الصهيونية والعَدَسة.. حقد قديم لا تمحوه العقود!
“المدارنت”
إن استهداف الصحافة والصحافيين سياسة منهجية قديمة اعتمدتها دولة الاحتلال الإسرائيلي منذ تأسيس الكيان، وتراوحت أغراضها بين إخراس الصوت المناهض للاحتلال أو المتعاطف مع القضية الفلسطينية على صعيد وسائل الإعلام الأجنبية، وبين الاغتيال المباشر والإغلاق والحظر حين يتصل الأمر بصحافة محلية فلسطينية وعربية، بينما ظلّ الهدف الاستراتيجي الأول هو التعتيم التام على جرائم الحرب الإسرائيلية وحجبها عن أنظار الرأي العام العالمي.
وإذا كانت هذه السياسة قد بدأت مع الصهاينة الأوائل المؤسسين للكيان، وامتزجت دائماً بمسخ التعتيم والحجب إلى تجميل ومديح لخرافة دولة الاحتلال بوصفها «الواحة الديمقراطية الوحيدة» في الشرق الأوسط، فإنها في مراحل انتفاضات الشعب الفلسطيني أو الحروب المتعاقبة على قطاع غزة اتخذت وجهة فاقعة لا تكترث حتى بتغطية الجرائم الفاضحة. ومنذ ابتداء حرب الإبادة الإسرائيلية الراهنة ضد قطاع غزة، وامتداداتها المختلفة في الضفة الغربية والقدس المحتلة مع انتهاكات الجيش الإسرائيلي والمستوطنين، تضاعفت الفظائع ضد الصحافة والصحافيين.
وقبل أسابيع قليلة استهدف جيش الاحتلال الصحافيين والمراسلين والمصورين أنس الشريف ومحمد قريقع وإبراهيم ظاهر ومؤمن عليوة و محمد نوفل في محيط مستشفى الشفاء، وعاد قبل يومين لارتكاب مجزرة جديدة على الأدراج الخارجية للطابق الرابع في مستشفى كمال ناصر في خان يونس، ذهب ضحيتها 20 مدنياً فلسطينياً. وكان بينهم مسعفون وموظفون في الدفاع المدني، بالإضافة إلى الصحافيين مريم أبو دقة ومحمد سلامة ومعاذ أبو طه وأحمد أبو عزيز وحسام المصري، وفي وقت لاحق استشهد الصحافي حسن دوحان برصاص الجيش الإسرائيلي في منطقة المواصي.
وهذه الدفعة من شهداء الصوت والصورة تلتحق بأمثال اسماعيل الغول وحسام شبات ونحو 246 من نساء ورجال كرموا شرف الصحافة والحق في نشر المعلومة وفضح حروب الإبادة والتجويع والتهجير والتطهير العرقي والتدمير الشامل والحصار ومنع الغذاء والدواء. ولا عجب أن تواصل دولة الاحتلال منهجية فاشية محمومة وحقد أعمى حمله المشروع الصهيوني في فلسطين ضد العدسة ولا تمحوه العقود، خاصة وأنه بلغ في الآونة الأخيرة مستويات قصوى من الوحشية والعنف المفتوح والاستهانة بالرأي العام الدولي.

والعدسة هذه إياها هي التي فضحت حقائق مجزرة مستشفى كمال ناصر الأخيرة، وكيف عاودت الدبابات الإسرائيلية قصف المكان للمرة الثانية فأجهزت على المسعفين، فتعاظمت الاستنكارات الدولية حتى لدى حكومات صديقة لدولة الاحتلال أو ساكتة على جرائمها أو متواطئة معها. ذلك أجبر رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو على الحديث عن «خطأ مأساوي» والتعبير عن «أسف عميق» و«تقدير» عمل الصحافة، كما دفع رئيس أركان جيش الاحتلال إلى التوجيه بالتحقيق في ملابسات الواقعة.
وبين ردود الاستنكار العديدة كان لافتاً تعليق فيليب لازاريني رئيس وكالة الأونروا، الذي اتهم الاحتلال بـ«إسكات آخر الأصوات المتبقية التي ترسل التقارير عن أطفال يموتون في صمت بسبب المجاعة»، لكنه تقصد اقتباس المفكرة اليهودية حنة أرندت حول موت التعاطف الإنساني بوصفه بين العلامات الأبكر والأوضح عن ثقافة توشك على السقوط في البربرية.



