العرب في الأرجنتين الحلقة “19”.. من التهميش الى الاندماج الجزء “2”

خاص “المدارنت”..
شخصيات عربية في الأرجنتين
تشير سجلات الإرادة العامة للهجرة، أن أول الوافدين العرب إلى الأرجنتين كان عام 1874 م. حيث سجل دخول أربعة أشخاص، وكما كانت البدايات في مناطق أخرى من دول أميركا اللاتينية، فقد كان تسجيل القادمين نسبة إلى بلدهم، الدولة العثمانية، باسم “توركوس”، أي الأتراك، وكانوا من سوريا ولبنان وفلسطين، غير أن المهاجرين الفلسطينيين اختاروا الإنتقال إلى دول مجاورة، عبر جبال الأنديز، واستوطن معظهم في تشيلي وبوليفيا، وفي دول أميركا الوسطى خصوصًا السلفادور وهندوراس؛ وهكذا تميّز الحضور العربي في الأرجنتين بأكثرية ساحقة سورية لبنانية بحضور فلسطيني قليل .
وقد ساعد اندماج الأبناء والأحفاد في المجتمع الأرجنتيني، الى وصول نخبة إلى مواقع متقدمة في مجالات متعددة، ففي السياسة امتازت الجالية العربية بحضورها في الأحزاب السياسة يمينًا ويسارًا، منذ عهد بيرون، إلى أن بزغ نجم كارلوس منعم الذي فاز برئاسة الدولة مرتين متواليتين وحكم بين عامي 1989-1999، عن حزب العدالة الإجتماعية الذي أسسه الجنرال بيرون.
وفي عالم الإقتصاد، لمع اسم خورخي أنطونيو، واضع الصناعة الثقيلة في الأرجنتين، فبالإضافة إلى ما أنشأ من معامل ومصانع، استطاع إنشاء مدنية صناعية في ضواحي العاصمة بيونس أيرس.
حيث امتلك أهم مصانع أميركا اللاتينية في مجالات: صناعة السيارات صناعة الشاحنات، صناعة الجرارات، صناعة الآلات و قطع الغيار، صناعة السفن، صناعة أجهزة التلفاز، إضافة إلى نشاطات أخرى في مجالات الإعلام والإعلان والدعاية.
وعلى الصعيد العسكري، الجدير بالذكر أن أبرز قادة الإنقلاب الذي اطاح بالجنرال بيرون عام 1955، كان الجنرال رامون إبراهيم قائد سلاح الجو آنذاك، الذي ما لبث أن تقلد منصب القائد العام للقوات المسلحة الأرجنتينية ؛ وعاد العسكريون مرة أخرى إلى الواجهة، بعد انقلاب 1976م. على “ماريا استيلا” زورجة بيرون، وكان من ابرز قادتهم الجنرال جميل رستم، الذي تعرض لاتهامات كبيرة بقمع المتمردين والمعارضين، إبّان الفترة الدموية التي سيطرت على البلاد بعد انقلاب 1976م. ولعل أبرز العسكرين المتحدرين من أصول عربية، من نال شهرة واسعة عبر الإعلام، هو الكولونيل محمد علي زين الدين، الذي قاد محاولتين إنقلابتين فاشلتين بعد هزيمة “المالويين”.
وليس بعيدًا عن شهرة أولئك الذين تصدروا المشاهد في مواقع السياسية والصناعية والتجارة وغيرها، برز في تاريخ الأرجنتين الحديث مجموعة من الثوار الذين اعتنقوا أفكار حزب العدالة الإجتماعية، او ما سمي بالبيرونية فيما بعد؛ ومنهم من تمرّد عليها بعد انشقاقات عديدة في صفوفها .
وسقط أكثرهم ضحايا العنف والعنف المضاد، في أصعب مرحلة من تاريخ البلاد بين عامي 1972 و1982.
من بين الذين قّادوا ثورة اليسار الأرجنتيني أنبار القادري، الذي خصصنا له جانبًا مهما من هذه الدراسة سابقًا، وهو أحد قادة الجناح اليساري في الحركة، وأبرز مؤسسي المنظمة الثورية مونتينيروسMonteneros ؛ ومنهم اسماعيل سلامة، الذي قتل في مواجهة عنيفة مع الجيش عام 1976؛ وخورخي عبيد الأستاذ الجامعي والخبير الكميائي الذي ما يزال من القلائل الذين لا يزال لهم حضور فاعل في الحياة السياسية الأرجنتينية، وكان من أبرز المقربين للرئيسة اليسارية كريستينا كريتشنر.
ولعل أبرز حالة ثورية من أصول عربية، تمثلت في عائلة “حيدر” التي نكّلت بها الدكتاتورية العسكرية بين عامي 1973 و1982 م. وقتلت خمسة من أبنائها دفعة واحدة، أحدهم طفل في الخامسة من عمره .
وكان روني (عمر) حيدر، أبرز أفراد تلك الأسرة، قياديًا في حركة الثوارMonteneros، آمن بخيار الكفاح المسلح للوصول إلى سلطة الشعب؛ ةتم اختطافه واعدامه عام 1982؛ وإلى جانبه برزت شقيقتاه، ميرتا وأدريانا خيدر، اللتان تم اختطافهما وتصفيتهما على يد الدكتاتورية العسكرية عام 1977 م. وكانت كلتاهما في العشرينيات من عمرهما، وإحداهما مهندسة والثانية محامية.
ومن المفارقات الكبيرة في هذا المجال، أن قيادة المخابرات العسكرية كانت في تلك الحقبة في أيدي أشخاص متحدرين من أصل عربي، وعلى رأسهم الجنرال جميل رستم، يليه في المسؤولية تامر جبور، رئيس المخابرات العسكرية في ولاية مندوسا Mandoza.
وفي مجالات أخرى أبدع العرب في الثقافة وفي الصحافة، وفي ميدان الإعلام عمومًا، مثل براعتهم في عالم التجارة الذي نافسوا فيه أبناء البلد ونافسوا القادمين من اوروبا أيضًا، رغم كل الصعوبات التي واجهتهم، وصعوبة الإندماج مع المجتمع الأرجنتيني، حتى فترة متأخرة، مات فيها الأجداد، وصار فيها الجيل الجديد جزءًا لا يتجزأ من المجتمع الأرجنتيني، ثقافة وسلوكًا وعادات.
العلاقات العربية اليهودية
كانت العلاقات بين اليهود وغيرهم من العرب وثيقة قبل بداية الصراع العربي الإسرائيلي، على أرض فلسطين، وكانت بعض الجمعيات تضمّهم جميعًا بمختلف طوائفهم، وتجلى ذلك من خلال الصحف التي أصدروها في الأرجنتين. وذلك يقول الكاتب إغناسيو كليش: Ignacio Klich “على الرغم من الحدود الفاصلة بين السوريين واللبنانيين، المسيحيين واليهود؛ فإن الحدود بين هذه المجموعات الناطقة باللغة العربية في الأرجنتين، لم تكن قائمة بالحدة نفسها التي كانت عليها في أوطانهم الأصلية”. ويضيف: “لم تستطيع تلك الثقة المتبادلة بينهم ان تصمد أمام اول حرب عربية اسرائيلية، في وقت بدا كل طرف يفتخر بأصوله العرقية، خصوصًا مع ظهور تيارات، منها يدعو إلى القومة العربية، ومنها ما يدعو إلى القومية السورية، ومنها ما يدعو الى قومية إسلامية”.
وبعد العام 1947، بدأ اليهود بتشكيل جمعياتهم ونواديهم الخاصة، من دون قطع علاقات تام مع نظرائهم العرب من مسلمين ومسيحيين، ذلك لأن الأعمال التجارية كانت متشابكة واستمرث كرابط وحيد بينهم.
واستمرت العلاقة الباردة حتى عام 1992 م. حيث حصل انفجار ضخم دمر السفارة الإسرائيلية في بيونس ايرس، عقبها انفجار آخر عام 1994، استهدف مقر جمعية التعاضد الإسرائيلية لأرجنتينية، سقط من جرائه 85 قتيلا واكثر من 200 جريحا، وفي وقت لم يتم الكشف عن مدبرين عملية تفجير السفارة، فقد توجهت أصابع الاتهام في العملية الثانية إلى حزب الله ومن ورائه إلى السفارة الإيرانية في العاصمة الأرجنتينية.
وقد ادى ذلك إلى ظهور تيار معادٍ للعرب عامة والمسلمين، محاولًا تشويه صورتهم وربطها بالإرهاب، على الرغم من وصول التحقيقات في ملف التفجيرات إلى طريق مسدود، وظهور خلافات حادة في الأوساط الحكومية بين موالين اليهود، ومتعاطفين مع إيران الذين كان على راسهم الرئيس أرنستو كرنيشر وزوجته كريستينا التي تولت رئاسة الأرجنتين بعد وفاته.
(للتوسع في الموضوع لاحقاً: ملفات الإرهاب والمخدرات في أمريكا اللاتينية).
- الحلقة القادمة “20”: حسن الزغبي “الفريد وAlfredo؛ ابن مغترب من كامد اللوز،البقاع الغربي، مؤسس القوات الخاصة الكوبية، وأحد أبطال حرب تحرير أنغولا.



