مقالات

اللغة العربية أداة اللحمة بين الاسلام والانتماء الجزء (5/1)

أديب الحاج عمر/ لبنان

خاص “المدارنت”
بداية ينبغي توضيحا:
1/ انطلق من كوني ناشطًا عربيًا، كافح في حقل الثقافة والفكر والنظريات، وعملت في حقل التربية والتعليم. وما الأفكار والاراء التي سأتناولها، سوى قراءات واختبارات واستنتاجات واجتهادات، واهتمامات ذاتية في تلك الميادين، والتي عشتها وعملت بها، فكرا ووجدانا.
2/ إنني عربي الهوية والهوى، أكتب كمواطن عربي مؤمن بعقيدة الإسلام، معتدل المنهج والتشريع، ما زلت مناضلا اعمل من أجل أن تسترجع الامة العربية الإسلامية، قوام حضارتها الإنسانية، والقائمة على تطبيق قواعد الترابط واللحمة بين العروبة والإسلام.
3/ أن دعوتي هذه، إنما تدفع إلى ضرورة العناية الكلية والاهتمام البالغ، بلغتنا العربية الفصحى، ثم احلال مكانتها، المحل اللائق التي حلّها القرآن العظيم، من دون الانتقاص من الاهتمام باللغات الأجنبية، وضرورة تعلمها، والتعمق بمعرفة قواعدها واصولها.

مفهومَا الإسلام والانتماء
الجزء (1) 
لم اقصد بمفهوم الاسلام، كمفهوم شائع لدى عامة الناس، إنما اعتمد المفهوم الديني كما جاء به النص القرآني. فالقرآن جاء بمفهوم الاسلام بالمعنى الذي يدلل على جميع الرسالات السماوية بأكملها، والممتدة منذ آدم، عليه السلام، حتى الرسالة المحمدية، خاتمة الرسالات السماوية، بقوله تعالى: “اليوم أكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا “. المائدة/3
وكأنني أريد أن أقول أن هناك دين واحد، هو الاسلام، وما دون ذلك من تتداول بين الناس، وما تناقلته من مفاهيم، إنما هي مفاهيم تعبر عن شرائع سماوية، وليست أديانا، إذ أنها شرائع تكمل بعضها البعض، إلى مرحلة كمال النضج العقلي لدى البشرية
فكان التشريع برسالة محمد (ص)، كاملا متكاملا. الآية المذكورة. وعليه يمكن القول: الشريعة اليهودية، الشريعة النصرانية، والشريعة المحمدية.
وادلتنا على ذلك النصوص القطعية القرآنية. فقوله تعالى: _ عن نوح الذي يُعتبر ابو البشرية الثانية_: “.. وأمرت أن اكون من المسلمين”. يونس/72. وعن ابراهيم: “.. وإذا رفع ابراهيم القواعد من البيت وإسماعيل.. ربنا واجعلنا مسلميْنِ لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك.. انك انت التواب الرحيم”. البقرة/ 127_128. وايضا: “إذ قال له ربه اسلم قال أسلمت لرب العالمين”. البقرة/ 131، وعن يعقوب: “.. ووصى بها ابراهيم نبيه ويعقوب يا بنيّ أن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وانتم مسلمون”. البقرة/ 132. وايضا.
“أم كنتم شهداء اذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه.. قالوا نعبد الهك واله اباءك.. الها واحدا ونحن له مسلمون”. البقرة/ 133. وعن موسى: “يا قوم أن كنتم امنتم بالله فعليه توكلوا أن كنتم مسلمين”. يونس/84. وعن سيدنا عيسى: “فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من انصاري إلى الله، قال الحواريون نحن أنصار الله امنا بالله واشهد بانا مسلمون”. آل عمران/ 52.
وعن سليمان: “إنه من سليمان وأنه بسم الله الرحمن الرحيم، إلا تعلو عليّا واتوني مسلمين”. النمل/31_32. وعن سيدنا محمد(ص): “إن الدين عند الله الإسلام”. آل عمران/ 19. وايضا: “ومن يبتغي غير الإسلام دينا فلن يُقبَل منه وهو في الآخرة من الخاسرين”. آل عمران/85. ونذكر آخرا آية قرآنية تجمع بين الشرائع، ثم تحدد لمعتنقيها خريطة طريقهم إلى الله تعالى، وبيان أجرهم عنده تعالى، بقوله تعالى: “إنن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين، من أمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا، فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون”. البقرة/62. وعلى هذا الأساس القرآني، فأنا مؤمن مسلم.
اما من جهة مفهوم الانتماء، فإنني اعلن واقول: إنني عربي، بمعنى أنني انتمي الى أمة تميزت بسمات وخصائص دون الامم الاخرى، ويعني ايضا إنني كفرد من هذه الأمة، فقد تميزت ايضا، بعناصر تكوين شخصيتي الذاتية، كغيري من أبناء امتي العربية. فالجسد (جسد أفراد الامة) قد تمثل كإرث عضوي يشد الإنسان إلى الاهل والأجداد، كما وتمثل ايضا، (الإنسان العربي)، بالعقل وإلروح اللذان يمثلان، إرثا ثقافيا وحضاريا.

ان جوهر هذا التكوين الفردي، إنما يقوم على أسس راسخة لدى كل انسان عربي، ألا وهي اللغة العربية، وكل ما حملته من قيم وعادات وتاريخ. لذلك من البيان احترام الإنسان الفرد، شخصيته الذاتية، لأنها مرتبطة بعناصر تميزها، إلى جانب كونها تمثل رمزية انتمائية، مما يلزم ضرورة احترام تلك الرمزي والتي هي لغته العربيه الفصحى، وكل ما تمثله. لذلك وجب إتقان تعلمها، إلى جانب الاعتزاز بها. إلى جانب ذلك، وجب احترام عقيدته الدينية مع ضرورة تطبيق شريعتها، لأن العلاقة جدلية ترابطية، بين ذاتية الإنسان الفرد، وبكل مميزاته وسماته الانتماءية، وبين عقيدته الإيمانية.
ولبيان أهمية تلك العلاقة الجدلية، وأخص العلاقة بين الإسلام واللغة العربية، وعن أهمية فعل اللغة، نرى أن المستعمر الإنكليزي قد أوصى قواده العسكر وأمرهم ان: “علّموا لغتنا وانشروها.. فإذا حكمت لغتنا أي دولة فقد حكمناها حقيقة وفعلا”. إنه إدراك واع لأهمية اللغة في الهدم والبناء، إلى جانب دورها وخطورتها في توجيه العقول وتطويع مناهج تفكيرها. وايضا يقول نابليون: “علّموا الفرنسية..”.
أمام هذه الصورة الموضوعية، فإن واجب حماة اللغة العربية والغيارى عليها، مدّ يد العون إليها، والدفع نحو تحقيق عملية التعريب والأخذ بها، مع واجب التأكيد على تعليم ابناءنا، بخاصة الأطفال منهم، لغتنا العربية الفصحى، واتقانها، مع التشديد على كلمة إتقان. فالأمة التي تهمل لغتها، فانها تحكم على نفسها، بالضعف والوهن، وايضا بالتبعية الثقافية، وأيضًا
تمسخ شخصيتها وذاتيتها، ثم تتهالك إلى زوال. وكم من أمم ذهبت إلى العدم بذهاب وضياع لغتها.
وعليه، فاللغة الام هي التي تحدد مسار تصرف المرء وتوجه سلوكه، ثم تفرض عليه كيفية اتخاذ المواقف، إيجابية كانت أم سلبية، لأن اللغة هي التي تحمل تجارب الشعوب وتصوغ استجاباته وتقونن انظمته. فالانقطاع عن اللغة الام، إنما هو انقطاع عن الجذور التاريخية الذاتية، وانسلاخ عن الهوية الوطنية، أي عن الانتماء. فاللغة الام كالوطن، ولغتنا العربية، لغة حيّة بروحها، خالدة بوجودها، ومتجددة بتجدد فكر وعقل أهلها.
من هنا، وجب، علينا كعرب، الإقرار بهويتنا العربية، مع إطلاق حرية ذواتنا، ثم نعلن وبكل ثقة، إنما عرب مميزون، نملك من القدرة العلمية والطاقة الفكرية والقوة الروحية الايمانية، ما يحملنا إلى مقدمة الأمم، حضارة وثقافة وتكنولوجية وإنسانية، كما أراد الله تعالى لأمتنا العربية أن تكون على حقائق علمية مؤكدة، اعتمادها لسان عربي مبين، وعلى بيان قيم انسانية عالمية، سندها في ذلك، تشريع كامل متكامل.

(يُتبع في الجزء الثاني) 
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى