مقالات

الـطــائـفـيــة.. وضـحــايــاهــا…

د. محمد الحسامي/ اليمن

خاص “المدارنت”..

من دون الدخول في جدلية التعاريف المختلفة للطائفية، لغوية أو اصطلاحية، إجتماعية أو سياسية… إلخ. ومن دون الدخول في جدلية الأنواع المختلفة للطائفية، وهل تقتصر فقط على الطائفية الدينية والاجتماعية كما يرى البعض؟ أم أنها تتعدى ذلك لتكون طائفية سياسية وعرقية واقتصادية وثقافية وقوميةكما يرى البعض الآخر؟.

إلا أن الطائفية بكل أنواعها وأشكالها وصورها، وبكل تسمياتها ومسمياتها، تعتبر مرضا خطيرا يصيب أي مجتمع في إطار البلد الواحد، والأخطر من ذلك، أن تكون تلك الطائفية مشرعنة ومشرّعة دستوريا، بعد شرعنتها وعيا وفكرا وعقلية، ومن ثم سلوكا وتصرفا، لتصبح واقعا معاشا وملموسا على أرضية الواقع المعاش والملموس، لتصبح عملية المساس بها والتعرض لها ومحاولة تغييرها عملية محرمة، ويجرم من يقوم بذلك أو يحاول القيام بذلك، ليكون النظام الطائفي هو السائد والمعمول به واقعيا، مهما غلف بغلاف الديموقراطية.

إن للطائفية متى ما استتبت، وأصبحت وصارت واقعا معاشا وملموسا مقبولا ومشرعنة شرعنة دستورية واجتماعية، ضحايا كثر، يمكن الإشارة هنا، إلى أبرز تلك الضحايا وأولئك الضحايا بالآتي:

أولا: الضحية الأولى هي البلد الذي تسود فيه الطائفية، فهي تهدد كيانه ووحدته، وتفتك به وتفتته، وتجعله لقمة صائغة لكل المتربصين به والساعين الى النيل منه، إذ أن ذلك لا يقتصر فقط على أرضه بل الإنسان فيه، ليشمل البلد بأرضه وإنسانه، فهي تفتت النسيج الاجتماعي له وتغذي الصراعات بين مكوناته المختلفة، ليصبح الصراع هنا صراعا طائفيا بالمقام الأول والأخير، كل منها تستخدم في ذلك الصراع كل الإمكانيات والوسائل والأساليب المتاحة لها، حتى ولو كان ذلك استدعاء الخارج لمساندتها ومساعدتها في ذلك، لتصبح في الأخير كل طائفة فيه رهينة له واسيرة له، تنفذ أجندته الخاصة به، التي تخدم مصلحته ومصالحه على حساب مصلحة البلد العليا، بل على حساب مصلحتها ومصالحها هي…

الضحية الثانية: الطائفة نفسها، أفرادا بالمقام الأول، أولئك الأفراد المنتمون إلى تلك الطائفة وضمن مكوناتها، وجزءًا أصيلا منها، تستخدهم رموز تلك الطوائف كوقود في صراعها مع بعضها البعض، غير آبهة بهم ولا مكترثة لمصيرهم، لأن همّهم الوحيد هو الحصول على مصالحهم الشخصية الضيقة والمقيتة، حتى لو كان ذلك على حساب البلد برمته، أو على حساب الأفراد الذين ينتمون إليها.

إن ذلك كله، يعتبر واقعا طائفيا معاشا وملموسا، في جزء كبير من أمتنا، العراق ولبنان مثالين لذلك، وما كان لذلك كله بأن يكون ويصبح ويصير كذلك، لولا وجود ذلك الإرث والموروث الطائفي عبر قرون، والمتجذر في الوعي الجمعي الإجتماعي الطائفي لكل طائفة من الطوائف، كل على حدة، والتي ساعدت عوامل كثيرة وعديدة على تجذيره، داخلية وخارجية، خدمة لمصالحها الذاتية، ونتيجة لذلك، أصبحت الصورة النمطية الطائفية السلبية، هي المحددة للعلاقات المختلفة بين تلك الطوائف، بما ينتج عنها ويترتب عليها من نتائج كارثية خطيرة ووخيمة على البلد، بكل مكوناته المختلفة، ومنها تلك الطوائف… وأصبح الولاء للطائفة مقدما على الولاء للبلد، والتضحية في سبيلها مقدما على التضحية في سبيل البلد، بل قد ينعدم كل ما يمسّ بصلة للبلد من ولاء وتضحية، وهذا هو الحاصل للأسف الشديد.

وفي المقابل، إن ذلك ما كان له أن يكون، لولا الغياب الشبه تام، للمشروع الوطني الحقيقي للبلد، رموزا وشخصيات ومنهجا ونهجا، بكل أسسه وركائزه وقواعده وعناصره، فغياب أو تغييب ذلك المشروع، هو الذي أدى ومع غيره من العوامل الأخرى إلى تفشي الطائفية، وقوّتها، حتى ولو وجد أو كان في بداياته، فإن كل تلك القوى المستفيدة من الطائفية، والتي ترى فيه خطرا حقيقيا وجسيما وتهديدا حقيقيا لمصالحها، تعمل على إفشاله والنيل منه في البدايات، سواء كانت تلك القوى داخلية أو خارحية، والواقع يقول كليهما معا.

إن الخروج من ذلك كله، لا يمكن له بأن يكون ويصير ويصبح، إلا بوجود مشروع وطني حقيقي لكل أفراد ومكونات البلد الواحد بكل طوائفة. ذلك المشروع، يكون الإنسان الفرد، وفي المقام الأول فيه، هو وسيلته وهدفه والغاية المرجوة منه..

ذلك المشروع، المتمثل في إقامة الدولة المدنية الحديثة بركائزها الأساسية، كبديل وحيد لتلك الدولة التقليدية، دولة الطوائف، فالدولة المدينة الحديثة بركائزها الأساسية، هي بمثابة قدر صهر كبير الذي تصهر فيه كل تلك الطوائف، وهي الضمان الوحيد لبقاء ذلك المشروع واستمراريته وديموميته، ومن ثم عدم الرجوع والعودة إلى المربع الأول، مربع الطوائف والطائفية.. إن ذلك ليس مستحيلاً، لكنه ليس سهلا وبسيطا وميسراً.

يقول الكاتب والصحفي البريطاني الأميركي/ كريستوف هتشنز :

“تصوّروا أنّنا كنّا لنذهب إلى بيروت، لؤلؤة المشرق العربي المدينة الأكثر تحضّراً وجمالاً وتثقّفاً في الشرق الأوسط، ونرى ما يحدث حينما ولأسبابٍ مسيّسة، يوضع دستورٌ طائفيٌّ، يقول يجب دائماً على رئيس لبنان أن يكون مسيحياً مارونياً، ويجب على رئيس برلمان لبنان أن يكون دائماً شيعياً، وعلى رئيس وزرائه أن يكون دائماً سنياً، وأنّ للدروز حصّتهم.. وهلّم جرا. تاركاً لخوفي في أسفل القائمة الكرد والأرمن، هذا الدستور الطائفيّ عرّف مواطنة كلّ شخص تبعاً بما يعتنقه من معتقد، هل أنا بحاجةٍ إلى أن اشرح لكم ما فعله هذا لإعاقة، ولإفلاس، ولتعويز، ولتشويه ما كان يجب أن يكون مجتمعاً سعيداً مثالياً بتعدديته وتنوعه”.

ويقول الأديب اللبناني أمين الريحاني:

“قلت مراراً إنّ طائفة الوطن الكبرى، أو بالحريّ الوطنيّة اللاطائفيّة، لا تقوم إلا بالتفكّك الطائفيّ.. لا أقول بالتفكّك الطائفيّ الكليّ، أيّ الإضمحلال الطائفيّ، فهو غير منتظر، ولكن التفكّك في الطائفة – بتفرّق أعضائها ليتّحدوا مع أعضاءٍ متفرّقين من طوائف أخرى – لأغراضٍ سياسيّةٍ وطنيّةٍ عالية.. هذا هو المطلوب آنياً، إن ابن الطائفة البارّ، لا يستطيع أن ينضمّ إلى الطائفة الكبرى إنضماماً صادقاً ثابتاً وثيقاً، سياسيّاً وثقافيّاً، قبل أن يتّجه بقلبه إلى الوحدة الوطنيّة، وقبل أن ينبذ، من ذهنه ومن إرثه، التقاليد الطائفيّة التي تحول دون ذلك الإتّجاه”.

ونختم مع قول اللبنانيين: كلّن – يعني – كلّن.

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى