مقالات

العرب وتحديات العولمة.. نحو تحديث العروبة و”دمقرطة” الحركة القومية “1”

محمد خليفة/ أوروبا

//خاص المدارنت//..

مع بزوغ القرن الجديد والالفية الثالثة، دخل العالم عصرا جديدا، وشهد ثورات جذرية غطت أوجه الحياة، وثناياها المادية والتقنية والفكرية والقيمية، وبطبيعة الحال، نظمها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية .

وفي خضم التحول الكوني، يمرّ العرب في تحولات عميقة على الأصعدة الوطنية والقومية، تبيّن أنهم انجزوا بعض مهام حقبة الاستقلال والتحرر الوطني، وأخفقوا في أخرى. وعلى الرغم من محصلتهم الايجابية في القرن الـ20، فإن مسيرتهم التحررية والنهضوية انتكست في أواخره لأسباب كثيرة، أبرزها شحوب وضمور وعيهم القومي، وديناميات السعي الى التكامل والتضامن والوحدة.

ولنفس السبب، يقفون الآن عاجزين عن مواكبة الانتقال العالمي الى عصر ما بعد الليبرالية، وما بعد الحداثة وما بعد العولمة، لسبب محدد، هو أنهم ما يزالوا في مرحلة أدنى، ولم يستوفوا بعض الشروط التاريخية، وبخاصة وحدتهم القومية، أسوة ببقية الأمم. بل ولا حتى بناء كتلة متماسكة حول الحد الأدنى من عوامل الأمن والتضامن والتنمية. وتُبيّن التجارب التي مرّ بها العرب منذ استقلالهم عن الأتراك والاوربيين، أن استقلالهم كان شكليا وهشا، يتطلب استكماله تحقيق الوحدة العربية، أو على الاقل بناء كتلة صلبة، لأنها شرط موضوعي لمواجهة تحديات العصر، والتأهل الندّي، للتعامل مع عالم تسوده قواعد العولمة والانفتاح والتنافس الحر، وتكاد تنعدم فيه عوامل الحماية والسيادة، وتحكمه التجمعات العملاقة والنمور الاقتصادية.

لقد كان لعجز العرب عن تحقيق وحدتهم القومية، أسباباً ذاتية وموضوعية وخارجية عديدة، ولم يكن كما تزعم بعض أدبياتنا السياسية نتيجة للتآمر الامبريالي فقط. وما تزال هذه الأسباب تفعل فعلها في الواقع، ويستحيل تجاوزها بلا جهود علمية وسياسية جادة، لتشخيصها وتحليل جذورها التاريخية والموضوعية. ويمكننا اجمالها وإيجازها مبدئيا بغياب أو ضعف الوعي بالهوية، ما سمح بظهور هويات بديلة، بعضها يهبط بالهوية القومية الى العصبيات التقليدية الدينية والقبلية، وبعضها يرتفع الى هويات أممية، وتلتقي الاثنتان في إعاقتهما استكمال الشرط الموضوعي لنهوض الأمة الواحدة، وتجسيدها في دولة تحفظ هويتها وديمومتها. وهذا الشرط يتعذر تحقيقه من دون الجامع والحامل القومي الأوحد ممثلاً بالعروبة .

ولأن الحركة القومية العربية الحديثة أخفقت في هذه المهمة، فقد تعطل تقدم العرب، وعجزوا عن استئناف نهضتهم، وومواكبة التقدم العالمي نحو آفاق الالفية الثالثة، بل نشهد تراجعات خطيرة في المجالات الاستراتيجية والسيادية والحيوية، مما أغرى دولا إقليمية وامبريالية بالتدخل وغزو العديد من البلدان العربية، وسمح بعودة الاستعمار والقواعد الاجنبية الى أكثر من عشرة بلدان،  وعودة التبعية بأسوأ صورها، والنهب “الامبريالي” الى أعلى معدلاته.

ولعل الاجتياح الفارسي للمشرق العربي، هو المشهد الأكثر اختزالا لحالة الانهيار التي بلغناها،  نتيجة مسيرة تطورية فكرية وسياسية قاصرة، بدأت قبل أربعين عاما بتفكك النظام العربي ومؤسساته، وتراجع الالتزام القومي، وازدهار الثقافات الطفيلية والمذاهب السلفية شديدة التحنيط والانحطاط، مما سمح بتفشي الفساد المادي والاخلاقي وتهتك المناعة، وسيطرة المافيات المتحالفة مع الزمر السياسية والبوليسية على معظم الدول العربية في فترات متقاربة، وأدى لانكشافنا أمام القوى الأجنبية، ومكّنها من التسلل والتغلغل، وأوصل دولنا الى العجز عن القيام بالحد الادنى من وظائفها الرئيسية الثلاث، الأمن الخارجي، والكفاية الاقتصادية والعدل، الذي يحقق الاستقرار الاجتماعي .

لقد تكررت في أواخر القرن العشرين ثنائية النهوض والسقوط، التي حدثت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وانتكس العرب ثانية، ونكصوا الى أزمنة ما قبل النهضة القومية، وما قبل التحرر والاستقلال الوطني. وتعرضت قواعد وجودهم للتهتك والاختراق، بما فيها هويتهم التاريخية (العروبة)، التي غدت هدفا لتحالف غير مباشر، يضمّ الصهاينة والامبريالية الغربية والفرس والروس والقوى الدينية الرجعية المحلية .

ولذلك، فإن النخب الفكرية العروبية والقومية، مدعوة اليوم الى مراجعة نقدية جذرية وعميقة لمفاهيمها وتجاربها في القرنين السابقين، وتشخيص أسباب قصورها واخفاقاتها، ووضع تصورات وحلول علمية ممكنة التطبيق لتجاوز العثرات والعقبات، ومتابعة النضال في سبيل التحرر والنهضة والوحدة .

وتفترض هذه العملية النقدية، تشخيص ومعالجة الأزمات والاشكاليات المعرفية والمرجعية التي أظهرتها تجاربنا، ومواجهة التحديات التي يلقيها علينا التطور العالمي، لنستعيد أهليتنا كأمة عريقة، تريد العودة الى التاريخ واقتحام الحداثة، والتفاعل مع العولمة بثقة بالنفس. أي بعبارة موجزة، أن نعيش عصرنا من دون أن نتخلى عن عناصر أصالتنا وهويتنا، وأن نتفاعل مع عالمنا بعقلانية وانفتاح وايجابية .

وتتركز مهمتنا في هذا المبحث، على تقديم مساهمة في المراجعة المنشودة، وذلك بالعودة الى العصب الرئيسي في منظومتنا العقيدية القومية، أي (العروبة)، باعتبارها الهوية التاريخية والحضارية الوحيدة والثابتة لأمتنا، ومحاولة تسليط الضوء على ما أصابها من جمود وصدأ،  بسبب تقادم الزمن وتغير الواقع. وبديهي أن العروبة ليست جامدة، فهي ككل الأفكار الكبرى والهويات، تتغير شكلا ومحتوى نتيجة تفاعلها مع الزمن. وسنرى أن عروبة القرن العشرين غير عروبة العصور الاسلامية، وغير عروبة ما قبل الاسلام .

إن بعض عناصر ومفاهيم (العروبة)، وكذلك فكرة (القومية العربية) الحديثة، التي صاغها مفكرو عصر النهضة في القرنين 19 و20، أصابها الجمود والجفاف والتقادم، فلم تعد تتناسب مع الواقع الراهن، أو التعامل مع العصر، واستحقاقات الحداثة والعولمة وما بعدهما، مما أدى الى عجزها عن إقناع الأجيال الشابة، وحدّ من تأثيرهما في شعوبنا، وقدرتها على جمع العرب وتوحيدهم لا قوميا ولا وطنيا. وشكل ذلك أحد أهم أسباب انصراف تيارات عريضة من شعوبنا عن العروبة، كانت في الماضي تتبناها وتنتمي للتيارات القومية وحركاتها السياسية. ولذلك، فالعرب بحاجة الى إعادة صياغة هويتهم التاريخية في ضوء التبدلات العالمية، أي إعادة تحديثها وتأهيلها لعصر جديد وعالم جديد. وهي بلا ريب مؤهلة لهذا الاستحقاق، الذي سبق أن مرت به عبر تاريخها السحيق، كما سنرى عبر استعراض “الدورات التاريخية” الرئيسية التي مرت بها، ولكننا بداية نشير، إلى أن العملية التي سنقوم بها هنا هي عملية غير سردية، بل مركبة أو مزدوجة تفكيكية وتركيبية، أي تفكيك مفهوم العروبة، وإعادة تركيبه مستوعبا مفاهيم وقيم العصر، وتحديد بعض التحديثات الأساسية التي يجب إدخالها، ليكون قادرا على العودة للتأثير الايجابي في واقعنا وعالمنا .

إننا بحاجة الى ثورة عميقة في فكرنا العروبي، تترجم لاحقا الى ثورة، تقتحم منظوماتنا القومية كافة، على مستوى الدول والمنظمات، وعلى رأسها (الجامعة)، الى نظمنا التعليمية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية. ومن دونها لا أمل في عودة العروبة الى التأثير في حياة العرب اليومية والرسمية، ولا في استعادة ديناميكيات النهضة الشاملة .

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى