مقالات

السودان.. حكومة حمدوك والتأرجح بين الواقع والتطلعات

د. علي ابراهيم*/ السودان

خاص “المدارنت”..

حدثت فى تاريخ السودان الحديث ثلاث ثورات، أطاحت بأنظمة عسكرية شمولية مستبدة. الأولى كانت ثورة أكتوبر عام 1964، التى أسقطت نظام الفريق إبراهيم عبود، والثانية كانت في عام 1985، التي أسقطت نظام المشير جعفر نميرى. ولكن أعظمها وأكثرها شعبية وشمولية وتأثيرا هي ثورة 19 ديسمبر عام 2018، التى عمّت كل بقاع السودان، من أرياف وحضر وقرى ومدن وبوادي، وقدمت مئات الشهداء، وآلاف الجرحى والمفقودين، ولا تزال تتفاعل، ولم تبلغ مبتغاها بعد.

كان الحراك الشعبي الثوري في قمته، وعلى قاب قوسين أو أدنى من النصر، عندما وقع إنقلاب اللجنة الأمنية المنوط بها الدفاع عن نظام البشير وحمايته في أبريل الماضي، ليوقف وصول الثورة إلى أهدافها المعلنة، في الحرية والسلام والعدالة، وتفكيك دولة الإنقاذ، ومحاسبة رموزها سياسيا وجنائيا، ومن ثم إقامة دولة الوطن والمواطنة، على أسس الديموقراطية وكفالة الحريات وإعلاء قيم الشفافية وحكم القانون .

لقد ارتكبت قوى الحرية والتغيير – الحاضنة السياسية للثورة – خطأً جسيما، عندما أعتبرت اللجنة الأمنية جزءًا من الثورة، وأعطتها حقا لم تملكه، وألبستها شرعية زائفة، ثم إنخرطت معها في محادثات عقيمة وعبثية، قادت في النهاية إلى تجريد الثورة من كثير من قيمها وشعاراتها، وضعت العراقيل أمامها، حتى لا تصل إلى تغيير جذري في البنية السياسية والعسكرية والأمنية والشرطية والعدلية والإقتصادية والإعلامية .

وجاءت الوثيقة الدستورية التي اتفق عليها، معيبة، وفيها الكثير من الثقوب والهنات، التي وضعت الثورة ومكتسباتها في مهب الريح. وكتبت بعض من نصوصها لتكون خاضعة للقراءات والتأويلات المختلفة، وبالفعل تعثر وتأخر اختيار رئيس القضاء، والنائب العام فترة طويلة، نتيجة ضبابية تلك النصوص.

ولا يزال معظم أركان النظام البائد الفاسدون طلقاء، وإعلامه هو المسيطر، والناطق في ظل غياب كامل لإعلام الثورة، وفي ظل هذا الجو، نشطت قوى الثورة المضادة، المتمثلة في منتسبي النظام السابق، وظهرت على السطح مرة أخرى، بعدما كان مختفية وفي حالة ترقب وتحسس للواقع الجديد، مستغلة ضعف صياغة تلك الوثيقة الدستورية.

جاءت حكومة حمدوك، نتيجة لإتفاق قوى الحرية والتغيير واللجنة الأمنية، التي سميت فيما بعد بالمجلس العسكري الإنتقالي، وأصبحت أيضا مقيدة بالوثيقة الدستورية. وارتكبت هذه القوى خطأً آخر، لا يقل جسامة عن سابقه، حيث أقرت بأن يكون أعضاء مجلس الوزراء من غير السياسيين الحزبيين المحترفين، وأن يكونوا من الكفاءات العلمية والتقنية والمهنية، وبالتالي أفرغت مجلس الوزراء من الحسّ والتقدير السياسي القادر والعالم والمدرك لطبيعة المرحلة ومتطلباتها.

ومن أولى البديهيات والمسلمات، أن الخطط والبرامج والتوجهات يضعها السياسيون، وتنفذها الكفاءات العلمية.

ثم أن السيد حمدوك نفسه، لم يلتزم باختيار الوزراء من القائمة المقدمة من قبل قوى الحرية والتغيير، كما كان متفقا عليه، واختار كثيرا من الوزراء من معارفه الخاصين، ولهم انتماءات سياسية، وارتباطات وثيقة مع بعض الأحزاب السياسية.

لهذا وذاك، أصبح من الواضح لكل المراقبين والمتابعين للشأن السوداني، ضعف مجلس الوزراء وتخبطه، وأضحى بلا مردود فعلي ملموس، ويبدو في نظر الكثيرين تائهاً، يبحث عن مسلكه.

وظل السيد حمدوك منذ أول مؤتمر صحفي عقده حتى الآن، يلقي بأقوال وتصريحات ترفع من سقف تطلعات وتوقعات بعيدة المنال، فى ظل واقع معاش لوطن منهك ومدمر ، ومن المستحيل النهوض به بمثل تلك التصريحات النظرية الجوفاء، التي لا تلامس أو تقارب الواقع، بل تخلق جوا من الإحباط واليأس لدى المواطن العادي.

إنقضى حوالي 100 يوماً منذ تشكل الحكومة الإنتقالية، وهي الفترة الزمنية التقليدية، التي يقاس بها أداء أي حكومة في العالم.

 وحتى هذه اللحظة، لم يقدم السيد حمدوك بيانه الوزاري الى الشعب، لكى يدرك المواطن ماذا هو فاعل به في مستقبل ما تبقى من الفترة الإنتقالية.

إن واقع الحال لم يتغير على المستوى المعيشي، منذ سقوط نظام البشير، فالغلاء طاحن والتضخم وصل إلى قدر غير مسبوق، في ظل تدهور للعملة السودانية مقابل العملات الأجنبية، وأزمة مواصلات عصية على الحل في الوقت المنظور.

إن محاولة إيهام الناس في دعم وشيك من صناديق المال الدولية أو العربية، هو بمثابة تخدير للمشاعر الوطنية، وذر للرمال في العيون، وتدل على فهم فطير للسياسات الدولية والعربية، التي هي أصلا مرتبطة ببعضها البعض، فتلك الصناديق تشكل عنوانا ومؤشرا للابتزاز الدولي والعربي، والذى له شروطه وروشتته وأجندته المستحقة وغير المستحقة.

وعلى نفس السياق، تقع قضية رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب. وهو أمر يتعلق بقرار سياسي وإجرائي، مرهون بمحادثات السلام مع الحركات المسلحة، ويشكل عنصر ضغط وإبتزاز للسلطة الإنتقالية، لتمرير الأجندة المعدة سلفا من الدوائر الأميركية والغربية للسودان.

إن السودان، يمرّ بأزمة سياسية حقيقية، ينبغي الإعتراف بها أولا، حتى تتم معالجتها بشفافية وجرأة. وأول عناصر تلك الأزمة، هي العلاقة بين المكون العسكري  والقوى الثورية، التي قادت الثورة ولا تزال، تواصل مسيرتها نحو النصر المأمول. ينبغي توضيح وتحديد أسس تلك العلاقة قبل فوات الأوان، وإنقضاض العسكر القاتل للثورة.

 وثاني تلك العناصر، هو الحفاظ على وحدة قوى الحرية والتغيير، التي ظهر عليها قدر من اختلاف الرؤى والتوجهات بين مكوناتها. وهي ملزمة على التوافق الكامل برؤية واضحة لخارطة طريق، تنجز أهداف الثورة حتى نهاية الفترة الإنتقالية.

 وثالث تلك العناصر، هو ما طفح من تعامل هين ورخو مع الثورة المضادة، ومع عناصر النظام السابق، السيادية والتنفيذية والتشريعية والإقتصادية والإعلامية والعسكرية والأمنية والشرطية والعدلية والتى فسدت وأفسدت. وينبغي أن تطبق عليها العدالة الإنتقالية الفورية، استنادا الى الشرعية الثورية، حتى يتسنى بناء نظام ديموقراطي راشد، يؤسس لحياة سياسية معافاة، تقوم على المواطنة المتساوية، وترفع من شأن القيم الإنسانية والعدلية.

ولإنقاذ الثورة، المطلوب من السيد حمدوك أن يجري مراجعة صادقة لأداء حكومته. وسيجد أنها عاجزة أو كسيحة في بعض المواقع، وعليه إجراء تعديل وزاري لمعالجة تلك الإخفاقات، وأن يقدم برنامجا واقعيا يقوم على أرضية موضوعية وشفافة لواقع البلاد، يحدد فيه متطلبات المرحلة القادمة في سقف مستطاع، بلا تضخيم أو مبالغة، يخاطب العقل لا العاطفة. وأن يقوم بدوره التنفيذي كاملا، وألّا يترك مساحة أو هامش لمجلس السيادة ليتغوّل فى الحقل التنفيذي.

وعلى قوى الحرية والتغيير، أن تمارس صلاحيتها كحاضنة سياسية للثورة، وتعجّل في تشكيل المجلس التشريعي، ليقوم بمهامه التشريعية والرقابية، في هذه المرحلة الحرجة والمفصلية المهمة. وأن تقدم أعضاءًا سياسيين محترفين لمجلس الوزراء، حتى يكون المجلس مرآة تعكس صورة الثورة الحقيقية، ويعبر بصدق عن روحها، ويحافظ عليها ويحمي قيمها وشعاراتها ومبادئها.

وحتى انتصار الثورة، والوصول إلى أهدافها، على لجان المقاومة الشعبية أن تظل في مواقعها، يقظة وواعية للمخاطر التي تحاك ضدها، بغرض إجهاضها.

  * ناشط سياسي

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

تعليق واحد

  1. كالعادة،،، مقال صادق من سياسي، وطني متجرد
    لك التحية عزيزي دكتور علي،،، يا ليتهم اصغوا إليك و استجابوا لآرائك و تعاملوا مع ملاحظاتك التي ظللت تنبه لها و تحذر من عواقبها،،، ليت السيد حمدوك يجري تقييم شفاف للفترة منذ توليه المنصب،،، عموما أخشى أن يكون هو و السادة الوزراء وقعوا تحت تأثير (مخدر) السلطة الذي أضاع من سبقهم.
    مع خالص ودي
    تاج السر الميرغني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى