مقالات

العرب وتحديات العولمة.. نحو تحديث العروبة و”دمقرطة” الحركة القومية (4)

خاص “المدارنت”..

الانبعاث القومي في العصر الحديث الأول

محمد خليفة/ أوروبا

في نهاية القرن 18، بلغ العرب درجة غير مسبوقة من التخلف والانحطاط الثقافي والعلمي, بسبب الظروف التي اكتنفتهم تحت حكم الدولة العثمانية لاكثر من ثلاثة قرون تخللها تقسيم البلدان العربية الى ولايات تابعة لحكم مركزي يتسم بالقمع والبطش, ولا سيما في آخر قرنين من عمر السلطنة. وتخللها تقسيم الشعوب الى ملل ونحل. وفي القرن الأخير سن الأتراك (سياسة التتريك) لفرض الهوية التركية على العرب, وفرض اللغة التركية عليهم. وعلى سبيل المثال لم يعد في مصر من يجيد العربية خارج الأزهر, أو في الفن والغناء, أو الشعر.

وكذلك كان الحال في بقية البلدان العربية, حيث كانت نسبة من يكتبون ويقرأون العربية في أدنى مستوياتها، بسبب عدم اهتمام السلطنة بالولايات العربية وتقهقرها في كل المجالات الحضارية. فضلا عن أن السلطنة لم تبذل ما يكفي لحماية الولايات العربية، التي أخذت تتساقط في أيدي الدول الاوروبية, كالجزائر التي احتلتها فرنسا 1832 ولم تدافع عنها السلطنة, وسقطت عدن في أيدي الانجليز عام 1840, ومصر 1882.

مع بدايات القرن 19 ظهرت تطورات بدأت تغيير الاوضاع, أولها دخول الاوروبيين على المنطقة من خلال ارساليات وغزوات وبعثات تعليمية وتبشيرية, وسميت هذه الفترة بعصر النهضة أو عصر التنوير. وكان للحملة الفرنسية بالذات على مصر والشام دور ووجه ثقافي إيجابي. وثاني التطورات سيطرة محمد علي على مصر واستقلالها عن السلطنة, وشروعه في نهضة شاملة, امتدت للشام والسودان والجزيرة العربية.

في هذه الفترة، بدأ العرب انبعاثهم القومي عبر احياء اللغة وتجديدها, وتطوير التعليم, وأصبح الاحياء الأدبي مقدمة لنهوض فكري وسياسي, أدى الى عودة “العروبة” الى البروز والتجدد في محتوى عصري مختلف عن الماضي. فعروبة القرنين 19 و20 غير عروبة القرن 7 أو 9, إذ اكتسبت طابعا حداثويا استمدته من الفكر القومي في أوروبا بعد الثورة الفرنسية, وتحقق الوحدات القومية في المانيا وايطاليا والمانيا.. إلخ.

في هذه الفترة، حدثت انتفاضات تحررية متلاحقة في سوريا ولبنان ومصر والجزيرة العربية، تطالب بالاصلاح, وترفض سياسة التتريك العنصرية والتمييز الديني والطائفي. وكان أحد أهداف ومحركات التمرد استعادة “الخلافة” من الأتراك, أي الزعامة الدينية, واستعادة مكانتهم القومية, كأمة عريقة يحاول الأتراك إضعافها, والاستيلاء على تراثها ومكانتها باستمرار. وهو ما عبر عنه الشاعر السوري ابراهيم اليازجي في قصيدته الشهيرة التي تحولت “بيانا قوميا” يحفظه جميع العرب:

تنبهوا واستفيقوا أيها العربُ… فقد طمى الخطبُ حتى غاصت الركبُ

أقداركم في عيون الترك نازلةٌ… وحقكم بين أيدي الترك مغتصبُ

فيا لقومي وما قومي سوى عربٍ… فلا يُضَيَّع فيهم ذلك النسبُ

ظهر عدد كبير من الأدباء في تلك الفترة عملوا على إحياء اللغة العربية وتجديدها, ودعوا لوحدة العرب على أساس اللغة والتاريخ, أي الهوية والتحرر والاستقلال عن الأتراك، وإعادة بناء وتحديث “الأمة العربية”. أمثال رفاعة رافع الطهطاوي في مصر الذي كان أول من فرض إعادة تعليم العلوم الحديثة بها في مصر, وترجم الفلسفة والثقافة الاووبية للعربية. والمعلم بطرس البستاني “السوري” (1819 – 883 ) مؤلف أول موسوعة عربية وقاموس محيط المحيط, والاب أنستاس الكرملي في العراق (1866 – 1947)، الذي كان يعتبر الخروج عن اللغة العربية (خيانة) وألف قاموسا عصريا.

ولكن لا ريب أن أعظم محاولات إحياء القومية العربية وتجديدها، تجسدت في مشروع محمد علي وأبنائه, وبخاصة ابراهيم باشا الذي قاد جيشا لتحرير سوريا من الحكم العثماني, وواصل طريقه نحو استانبول لإسقاط السلطنة نهائيا, فحركت سبع دول اوروبية اساطيلها لضربه وإعادته الى داخل مصر.

كان ابراهيم باشا عربيا لا البانيا كوالده, وكان يقول عربتني ومصرتني شمس مصر. وكانت “العروبه” تملأ وعيه ووجدانه وفخورا بها, تحرك طموحاته, وكان قائدا متقد الذهن ذا رؤية استراتيجية, لا يتردد في إعلان مشروعه بوضوح: بناء مملكة عربية موحدة وكبيرة وقوية .

وكان هذا المشروع أكثر ما أثار ذعر أوروبا, فتوحدت ضده وتحركت لمهاجمته في سوريا وإخراجه منها. وقد مات ابراهيم باشا وشقيقه عمر طوسون مبكرا, فتعطل المشروع على الصعيد السياسي, ولكنه تواصل على الصعيد الثقافي, وأصبحت مصر بين اواخر القرن 19 ومنتصف القرن 20 واحة للحرية وموئلا لرواد النهضة العرب من كل الاقطار, ومركزا للاشعاع الفكري ومنحها الريادة, بينما كانت الشام والعراق ترزحان تحت بطش الاتراك وسياستهم التتريكية.

أهم ما ميز العروبة في هذه الحقبة انفصالها عن الدين والفقه. واكتسابها قدرا من قيم الحداثة واستلهامها للفكر القومي من أوروبا, وإعادة صوغها على أساس الوحدة بين جميع العرب, بمعزل عن التقسيمات الملية والنحلية التي كانت الدولة العثمانية تطبقها. ولم يكن صدفة أن الحركة القومية الحديثة ازدهرت في المدن المتعددة الاديان والمذاهب وعلى رأسها بيروت ودمشق والقاهرة وبغداد والقدس. ولم يكن صدفة بروز دور المسيحيين في صدارة رواد الإحياء الأدبي والتربوي ثم النهوض الفكري والقومي.

لم يكن هذا تعبيرا عن غزو ثقافي أوروبي وصليبي, كما زعم البعض من أنصار السلطنة, بل كان تعبيرا عن وعي عروبي اصيل ومتجذر, أثبت أن العرب يتحولون مرة أخرة “أمة موحدة” تجمعها هوية العروبة وترفض أن تكون (العثمانية) أو (التركية) هوية بديلة, خصوصا أن الترك أول من خرجوا عليها بتبنيهم للقومية الطورانية المتطرفة, أو العنصرية.

لقد برزت للمرة الاولى العلاقة الوطنية بديلا عن التقسيمات الطائفية، التي رسختها النظم العثمانية. وبرز الخطاب القومي في لغة قادة الثورة العربية للاستقلال عن السلطنة كرد فعل على التتريك. وكان محركا ومحفزا للثورة العربية الكبرى في بداية القرن العشرين. وكان الهدف هو التحرر, وتأسيس مملكة عربية موحدة تضم سورية التاريخية والعراق والحجاز, وكان المؤتمر السوري تجمعا عروبيا وقوميا عصريا, ضم مفكرين ومناضلين من كل المكونات الوطنية, وبخاصة المسيحيين والدروز والشيعة بقيادة عربية مثلها الهاشميون, واختير الأمير فيصل بن الحسين ملكا على المملكة المقترحة.

تآمرت أوروبا ثانية وحطمت مشروع التحرر والاتحاد العربي, وقسمت بريطانيا وفرنسا الوطن العربي (سايكس – بيكو), وحاولت فرنسا تمزيق سورية خمس دول طائفية, كما مزقت بريطانيا الجزيرة العربية, ومهدت الدولتان الاستعماريتان الطريق لإقامة دولة يهودية بين مشرق الوطن العربي ومغربه, منعا لأي وحدة جيوسياسية واستراتيجية.

على الرغم من هذا التطور الخطير، لم ينحسر الفكر القومي العربي ولم تنطفىء جذوة النضال لتحقيق الوحدة العربية الكاملة, بل ازداد قوة وتجذرا, وواصلت العروبة إنبعاثها وتجددها فاستقطبت نضالات الجماهير والنخب الثورية, وتشكلت أحزاب كثيرة تحمل الهوية العروبية, وتتبنى المشروع القومي لتحقيق الوحدة العربية الموؤدة. وكان النصف الثاني من القرن العشرين حقبة ازدهار وتوهج في عموم الاقطار العربية, من المغرب والجزائر, وحتى سوريا والعراق, وفي القلب منها فلسطين للافكار والمشاريع, بل والاحلام القومية الكبرى, وأصبحت العروبة بمنحاها الوحدوي والتحرري هي القوة الغالبة, والهوية الجماعية لكل العرب, بل تسابقت شعوب ذات صلات ضعيفة بالعروبة للانضمام الى “الوطن العربي”، اعجابا بانجازات العرب المعاصرة, و”فتوحاتهم” الثقافية والسياسية في أفريقيا مثل جزر القمر واريتريا والصومال”.. إلخ.

الناصرية: مضمون اجتماعي للعروبة

مع ثورة يوليو 1952 في مصر، اكتسبت العروبة أبعادا عصرية عززت الاتجاهات الحداثوية السابقة, وأضافت إليها محاولات تحديث وإغناء وتثوير في المحتوى, وتفعيل في الحركة والنشاط الى أقصى الحدود.

فخلال فترة قصيرة حسمت الثورة بقيادة جمال عبد الناصر هوية مصر، التي كانت موضع جدل وسجال بين من يراها:

 – “أمة مصرية” قائمة بذاتها تتكلم العربية.

– ومنهم من يعتبرها (أمة متعددة الهويات كوزموبوليتانية) عربية وأفريقية وأوروبية (كوزموبوليتانية), فالقاهرة وجهها العربي والاسلامي, وجنوب مصر اضافة الى النيل يربطانها بأفريقيا, والاسكندرية وجهها الأوروبي بسبب كثرة الأقليات الأوروبية التي تستوطنها (يونانية وفرنسية وايطالية وانجليزية والبانية وتركية).

– ومنهم من يعتبرها أمة أفريقية فقط, خصوصا، وأن السودان كان خاضعا للحكم المصري, إضافة لارتباط مصر العضوي بحوض النيل.

– ومنهم من رآها جزءا من (الأمة الاسلامية) ويأمل بإعادة ربطها بتركيا, وكان تأسيس (جماعة الاخوان المسلمين) في عشرينات القرن العشرين تعبيرا عن هذا الاتجاه.

كانت النخب الفكرية والثقافية حائرة ومنقسمة بين هذه الهويات المتعددة, وكان العروبيون الذين يرون أن مصر جزء من (الأمة العربية) هم الأقل عددا وشأنا بين النخب. وكان طه حسين يراها أمة مستقلة ذات هوية متوسطية. بينما يراها العقاد (أمة) مستقلة، ذات وجوه اسلامية وعربية وافريقية. وكان أحمد شوقي تركي النزعة والهوى. ولطفي السيد, وقاسم امين, والسنهوري يرونها أقرب الى أوروبا, مع كونها أمة قائمة بذاتها. وكان التيار العروبي هامشيا وضئيلا, يمثله أحمد حسن الزيات وأحمد أمين. حتى على صعيد الاحزاب السياسية، لم يكن بين احزاب مصر حزب يتبنى الخيار العربي القومي، وكان حزب الوفد أقوى الاحزاب ليبرالية وشعبية ووطنية، يتبع مؤسسه سعد زغلول، الذي كان لا يرى جدوى من الانتماء للعروبة. وكشفت المعلومات التي نشرت لاحقا أن حزب البعث مثلا، فشل في الامتداد الى مصر كبقية البلدان العربية في المشرق.

ثورة يوليو، حسمت هذا الانقسام الذي يخفي في الواقع اضطرابا وتمزقا في الوعي والشخصية حسما ثقافيا وحضاريا وثوريا، (راجع فلسفة الثورة) ثم (ميثاق العمل القومي)، لأن وحدة الهوية أهم عثرى الوحدة الوطنية وأسباب قوتها ونهضتها. وأصبحت مصر عربية, بل اصبحت القاعدة الجيو ـ سياسية للحركة القومية العربية المعاصرة, من المغرب والجزائر الى العراق واليمن والخليج. وقامت بدور تحديثي تاريخي في تعميق الوعي بالعروبة وصهر العلاقات والأواصر التاريخية التي كانت ضامرة وخاملة, فتبوأت عن جدارة زعامة العرب وتمثيلهم على الصعيدين القومي والدولي.

وللمرة الاولى بعد قرون، تحققت أول وحدة حقيقية واندماجية بين سوريا ومصر, ثم سعت الى ضم العراق لها, ثم ليبيا والسودان واليمن. وصاغت مصر الناصرية بعلاقاتها الجديدة مع التيارات والحركات القومية مشروع العرب المعاصر فكريا وسياسيا, ورسمت استراتيجية التحرير والتوحيد.

أما أهم ما أضافته التجربة الناصرية للعروبة المعاصر , فهو المحتوى الاجتماعي والطبقي. إذ ربطت بين التحرر السياسي والتحرر الاجتماعي من ناحية. وبين التحرر الداخلي والتحرر القومي, والتحرر العالمي, من ناحية ثانية, ولا سيما في الدائرتين الاسلامية والافريقية .

لقد اكتسبت العروبة في هذه المرحلة الثورية مفهوما تقدميا وانسانيا, متجاوزة المفهوم البورجوازي على غرار الحركات القومية الاوروبية.

وقامت مصر بدور قومي وحضاري غير مسبوق، بفضل خصائصها التي أصّلها وفصلها المفكر جمال حمدان، بمزج العناصر والمكونات الاثنية التي تتشكل منها “الأمة العربية”، كالامازيغ والاكراد, والمكونات الدينية المسيحية والشيعية, مما حرر مفهوم العروبة من ارتباطه بالمكون الديني السني حصرا, وحولها هوية قومية وانسانية وحضارية جامعة لكل المكونات الدينية والعرقية.

وإذا كانت جهود مصر الناصرية لم تثمر على المدى القصير والسريع، ولم تتمكن من حماية (الجمهورية العربية المتحدة), مع أن ذلك كان ممكنا لولا تردد عبد الناصر, فإن مما لا شك فيه أن جهودها أثمرت ما هو ابعد أثرا وأعظم, وهو تعميق أواصر ووشائج وعرى الوحدة القومية في داخل كل مجتمع عربي.

لقد صار للعرب في الحقبة الناصرية, هوية حضارية وقومية واحدة, لا ينكرها أحد, ولا يرتاب بها مرتاب وكتب كبار المفكرين المنصفون عنها, أمثال توينبي ونتنج وغارودي وشرايبر.. إلخ, وصار للعرب مجتمع واحد موزع قسرا بين كيانات سياسية متعددة خلقها الاستعمار, بلا أساس تاريخي أو موضوعي سوى المصلحة الامبريالية.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى