الـتـحـــــرر الـحـقـيـقـــــــي!

خاص “المدارنت”..
إذا نظرنا وبعمق إلى ما نحن فيه.. وعليه.. كأفراد أولا، ونخبا ثانيا، ومجتمعات وأوطانا وأمة ثالثا، لوجدنا، أن الأزمة الحقيقية التي نعيشها ونعاني منها ونتجرع ويلاتها جميعا، تتمثل بأزمة وعييّة بالدرجة الأولى والأساسية والرئيسية…
تلك الأزمة الوعيية المتمثلة والممثلة بـ”وعي التخلف المقدس والمركب” بشقيه “الجهلي” و”الظلامي” المقدسين والمركبين بكل سماته وخصائصه وصفاته، وبكل صوره الفكرية والعقلية والثقافية والاجتماعية.. وبكل مظاهره الفعلية واللفظية والسلوكية والتصرفاتية والممارساتية، وبكل نتائجه الكارثية والوخيمة والخطيرة على أمتنا العربية الحاضرة…
وأن ذلك الوعي، بشقيه، هو المتجذر في الوعي واللاوعي الجمعي الإجتماعي عموما، والنخبوي منه خصوصا لمجتمعاتنا العربية، وفي جميع المناحي والمجالات الحياتية المختلفة لها، وليس في مجال واحد أو أكثر منها، طبعا مع وجود فوارق نسبية بين مجال وأخر، وطبعا أيضا، مع وجود فوارق نسبية متفاوتة هنا وهناك بين تلك المجتمعات، بما لذلك من آثار خطيرة ووخيمة ونتائج كارثية علينا جميعا…
إن ذلك الوعي، يعاني من عدة إشكاليات، لعل أبرزها وأهمها تتمثل بـالوعييّة التقدسية والصنمية والماضوية والتسلطية والطغيانية والاستبدادية والذكورية والاحتكارية والاقصائية والتكفيرية والانهزامية، وكذلك التآمرية والصورة النمطية السلبية…
ولكل ذلك أسباب وعوامل عديدة ومتنوعة، ذاتية وغير ذاتية، موروثة وحاضرة، دينية وغير دينية، جغرافية ومناخية، والتي لا يتسع المجال هنا لذكرها جميعا وتفصيلها، وكذلك أيهما أكثر تأثيرا وأشد خطرا وأكثر أهمية منها التي شكلت وتشكل ذلك الوعي، وفقا لها وعلى أساسها وفي إطارها وتحت رعايتها وكنفها…
ذلك الوعي، الذي عملت كل تلك الأنظمة المتعاقبة علينا، بكل إمكانياتها وقدراتها المادية والمعنوية المتاحة والبشرية على الحفاظ عليه، بل وتجذيره تجذيرا ممنهجا وبطرق علمية منهجية علمية وحديثة في مجتمعاتنا حتى تضمن بقائها واستمرارها واستمراريتها لأطول فترة زمنية ممكنة، وحاربت كل من يقترب ويحاول المساس به عبر محاولة تغييره، مما أدى أخيرا إلى تجذر وتجذير “العبودية الطوعية” في مجتمعاتنا، سواء عبودية طوعية دينية مزيفة أو غير دينية، فكرية وثقافية وعقلية، ايدلوجية أو غير ايدلوجية…
ومن أخطر وأفدح وأعظم أثرا وتأثيرا ونتائجا كارثية وخيمة من تلك الوسائل والأدوات والطرق التي استخدمتها تلك الأنظمة في سبيل ذلك، هي وسيلة وأداة وطريقة العامل الديني العقائدي لمجتمعاتنا!
إن غالبية أوطاننا كأمة، كانت ترزح تحت وطأة الاحتلال الأجنبي المباشر وتحررت وحررت منه، وما يزال البعض منها تحت وطأته، وذلك التحرر والتحرير لم يؤد إلى تحرر وتحرير ذلك الوعي، مما هو فيه وعليه، بل العكس من ذلك تماما، إذ أن ما يعيشه ذلك الوعي، ويعاني منه في وقتنا الحاضر أشد مما كان عليه سابقا…
إن الإنسان الفرد في مجتمعاتنا، كان شبه مغيب، إن لم يكن مغيبا تماما من قبل أولئك الذين قاموا بتلك العملية “عملية التحرر والتحرير”، عبر الإنتصار الحقيقي لإنسانيته وآدميته وحريته وكرامته، وكذلك إخراجه مما هو فيه من تخلف وجهل وفقر، وعليه من استبداد واستعباد وتسلط وطغيان وضيم وظلم وجور وتعسف واذلال وقهر وهدر وعبودية،إلخ.
وقبل ذلك كله والأهم من كل ذلك، عدم الإعتراف به كإنسان يستحق الحياة، له حقوقا إنسانية وعليه واجبات مترتبة على نيلة تلك الحقوق، بل إن حالته زادت أكثر بكثير عما كان فيه وعليه، قبل تلك العملية “عملية التحرر والتحرير” من قبلهم…
إن ما وصلنا إليه الآن كأفراد أولا، ونخبا ثانيا، ومجتمعات وأوطانا وأمة ثالثا، ليس فقط بسبب ذلك الاحتلال، ولو أنه من ضمن الأسباب والعوامل الموضوعية الهامة والمهمة، سواء في حال وجوده أو بعد رحيله عبر ما خلفه من إرث استعماري في جميع المجالات والمناحي الحياتية المختلفة، وعبر تدخله الشبه يومي في ذلك، إنما السبب الرئيسي والأساسي والجوهري في ذلك كله، هو العامل الذاتي المتمثل والممثل بذلك الوعي “وعي التخلف المقدس والمركب”، بشقيه “الجهلي” و”الظلامي” المقدسين والمركبين….
إن عملية التحرر والتحرير الحقيقية تتمثل بـ”عملية تحررية وتحريرية لذلك الوعي”، وذلك عبر القيام بـ”ثورة وعيية أخلاقية تنويرية حداثية وتحديثية”، تستهدف في المقام الأول وعي نخبها، حتى تستطيع حينئذ أداء رسالتها الأخلاقية التنويرية التحديثية المناطة بها، تجاه مجتمعاتها وأقطارها وأمتها، وذلك عبر القيام بسلسلة متتالية ومتتابعة ومنظمة ومتراكمة ومترابطة مع بعضها البعض في إطار عملية تفكيكية/ إحلالية، تستهدف أولا وأخيرا ذلك الوعي…
بمعنى، القيام بصناعة الوعي الإيجابي (الأخلاقي)، ليكون بديلاً وبدلاً للوعي السلبي (اللأخلاقي)…بذلك فقط نكون قد أعدنا للإنسان في مجتمعاتنا إنسانيته وآدميته وذاته وذاتيته الحقيقية…وهذه هي البداية الصحيحة لإعادة بناء الإنسان في مجتمعاتنا…
إن تحرر وتحرير ذلك الوعي، مما هو فيه وعليه، وإخراجه من كل ذلك، أهم بكثير من تحرر وتحرير الأرض على حساب الإنسان فيها، بل إن ذلك هو المقدمة الأولى الرئيسية الأساسية والجوهرية لتحرر وتحرير الأوطان، أرضا، ومن ثم ضمان استمرارية ذلك التحرر والتحرير…
فالوعي الحر المتحرر، هو أساس وجوهر العقلية الحرة المتحررة والفكر الحر المتحرر والثقافة الحرة المتحررة، ومن ثم السلوكيات والتصرفات والممارسات الحرة المتحررة…
ذلك كل يقود ويؤدي إلى التسامح مع الآخر والقبول به, سواء كان ذلك الآخر في إطارها أو خارجا عنها, ومن ثم التعايش السلمي والعيش معه.. وقبل ذلك والأهم من كل ذلك، إن الوعي الحر المتحرر، هو أساس وجوهر الإنسان الحر والمتحرر، والإنسان الحر المتحرر، هو أساس وجوهر المجتمع والوطن الحر المتحرر والأمة الحرة المتحررة، وهذه هي عملية التحرر والتحرير الحقيقية…
يقول أنطونيو غرامشي: “…الخطوة الأولى في تحرير الذات من العبودية السياسية والاجتماعية هي تحرير العقل”.
ويقول الزعيم الصيني ماوتسي تونج: “… ليست العبرة بتغيير وسائل الانتاج ولكن العبرة بتغيير العقليات…”.
وهذا ما أكده من قبله وبقرون فيلسوف التنوير ايمانويل كانط، عندما قال: “.. إذا أردت تغيير المجتمع ينبغي أولا تغيير العقليات السائدة فيه عن طريق التعليم والتثقيف والتهذيب..”.
ذلك “التعليم والتثقيف والتهذيب” يجب أن يقوم على قواعد وأسس وركائز عديدة ومتنوعة، لعل من أبرزها وأهمها وأكثرها تأثيرا إيجابيا هما “المعرفة الصحيحة”‘ و”التفكير الصحيح”.
وإذا كانت “الإبستمولوجيا” هي نظرية المعرفة وفلسفتها, فإن التفكير الحر، وبخاصة في زمن التكفير, هو علم الإنسان الحر وفلسفته وجوهره وماهيته وإنسانيته.. إلخ.
إذ أنه من المستحيل، إن لم تكن الاستحالة بحد ذاتها، أن توجد معرفة حقيقية بدون تفكير حر، ولن يكون ذلك، من دون الإنسان الحر والمتحرر..
فالتفكير الحر والمتحرر، يؤدي إلى المعرفة الصحيحة الحقيقية، والمعرفة تؤدي إلى الفضيلة بل هي جوهرها، وعدمه يؤدي إلى الجهل، والجهل يؤدي إلى الرذيلة بل هو جوهرها…
إن من أهم صفات وسمات وخصائص ذلك التفكير الحر أن يكون تفكيرا إبداعيا.ذلك التفكير الإبداعي الذي يعرف بأنه عبارة عن “تفكير المرء بطريقة مختلفة عن الطريقة العامة السائدة في محيطه أو مجتمعه،بحيث تكون نافعة للمجتمع وبناءه”.
ذلك التفكير، الذي يكون نتيجة طبيعية وحتمية وانعكاسا طبيعيا وحتميا لتلك العقلية الغاعلة العميقة الإبداعية والنقدية. والتي لا يملكها ويمتلكها إلا القليل من أفراد المجتمعات البشرية، ويعتبرون بمثابة النواة الحقيقية لأية عملية تغييرية نحو الأفضل في تلك المجتمعات…
تلك العقلية، التي لا تتأثر بالظواهر من حولها مهما بدت تلك الظواهر من الرونقة والبهاء أو العكس، إنما تغوص في عمق أعماق الأعماق لما تحتها،محللة ومنتقدة وباحثة سبرا للأغوار وإكتشافا لما وراء تلك الظواهر ولما تحتها..
تلك العقلية التي لا تعالج الخطأ بالخطأ، ولا يمكن له بأن يكون سببا وحجة وعذرا لارتكاب الخطأ، مهما كان ذلك الخطأ الواقع علينا، ومهما كان عجزنا على مقاومته والتصدي له وتصحيحه. ولا تعالج الرذيلة بالرذيلة، ولا يمكن لها بأن تكون سببا وحجة وعذرا لارتكابها، مهما تفشت واستفحل امرها ومهما بدت لنا الامور سوداوية.
تلك العقلية التي لا تقبل باستبدال غازي، بغازي أخر، ومحتل بمحتل أخر، والاستنجاد به، وطلب العون منه، ولا طاغي، بطاغي أخر، ولا غازي بطاغي، أو طاغي بغازي، مهما كان عجزنا ذاتيا على مقاومة الغزاة، ومقارعة الطغاة، والتحرر والتخلص منهم.
فما نبل الأهداف والغايات، إلا من نبل مقاصدها ووسيلتها، وما نبل النتائج إلا من نبل مقدماتها.
وفي مجتمعات الاستبداد والاستعباد والاسترقاق والتسلط كمجتمعاتنا، وللأسف الشديد، تحارب وتحرم وتندر بل وتكفر تلك العقليات عبر محاربة لغة “التفكير”، حتى ولو لم يكن تفكيرا حرًا إبداعيًا، في الوقت نفسه الذي تزدهر وتنمو وتتعاظم وتشجع لغة “عدم التفكير”.
ومهما بدت الصورة العامة أمامنا سوداوية ومعتمة، ومهما بدت الأمور والأوضاع من السوء الذي تعجز الأحرف والكلمات والجمل والعبارات عن وصف ذلك السوء، فإنه يجب على كل منا عدم الاستسلام لذلك واليأس والقنوط والإحباط، بل يجب علينا جميعا التمسك بحلمه العظيم، ذلك الحلم المتمثل والممثل بالخروج مما نحن فيه وعليه، جميعا، إذ أن كل إنجاز عظيم يبدأ بالشعور الحقيقي بالحاجة إليه، وكل شعور حقيقي بالحاجة إليه يولد حلما عظيما لنيلها، وكل حلم عظيم يولد فكرة عظيمة، وكل فكرة عظيمة تشكل وعيا عظيما، وكل وعي عظيم يولد إرادة عظيمة, وكل إرادة عظيمة تولد عملا عظيما، متمثلا وممثلا باسلوك عظيم، وكل سلوك عظيم يؤدي حتما إلى إنجاز ذلك العمل العظيم…
فـ”الحاجة هي وعي النقص”، كما يقول الفيلسوف الألماني هيجل، ولن يكون ذلك عظيما ونبيلا إلا إذا كان الإنسان الفرد وسيلته والهدف منه والغاية المرجوة له، فـ”من وسط الظلام الكثيف ينبعث شعاع الأمل”..
قال تعالى في كتابه الكريم: “.. إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ”/ سورة يوسف، الآية: (٨٧).
وقال أيضا: “.. حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ”.. سورة يوسف/ الآية (110)”… صدق الله العظيم.
ليكن طريقنا واضح المعالم والأهداف والغايات النبيلة، مهما كانت قساوة الظروف ومهما كانت وعورة السبيل، ومهما كانت العقبات والصعاب التي تعترضنا حيال ذلك، إما العبودية (عدم التفكير)، وإما الحرية (التفكير)، إنه الاختيار والاختبار الصعب..



