر لنا إصراره على تولي الفترة الأولى لرئاسة الوزارة، لينفذ وعده بمساعدة رئيس أميركي داعما له وطامحا في دورة رئاسية ثانية، غير آبه بأن يكون أسيرا تحت رحمة اللوبي الصهيوني، حتى قيام الانتخابات الرئاسية.
محطة أخرى مهمة، وهي عقد إتفاقية “سايكس ـ بيكو” السرية عام 1916 بين فرنسا وبريطانيا، بمباركة الإمبراطورية الروسية، التي قسمت منطقة الهلال الخصيب، بين فرنسا وبريطانيا على أثر ضعف الخلافة العثمانية وإرهاصات انهيارها. ثم جاء وعد بلفور عام 1917، الذي أعطى من لا يملك إلى من لا يستحق، أرض فلسطين لتقوم عليها الدولة المزعومة لليهود .وكان من مآلات تلك الاتفاقية، تنصيب دمى قبلية وعشائرية تابعة وعميلة للقوى الإستعمارية على إدارة (الجزر) العربية المنعزلة، ليحكموا بالظلم والاستبداد ليؤسسوا لملك عضوض لا مكان فيه لإرادة الشعب، وحقه المشروع في السلطة والثروة والعدالة.
وكان طبيعيآ أن تصاب الأمة بنكبة بعد نكبة. والقاعدة البديهية تقول :لكي يُحرر الشعب ينبغي أن يتحرر أولاً.
كانت مرحلة النضال الوطني ومقاومة الاستعمار، قد أورثت الدول العربية أنظمة حكم كانت وبالا على شعوبها، بتولي السلطة ملوك وأمراء ورؤساء وعسكريين حكموا بالحديد والنار، استبدوا أيّما إستبداد، ودخلوا في محاور الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، واستخدموا آلة إعلامية مضللة، وجمعوا حولهم بطانة الفساد تزين لهم أفعالهم المشينة، وتجد لهم المبرر والمسوّغ، وخلفهم جوقة من علماء السلاطين لإصدار الفتاوى الكاذبة .
أبطلوا الحريات العامة، بدعوى أنها تقف حجر عثرة في طريق التنمية الشاملة، ولا تتناسب مع الاستعدادات الجارية لخوض معركة المصير مع إسرائيل. فلا التنمية تحققت ولا إسرائيل رحلت.
وفي الحقيقة حدث العكس تماما، فإسرائيل أصبحت واحة للحرية والديموقراطية لسكانها من اليهود، ومركزا مشعا للعلوم والتكنولوجيا ، وجحيمأ للشعب العربي الفلسطيني.
ثم جاءت أحداث 11 سبتمبر عام 2001 (المفبركة)، والتي قادت إلى غزو العراق عام 2003 بذريعة امتلاكه أسلحة الدمار الشامل، وتحول العراق العظيم، بما عنده من إقتصاد ضخم وطاقة بشرية علمية هائلة وجيش مدرب ومؤهل، وصل تعداده المليون إلى بلد محتل من قبل الأميركيين، فعاثوا فيه فساد، قتلا، تعذيبا، سجنا، قهرا، ظلما وانتهاكا للحرمات. ووضعوا له قواعد لدولة طائفية فاشلة، قادت إلى حرب أهلية، ساد فيها شرع الغاب، وجلبت تدخلا إيرانيا سافرا وأدخلته في نفق مظلم غير محسوب العواقب .ثم تركوه لمصيره، يعيش مأساته بنفسه، يكابد الفقر والتنازع على السلطة وشبح الحرب الأهلية والتقسيم .
خلقت داعش وقبلها القاعدة، وأوهموا العالم بأن خطر الإرهاب الكاسح لكل القيم والحضارات قادم من الشرق الأوسط، حتى يجدوا مسوغا للتدخل وخلق الدمار الشامل لدول المنطقة، وتحطيم البنية التحتية والإقتصادية، ومن ثم تنفيذ نظرية شيكاغو المسماة بالصدمة، لتمرير خططهم الخبيثة. فادّعو أن داعش تملك جيشا جرارا بعشرات الآلاف وأسلحة كيميائية، وقد يكون في مقدورها الحصول على أسلحة نووية!
وكان الإرهاب المزعوم ذريعة دخلت بها القوى الغربية إلى العراق، ثم سوريا، حيث شكل دخول إيران وروسيا نقطة تحول في الصراع الدائر في المنطقة. وأضحت أرض سوريا الخيرة المعطاءة، خربة جرداء، وساحة حرب تتنافس فيها الجيوش وتتبارى في تجريب أكثر الأسلحة فتكا و دمارا.
والحصيلة حتى الآن، قتل أكثر من مليون شهيد و6 مليون مهاجر في الداخل والخارج، ودمار شامل للبنية التحتية والتاريخية، في بلد حضارته تعود إلى آلاف السنين قبل الميلاد، وهو كذلك يواجه خطر التقسيم .وليبيا أيضا، تحولت إلى أرض محروقة ومعبرا لتجارة البشر، تتصارع على أرضها المليشيات المسلحة والأنظمة العربية المسيرة، وتنهب خيراتها الوفيرة، بينما إنسانها يعيش الفقر والبطالة في بلد يُعد من أغنى دول العالم .واليمن (السعيد) أصبح شقيا، مريضا وجائعا بفعل الحرب الأهلية العبثية، التي لا طائل من ورائها غير الدمار والخراب. والتي طالت نيرانها بعض دول الخليج، التي لن تسلم أيضا، فهي على مرمى حجر من بؤرة تلك النيران، وتجلس على صفيح ساخن، وتقبع فيها قنبلة موقوتة ستنفجر لا محالة، متمثلة في الوجود الأجنبي الذي يجعل من العرب أقلية في أوطانهم.
المخطط جاري، لفرض قوانين دولية تشرذع لحق الإقامة والجنسية الملزمة لكل الأطراف. وتفرض حق الترشيح والتصويت لحاملي جنسية البلد المعين، عليه، يمكن لهذا الوجود الأجنبي أن يحكم أو يتحكم في السلطة فى السنين المقبلة .
بعد كل هذه الوقائع التاريخية، والفرضيات المحتملة، يبرز السؤال المشروع الذي يطرق باب كل عربي وكل مراقب ومتابع، وهو: ما هو مصير هذه الأمة؟ والى أين تسير؟ وهل فقدت البوصلة وضلت الطريق؟ وهل خرجت عن دائرة التأثير الإيجابي العالمي وأضحت على الهامش؟ وهل إنقصم ظهرها وما عادت قادرة على العطاء في حمل رسالتها التاريخية للعالم في التنوير والتطور الحضاري؟
وهل هي تملك أصلا الرؤية والهدف والأدوات والمعاول لتحقيق هذا الدور، واللحاق بالمسيرة الناهضة والصاعدة؟ للإجابة على كل هذه الأسئلة وغيرها، ينبغي في البدء أن تحدد الأمة أهدافها وترتب أولوياتها، من هم ذوي القربى؟ ومن هم أبناء السبيل؟ ومن هم أصدقاؤها؟ ومن هم أعداؤها؟ وأن تخرج من نمط الأوهام التاريخية السالبة. فمن الخبل أن يتصارع الناس حول معركة الجمل، وأيهما أولى بالخلافة علي أو معاوية؟ أو نبش تاريخ الخلافة العثمانية. فإيران ستظل وإلى الأبد جارة للأمة العربية وكذلك تركيا.
لا بد من النظر الى العلاقات الإقليمية والدولية بمفهوم جديد، يدفع بروح حسن الجوار والعيش المشترك الآمن وفق منهج سلمي، يحفظ حقوق كل الأطراف وينمي ويدعم ويرفع من شأن المصالح المشتركة .
فى المقام الاول: المطلوب مصالحة عربية عربية عاجلة، تخرج جميع الدول العربية من حالة الاستقطاب الحادة والخصومة الفاجرة وشق الأمة إلى محاور وهمية.
ويقيني أن كل الصراعات العربية لن تحلها الحروب، وإن طال الزمان أو قصر، سيكون مكان حلها وحسمها هو طاولة المفاوضات، واستمرار الحروب هو فقط مدعاة لاستنزاف المال العربي، وثغرة لدخول الأجنبي لتحقيق مراميه المرسومة والمعدة سلفاً.
وعلى الأمة التخلي عن عقلية حرب البسوس، حتى لا تفقد رهانها مع المستقبل والتاريخ، كما فقدوا رهانهم على فرسيهما داحس والغبراء، والتي كانت قد جرتهم إلى حرب ضروس، استمرت أربعين عاما، فلا أرضا قطعت ولا ظهرا أبقت.
الأمة مطالبة الآن أكثر من أي وقت مضى، بنهج ديموقراطي يثبت دور الشعب فى الاختيار الحر المباشر، لأنظمة الحكم في كل المستويات، وحقه في تطويرها، حتى يصل إلى مرحلة تملك زمام التغيير الحقيقي ويحكم نفسه بنفسه. وهذه بلا شك، معركة شاقة وطويلة في واقع معقد، لكن ضربة البداية واجبة وملحة .
لا يستطيع أيا مَن كان، أن يضع تصورا بمفرده أو بمعزل عن الآخرين، لوطن مترامي الأطراف متعدد الخصوصيات، ولكن يستطيع أن يطرح فكرة المشروع، وهو حقّ مشاع ملك للجميع، وهي في متناول من يؤمن بها وعيا وإحساسا وسلوكا، وأن يبني عليها ويضيف حتى ترى النور.
وينبغي الخروج من الجمود الذي صاحب التجارب الفكرية المنغلقة، بعد مرحلة التحرر والإستقلال الوطني، التي حاولت التزاوج بين واقع مجتمع محافظ وأفكار غربية دخيلة عليه. وكذلك يجب تجاوز الأفكار التقليدية، التي تتعامل مع الواقع وكأنه الأمس .
لا بد من إطلاق قطار التجديد والتحديث والبحث العلمي، ومراعاة تغير الظروف الاقتصادية والإجتماعية والثقافية والسياسية داخل الوطن العربي، والإنفتاح بأريحية على كل التجارب الإنسانية العالمية، أخْذًا وعطاءًا، وبخاصة الديموقراطية منها، والتي تعطي الإنسان قدرة في الحركة والتعبير والعدالة والشفافية.
ولعل أولى العقبات التي ستواجه هذا المشروع، هو النظام العربي الرسمي، الذي سيقاتل لوأد المشروع في مهده . إضافة إلى المفاهيم الخاطئة والتقاليد والأعراف البالية، الموروثة والمتجذرة فى المجتمعات العربية، والتي تدثرت بغطاء ديني وقبلي وجهوي، رعته وغذته أنظمة الحكم الاستبدادية، واستخدمته سندا لها ودعما لها، في مسيرتها الظالمة، وأضحى من الموروثات والثقافة الإجتماعية السالبة، ومن المسلمات التي يلزم القبول بها، والرضى بها بلا نقاش أو إعتراض.
إن الدور التمهيدي والأساسي يقع على عاتق النخب السياسية والفكرية والثقافية، المؤمنة به حقا وصدقا و هدفا، في أن تأخذ المشروع وتفعله عبر مؤتمر جامع للقوى الديموقراطية في العالم العربي، بلا إقصاء، لوضع تصور منهجي، مؤسسي، نهضوي، ديموقراطي، يقدم الخطة والمسيرة والآلية، في أن يكون لأي مواطن أو مواطنة دور ومسؤولية مستقبلية، في شبكة تتوسع وتتكامل لتشمل كل الأقطار، وصولا الى عالم عربي ذو رسالة خالدة، قائدا ورائدا للبشرية، نحو الخير والنماء والسلام والرفاهية.
* ناشط سياسي.



