الصنمية في العقلية العربية الحاضرة
خاص “المدارنت”..

إن ظاهرة الصنمية، تعد من أخطر الإشكاليات التي تعاني منها العقلية العربية الحاضرة، لما لها من نتائج سلبية على حاضر الأمة العربية ومستقبلها. فالعقلية العربية الحاضرة تتصف بأنها لا تسعى الى التجدد والتجديد، والتغيّر والتغيير، والتطور والتطوير، والتماشي مع متطلبات العصر الحاضر وحداثته وتطوره ورقيه، وهي عقلية جامدة، تعاني من عدم القدرة على الإبتكار والإبداع، وإذا حدث بعض منه فإنما يحدث بصورة فردية، وليس وفقا لمنهجية علمية مؤسساتية، وخارج إطار بيئتها وجغرافيتها، وإذا حاول أحد الخروج عن ذلك في بيئتها، وقفت ضده ومنعته وكفرته تكفيرا دينياً أو ايديولوجيا أو حزبيا. أو.. أو.. إلخ.
فالصنمية، تعتبر ظاهرة مرضية تصيب الإنسان العربي، وعيا وثقافة وعقلية وفكرا قبل سلوكاً وتصرفا، بحيث تجعله جامدا غير متحرك، يتحرك وفقا للسيرورة التي تتطلبه تلك الصنمية وتفرضه عليه، غير قادر على إحداث نقلة وعيية نوعية من تلك السيرورة، لتتحول وتصبح وتصير صيرورة، وعندما يتحرك، فإنما يفعل ذلك وفقا وتماشيا مع تلك السيرورة الحركية الصنمية، وفي إطارها، أسرية كانت أم اجتماعية أم بيئية أم سلطوية أم سياسية أو فردية، وذلك لما تريده هي لا ما يريده هو، بما لذلك من آثار سلبية على الفرد والمجتمع والأمة.
ويمكن تقسيم الظاهرة الصنمية في العقلية العربية الحاضرة، وفقا للمعيار الزمني إلى:
1 – صنمية حديثة: وهي تلك الصنمية التي نشأت وتجذرت في العقلية العربية الحاضرة منذ ما يسمى ببداية النهضة العربية، مرورا بفترة نضال الإنسان العربي من التحرر من القوى الخارجية التي استعمرته بما أنتجته تلك الفترة، فترة التحرر والتحرير من ايدلوجيات خارجية أو داخلية، وبما افرزته من شخصيات وزعامات ثورية وتحررية، مثلت رموزا وطنية وقومية لتلك الفترة.. لتتحول أخيرا تلك الايديولوجيات وتلك الزعامات إلى صنميات جديدة في معتنقيها والمؤمنين بها وبتلك الزعامات، لتصاف إلى تلك الصنميات الأخرى الموجودة أصلاً.
2 – صنمية سلفية متجددة وحاضرة ومستمرة: وهي تلك الصنمية الموروثة منذ قرون عديدة، والتي تجذرت في الوعي واللاوعي العربي، وشكلت العقلية العربية الحاضرة بكل أحداثها وصورها وشخوصها وشخصياتها، وفي كل عاداتها وتقاليدها وأعرافها في مختلف مناحي الحياة.
وهناك أيضا صنمية دينية، نصوصا وأفرادا ومواقعا وأماكنا جغرافية، وكذلك صنمية غير دينية.
إن لتلك الصنمية، صور ومظاهر عديدة ومتنوعة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
أولا/ الصنمية الايديولوجية: يتجلّى ذلك واضحا من خلال التمسك الشديد والقوي بتلك الايدلوجيات الحديثة، التي أثرت في العقلية العربية الحاضرة، والتمسك بها وتمجيدها، بل وتقديسها في بعض الأحيان من قبل بعض النخب، على الرغم من مرور فترة زمنية طويلة على ولادتها، وتغير الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، التي نشأت فيها وعبرت عنها بغض النظر عن صوابيتها من عدمه، وأصبح التمسك بها قانونا طبيعيا، وكأنها عبادات ومحرمات دينية لا يجوز الخروج عليها، أو المساس بها أو التشكيك بمصداقيتها.
ثانيا/ الصنمية الفردية: يتجلى ذلك واضحا من خلال تمجيد الأفراد، الذين مثلوا في يوم ما رموزا دينية كانت أم غير دينية، خلال فترات زمنية من تاريخنا العربي والإسلامي، وتعظيمهم، بل قد يصل الأمر إلى تقديسهم، وذلك بإعتبار نقدهم نقدا للدين أو خروجا عنه، أو نقدا للوطن والوطنية، نقدا للأمة والقومية.
ثالثا/ الصنمية الفكرية والثقافية: يتجلى ذلك واضحا من خلال التمسك الشديد والقوي والتقليد الأعمى للموروث الفكري والثقافي للأمة، والعمل الدؤوب والمستمر على إعادة إنتاجه والبحث فيه ومن خلاله، عن الحلول المناسبة لمشكلات الحاضر السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية، ورفض أي جديد وحديث.
رابعا/ الصنمية المذهبية: يتجلى ذلك واضحا من خلال التمسك الشديد والقوي والتقليد الأعمى للمذاهب، دينية فقهية كانت أم فلسفية أم فكرية، ومحاولة إنتاج وإعادة ما اندثر منها، ورفض أي تغيير في الموجود. بغرض البحث عن حلول لمشكلات الحاضر ومتطلباته.
خامساً/ الصنمية الأسرية والاجتماعية: يتجلى ذلك واضحا من خلال التمسك الشديد والقوي بالعادات والتقاليد والأعراف الأسرية والاجتماعية، والتقليد الأعمى لها، ورفض أي تجديد لها، بإعتبار ذلك خطرا حقيقيا وجسيما يهدد وحدة الأسرة والمجتمع وتماسكمها.
سادساً: الصنمية الجغرافية: يتجلى ذلك واضحا من خلال الوعي والإيمان واليقين بأهمية منطقة جغرافية معينة محددة، محلية كانت أم عربية، بأنها الأجدر والأحق بالقيادة ولعب الدور في إطار محيطها الجغرافي، ومن دونها لن تقوم قائمة لا للوطن ولا للأمة.
#الخلاصة: قال تعالى في كتابه الكريم: “… بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ”.. “… وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ”.. “.. وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ”. صدق الله العظيم.
وقال عليه الصلاة والسلام”: “لا تَكُونُوا إِمَّعَةً، تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ، إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا”. صدق رسول الله.



