مقالات

السودان.. الحلّ فى إبعاد “الطغمة العسكرية”

د. علي ابراهيم/ السودان

خاص “المدارنت”..

فى صبيحة الحادي والعشرين من الشهر الماضي أستيقظ السودانيون على وقع خبر وقوع محاولة إنقلاب فاشلة للإستيلاء على السلطة و على غير العادة فى مثل هذه الحالة لم تكن هناك أى مظاهر أو مشاهد تدلل على أمر غير عادي، فالحياة كانت تسير بشكلها الطبيعي في كل المرافق و على كل المستويات وبدت الريبة تدب فى نفوس الناس وبخاصة عند من لهم إهتمام بالشأن السياسي مقرونة بوقائع مسلك المكون العسكري منذ إنقلابه على ثورة ديسمبر في 11 أبريل 2019 وتعاظمت  هذه الشكوك عندما تبين ان من قاد محاولة الإنقلاب (المزعومة) هو كادر معروف للحركة الإسلاموية منذ مرحلة دراستة الثانوية وإنه عاد قبل أسبوع من القاهرة بعد رحلة إستشفاء بترت فيها ساقه.

  فهل يعقل لمريض فى مرحلة نقاهة من مرض يحد من الحركة أن يقوم بعمل فى مثل هذه الخطورة؟!
  وتجلت الصورة أكثر وضوحا بعد أن صرح المهندس المناوب في التلفزيون بأن أحد الضباط حضر فى السادسة من صباح ذاك اليوم وبصحبة شخصين مدنيين ولا يحملون أى سلاح وطلبوا منه إيقاف البث والبدء فى تقديم مارشات عسكرية إيذانا بإعلان إنقلاب عسكري، فرد عليهم بأنه يتلقى أوامره من مدير التلفزيون وليس من غيره فرجعوا أدراجهم مسرعين دون أدنى إصرار أو إلحاح.
   هل هكذا تنفذ الإنقلابات؟!
   وبعدها تسربت أخبار غير رسمية عن مطالب الإنقلابيين و إن صحت فهى لا ترقى إلى مستوى الإستيلاء على قرية، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بدولة! وفى مجملها لا تحمل قيما وطنية أو رؤية سياسية و هى غاية في السذاجة و السطحية.
     وكل ما سلف يقودنا بأن العملية كلها لا تعدو في أن تكون مفبركة و مصطنعة أريد بها باطلا، شأنها شأن مسرحية التضليل والنفاق التى قامت بها الجبهة القومية الإسلاموية عام 1989 حين إنقلبت على النظام الشرعي المنتخب وإعتقلت قادة الأحزاب السياسية ومن بينهم عراب الإنقلاب حسن الترابي، الذى إعترف فيما بعد بأن فى الليلة السابقة لذاك الإنقلابات إلتقى بالعميد عمر البشير، و قال له: “سأذهب إلى السجن حبيسا وستذهب إلى القصر رئيسا”.
     وأصبحت هذه المقولة عنوانا فاضحا للخداع وللكذب و للنفاق ودمغت عهدا مظلما من تاريخ السودان السياسي، سار على هدى “الغاية تبرر الوسيلة” بعيدا عن المقاصد الشرعية للإسلام من نظام أدعى زورا وبهتانا رفع لواء الإسلام .
          فى اليوم التالى لمحاولة الإنقلاب  “المزعوم” وبينما كان الجميع يترقب خطاب الفريق البرهان، والذى من المفترض ان يعلن فيه إدانته للمحاولة وتقديم تفاصيل أوفى، تجيب على التساؤلات وتزيل حالة الإبهام والإرباك التى صاحبتها تكشف عن هويتها وعلى غير المتوقع جاء خطابه – عند زيارته  لإحدى الوحدات العسكرية – ليزيد الشكوك حولها ويلقى ظلالا من التوجس والظنون، حيث لم ينبس ببنت شفة لتشكل إدانة أو تلمحيا مبطنا لإدانة، بل صب جام غضبه على المكون المدني و حمله مسؤولية الإخفاقات السياسية والأمنية والإقتصادية جاعلا منها مسوغا ومبررا  منطقيا  للمحاولة الإنقلابية وكأن الأمر لا يعنيه فى  شيء وهو قائد الجيش و محتكر معظم السلطات السيادية و التنفيذية طوعا وكرها.
      قد نتفق معك يا سيادة الفريق بأن المكون المدني أرتكب أخطاءا جسيمة وفى مقدمتها أن جعل منكم شركاء فى ثورة، أنتم لستم جزءا منها، بل لم تشاركوا فيها إطلاقا، بل أنتم أعداءها بلا منازع و شاركتم فى سلطة البشير وكنتم بطانته و لجنته الأمنية المنوطة بحمايته الشخصية وحماية نظامه حتى لحظة سقوطه وإنقلابكم كان على الثورة لا عليه وفرضته الضرورة  لإنقاذه وإنقاذ أنفسكم من ثورة كانت على قاب قوسين أو أدنى من النصر وكان إحدى حلقات  مسرحية  “سأذهب إلى السجن حبيسا وستذهب إلى القصر رئيسا”  ولا أشك إطلاقا أن المحاولة الإنقلابية المزعومة هى فصل آخر من فصولها و لن تكون الأخيرة من نظام جبل على المكر والخداع.
 ولنتفق أيضا أن من أخطاء المكون المدني أن سلمكم ملفات تنفيذية مهمة كلإقتصاد والسياسية الخارجية و السلام و الأمن بلا وجه حق، لقد أوردتم  البلاد مراتع الفشل و مكامن الضياع.
    بإعتراف السيد رئيس مجلس الوزراء أن 82 % من مفاصل الدولة ومؤسساتها الإقتصادية تملكها القوات الأمنية والعسكرية، أنت يا سيادة الرئيس القائد الفعلي لتلك القوات، فمن هو إذن المسؤول عن الأزمة الإقتصادية والمالية؟
   الإتفاق الموقع مع قوى الحرية والتغيير أعطى المكون العسكري الحق الحصري فى إختيار وزيري الدفاع والداخلية ولا يستطيع رئيس مجلس الوزراء عزلهما، فمن هو المسؤول إذن عن التدهور الأمني فى البلاد وعن الحروب الأهلية المشتعلة في الأقاليم؟
    اتفاقية جوبا والتى قادت إلى تظلمات منطقية و مشروعة، في وسط و شمال وشرق البلاد، قادها ووقعها وفد من المكون العسكري وفى الجانب الآخر وفد من أمراء الحرب الذين هم شركاؤك فى السلطة الآن، فمن هو المسؤول إذن عن إشعال نار الفتنة الأهلية في الشرق وفى المناطق سالفة الذكر؟.
     ومطالب الشرق وإن بدت موضوعية من حيث الشكل كالتنمية والخدمات و هى مطالب يتشارك فيها معظم الريف السوداني ولكن ما الذى يجعل من يقودها أن يطالب بحل الحكومة المدنية وبإستيلاء  المكون العسكري على السلطة وبحل لجنة تفكيك نظام البشير وأن يعلن بأنه تحت حماية المكون العسكري!
هي مطالب سياسية بحتة، لا تقارب الواقع المناطقي للشرق ولا يوجد ما يبررها، اللهم إلا إذا كانت لشيء فى نفس يعقوب .
      وهو من يغلق الموانيء ويقفل الطرق ويخنق البلاد ويعطل حركتها  ويجعلها كلها رهينة لعمل فوضوي خارج نطاق المعقول والقانون وأنتم تنظرون إليه بعين الرضا! هل يمكن ان نعتبره فعلا بريئا؟!
   لقد ظل الفريق البرهان ونائبه محمد دقلو يجوبان الوحدات العسكرية ويتبادلان الهجوم اللازع على المكون المدني من منطلقات لا تقنع احدا وفى اغلب الأحيان تناقض بعضها البعض فى محاولة أقل ما توصف بها بأنها غير موفقة لدق إسفين بين الشعب وقواته المسلحة ولشق الصفوف وللتمهيد إلى ما هو آتي والخطة مكشوفة وفطيرة ولن تنطلي على أحد والشعب وقواته المسلحة على وعي بمغزاها ومدركون لمراميها وقادرون  على إسقاطها.
 وهنا تجب القراءة الصحيحة للدروس الشبيهة من تجارب الشعوب وأخذ العبر والعظة.
ولعل الاستحقاق الملزم في إنتقال رئاسة مجلس السيادة للمكون المدني فى الشهر القادم  قد أخل بحساباتهم المشحونة أصلا بهاجس جريمة فض إعتصام الثوار أمام القيادة العامة للقوات المسلحة وإضافة للجرائم المرتكبة ضد الإنسانية في دارفور، قد عجلت بتصعيد لهجة التصريحات والمخاطبة ضد المكون المدني كمقدمة لشر مستطير غير محسوب العواقب وتدلل عليه نبرة التهديد والوعيد والتحذير فى الخطاب السياسي واللجوء إلى الأحزاب التى كانت مشاركة في سلطة نظام البشير ومعها خلف الستار حزب البشير  (المحلول) إضافة إلى بعض أمراء الحرب وجوقة من المهجرين السياسيين، ليشكلوا منهم حاضنة سياسية بعد أن يئسوا من دعم  الشارع السوداني الثائر والمتطلع إلى ديمقراطية حقيقية وإلى سلطة مدنية على هدى شعارات ثورة ديسمبر المجيدة.
 وبعد أن نظمت قوى الحرية والتغيير نفسها ورتبت حالها من جديد وفقا متطلبات المرحلة إستجابة لطبيعة المرحلة الجديدة.
وفى سياق خلط الأوراق والدفع بحركة الإرباك خطوة إلى الأمام ، صرح الفريق البرهان بأن حل الأزمة السياسية يكمن في حل الحكومة وتكوين حكومة تسع كل المكونات السياسية وفى تصريح رديف صرح نائبه دقلو بأنهم لن يسلموا الشرطة والأمن إلى الحكومة الحالية،  إستنادا على الوثيقة الدستورية.
     مراوغة بائسة وعاجزة بعد أن تم خرق هذه الوثيقة من المكون العسكري نفسه عدة مرات، للمثال لا الحصر تم تعيين دقلو نائبا لرئيس مجلس السيادة ولا يوجد نص يدعمه، ثم وضعت المادة 80 فى الوثيقة بعد إتفاقية جوبا التى شرعت إلى تكوين مجلس شركاء الفترة الإنتقالية ودخل بموجبها 6 أعضاء من الحركات المسلحة مجلس الوزراء  و3 أعضاء مجلس السيادة هذه الإضافة تستوجب موافقة  المجلس التشريعي الذي لم يكون بعد والذى كان من المفترض ان يختار بعد ثلاثة اشهر من التوقيع على الوثيقة وغيرها من الخروقات الفاضحة.
      إذا كان الفريق البرهان يصر على إنتمائه هو وزمرته فى المكون العسكري إلى ثورة ديسمبر المجيدة وأعطى لنفسه الحق فى الأمر والنهى بإسمها، عليه الإجابة بالوضوح والشفافية اللازمتين على أسئلة مستحقة للشعب السوداني.
  * هل كان يمكن لضابط في الجيش السوداني أن يصل  إلى مرتبة الفريق وإلى عضوية اللجنة الأمنية المسؤولة عن حماية نظام البشير دون ان يكون عضوا أصيلا في النظام؟
* لماذا قمتم بمعاقبة الضباط الوطنيين الذين حموا الثوار أمام القيادة؟
* أنت يا سيادة الفريق القائد الأعلى للقوات المسلحة بما فيها الأمن العام والدعم السريع، لقد ارتكبت جريمة فض الإعتصام أمام القيادة تحت نظرك وسمعك وكان الثوار فى حماية القوات المسلحة فمن هم الذين ارتكبوا جريمة قتل الثوار وفض الإعتصام ؟
فإذا كنت تعرف قل الحقيقة.
وإذا لا تعرف عليك الإستقالة الفورية لأنك فى هذه الحالة تكون لست أهلا للأمانة فالذين قتلوا الثوار لم ينزلوا من السماء بل هم جنود بالزي العسكري أرتكبوا جرمهم جهارا نهارا وأمام القيادة التي ترأسها.
  * لماذا لا تقبل بلجنة دولية أو إفريقية للتحقيق فى جريمة  فض الإعتصام وأكتفيت بلجنة شكلت بمقاييس خاصة لطمس القضية؟
  * لماذا ترفض تشكيل مؤسسات وهياكل الفترة الإنتقالية من مجلس تشريعي ومحكمة دستورية ونيابة عامة ورئاسة قضائية ومفوضيات منصوص عليها في الوثيقة الدستورية إلا بمواصفات تتوافق مع رغباتكم ؟
  * هل التطبيع مع الكيان الصهيوني كان من شعارات الثورة و مطالبها؟
  * هل السياسية الخارجية وحفظ الأمن والسياسة الإقتصادية من مسؤولية المجلس السيادي؟
  * لماذا لم  تتم هيكلة الأجهزة الأمنية والشرطية والعسكرية حتى الآن وأنت تعلم قبل غيرك أن كل مفاصلها فى أيدى عناصر النظام السابق؟
  * لماذا لم يعتقل من كان فى موقع القيادة السياسية فى النظام السابق ومن أفسد على المستوي الإقتصادي و الإجتماعي؟
  لماذا لم يسلم البشير وصحبه إلى محكمة الجنايات الدولية؟
جملة من الأسئلة الأخري و التى لا تحصى ينبغي أن   تجيب عليها بشفافية و شجاعة و حينها ستدرك موقعك الطبيعي من الأحداث و ستدرك أيضا بأن جيش السودان العظيم لا علاقة له بما تقومون به و لا بمحاولة جره إلى ساحة لا تخصه .
موقعه هو الرجوع إلى ثكناته حماية للوطن و لثغوره بعيدا عن ألاعيب السياسة و مكرها.
هذا شأن الجيوش في كل العالم الحر و من أراد أن يدخل غمار السياسة عليه أن ينزع بزتة العسكرية و أن يتقدم بجهده و فكره و رؤيته للجماهير .
حل المشكل السوداني هو أن يلتزم مجلس السيادة بدوره التشريفي و أن تتكون حكومة مدنية كاملة الدسم من عناصر مؤهلة مؤمنة بالديمقراطية وذات عمق ثوري وتاريخ نضالي ضد الأنظمة الديكتاتورية وقادرة على وضع برامج تعبر بالبلاد إلى بر الأمان وتضع الأسس العلمية الكفيلة لنهضته  على كل المستويات ترتكز على معطيات وواقع حال الوطن.
  وعلى السيد رئيس مجلس الوزراء عبد الله حمدوك أن يتخلى عن موقفه المبهم، الضبابي والذى لا لون له ولا طعم ولا رائحة وأن يتقدم الصفوف ولا يزال عنده متسعا من الوقت أن ينقذ ما يمكن إنقاذه من الثورة.
     وإذا لم يقبل المكون العسكري النصح و الهداية فليس هناك خيار آخر سوى إستمرار الثورة حتى النصر،  عنوة وإقتدارا، فلا مجال لديكتاتورية جديدة ولا بديل للديمقراطية إلا الديمقراطية.
=====================
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى