الـعـقـلـيـــات أولًا!

خاص “المدارنت”..
يقول الزعيم الصيني ماو تسي تونغ: “ليست العبرة بتغيير وسائل الانتاج ولكن العبرة بتغيير العقليات..”.
وهذا ما أكده من قبله وبقرون فيلسوف التنوير ايمانويل كانت عندما قال: “إذا أردت تغيير المجتمع ينبغي أولا تغيير العقليات السائدة فيه عن طريق التعليم والتثقيف والتهذيب..”.
ذلك (التعليم والتثقيف والتهذيب) يجب أن يقوم على قواعد وأسس وركائز عديدة ومتنوعة، لعل من أبرزها وأهمها وأكثرها تأثيرا إيجابيا هما “المعرفة الصحيحة” و”التفكير الصحيح”.
حيث أنه إذا كانت الإبستمولوجيا هي نظرية المعرفة وفلسفتها, فإن التفكير الحرّ، وبخاصة في زمن التكفير،, هو علم الإنسان الحرّ وفلسفته وجوهره وماهيته وإنسانيته.. إلخ.
إذ أنه من المستحيل، إن لم تكن الاستحالة بحد ذاتها، أن توجد معرفة حقيقية بدون تفكير حر.، ولن يكون ذلك .بدون الإنسان الحر والمتحرر..إلخ
فالتفكير الحر والمتحرر يؤدي إلى المعرفة الصحيحة الحقيقية، والمعرفة تؤدي إلى الفضيلة بل هي جوهرها…
وعدمه يؤدي إلى الجهل، والجهل يؤدي إلى الرذيلة بل هو جوهرها…
إن من أهم صفات وسمات وخصائص ذلك التفكير الحر أن يكون تفكيرا إبداعيا.
ذلك التفكير الإبداعي الذي يعرف بأنه عبارة عن “تفكير المرء بطريقة مختلفة عن الطريقة العامة السائدة في محيطه أو مجتمعه، بحيث تكون نافعة للمجتمع وبناءه”.
ذلك التفكير.. الذي يكون نتيجة طبيعية وحتمية وانعكاسا طبيعيا وحتميا لتلك العقلية الغاعلة العميقة الإبداعية والنقدية..إلخ، والتي لا يملكها ويمتلكها إلا القليل من أفراد المجتمعات البشرية، ويعتبرون بمثابة النواة الحقيقية لأية عملية تغييرية نحو الأفضل في تلك المجتمعات…إلخ.
تلك العقلية.. التي لا تتأثر بالظواهر من حولها مهما بدت تلك الظواهر من الرونقة والبهاء أو العكس.. إنما تغوص في عمق أعماق الأعماق لما تحتها،محللة ومنتقدة وباحثة سبرا للأغوار وإكتشافا لما وراء تلك الظواهر ولما تحتها…
تلك العقلية التي لا تعالج الخطأ بالخطأ ولا يمكن له بأن يكون سببا وحجة وعذرا لارتكاب الخطأ، مهما كان ذلك الخطأ الواقع علينا، ومهما كان عجزنا على مقاومته والتصدي له وتصحيحه..
ولا تعالج الرذيلة بالرذيلة… ولا يمكن لها بأن تكون سببا وحجة وعذرا لارتكابها، مهما تفشت واستفحل امرها ومهما بدت لنا الامور سوداوية..
تلك العقلية التي لا تقبل باستبدال غازي.. بغازي أخر… ومحتل بمحتل أخر… والاستنجاد به.. وطلب العون منه…
ولا طاغي.. بطاغي أخر.. ولا غازي.. بطاغي.. أو طاغي.. بغازي..
مهما كان عجزنا ذاتيا على مقاومة الغزاة.. ومقارعة الطغاة… والتحرر منهم والتخلص…
فما نبل الأهداف والغايات إلا من نبل مقاصدها ووسيلتها، وما نبل النتائج إلا من نبل مقدماتها…
حيث أنه، وفي مجتمعات الاستبداد والاستعباد والاسترقاق والتسلط كمجتمعاتنا، وللأسف الشديد، تحارب وتحرم وتندر بل وتكفر تلك العقليات عبر محاربة لغة “التفكير” حتى ولو لم يكن تفكيرا حرا إبداعيا، في الوقت نفسه الذي تزدهر وتنمو وتتعاظم وتشجع لغة “عدم التفكير”.
ليكن طريقنا واضح المعالم والأهداف والغايات النبيلة مهما كانت قساوة الظروف ومهما كانت وعورة السبيل، ومهما كانت العقبات والصعاب التي تعترضنا حيال ذلك…
إما العبودية (عدم التفكير).. وإما الحرية (التفكير).
إنه الاختيار والاختبار الصعب..



