مقالات

“المجلس الوطني للمعارضة العراقية” يصمد حين يأفل الآخرون؟

د. فارس خطاب*/ بريطانيا

“المدارنت”
المعارضة السياسية ليست مجرد موقف رافض للسلطة، ولا يكفي لكي يستحق تنظيم ما صفة “المعارضة الوطنية”، أن يرفع شعارات التغيير أو يصدر البيانات كلما اشتدت أزمات البلاد. فالمعارضة، بمعناها السياسي الجاد، قدرة على الصمود والاستمرار، وامتلاك رؤية للدولة التي يراد بناؤها، والاستعداد لتحمل مسؤولية ما بعد التغيير، لا الاكتفاء بالمطالبة به.

ومن هذه الزاوية تحديداً تستحق تجربة “المجلس الوطني للمعارضة العراقية”، برئاسة د. عبد الناصر الجنابي، أن تُقرأ بعيداً عن لغة المديح والدعاية، مثلما ينبغي أن تُقرأ بعيداً عن الأحكام المسبقة. فالعراق، منذ التحولات الكبرى التي أعقبت عام 2003، لم يعرف نقصاً في الأحزاب والحركات والتجمعات والجبهات المعارضة. فقد ظهرت تشكيلات كثيرة، وتفرقت أخرى، وانقسم بعضها على نفسه أو غاب عن المشهد. وفي خضم هذا التبدل ظل المجلس الوطني للمعارضة العراقية محافظاً على حضوره ونشاطه التنظيمي والسياسي، وصولاً إلى عقد مؤتمره السابع في الدنمارك في يوليو/تموز 2026. ولا يعني البقاء، في حد ذاته، أن تنظيماً سياسياً قد نجح في كل ما طرحه، كما لا يمنحه تفويضاً تلقائياً لتمثيل العراقيين. لكنه، في بيئة سياسية عُرفت بكثرة الانشقاقات والتجمعات قصيرة العمر، يطرح سؤالاً جديراً بالبحث: لماذا صمد المجلس حين تفرق الآخرون؟

ربما يبدأ الجواب من طبيعة الفكرة التي حاول المجلس المحافظة عليها. فهو، وفق برنامجه ووثائقه المعلنة، لم يقدم نفسه باعتباره معارضة لحكومة بعينها أو لرئيس وزراء بعينه، وإنما معارضة لبنية نظام سياسي يعتبر أنها قامت على المحاصصة الطائفية والعرقية، وأفضت، وفق رؤيته، إلى إضعاف مؤسسات الدولة، وانتشار الفساد، وتراجع مفهوم المواطنة، واتساع مساحة التدخل الخارجي، وخاصة الإيراني، في القرار العراقي.

ومن هنا ظل خطابه يدور حول جملة من المبادئ: استعادة سيادة العراق وقراره الوطني، إنهاء المحاصصة، بناء دولة المواطنة، استقلال القضاء، حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، ومراجعة البناء الدستوري والسياسي للدولة. وهي أهداف معلنة ينبغي، كأي برنامج سياسي، أن تخضع للنقاش والاختبار، لكن ثباتها النسبي عبر سنوات يساعد على تفسير جانب من استمرارية المجلس وهويته السياسية.

ويصعب الحديث عن هذه الاستمرارية من دون التوقف عند دور رئيس المجلس د. عبد الناصر الجنابي. وليس المقصود هنا صناعة صورة شخصية أو إطلاق أحكام في الرجل، وإنما ملاحظة حقيقة سياسية بسيطة: المحافظة على تنظيم سياسي معارض، يضم اتجاهات وشخصيات متعددة ويعمل في ظروف متغيرة، تحتاج إلى قدر من الاستمرارية في القيادة والتنظيم. وتكشف الوثائق المنشورة للمجلس عن وجود رئاسة ومكتب سياسي وهيئات متخصصة، من بينها هيئة للدراسات والتخطيط المستقبلي وهيئة للإعمار والتطوير والتنمية وغيرها. وهذه البنية تكتسب معناها الحقيقي بقدر ما تتحول إلى عمل مؤسسي ينتج السياسات والخطط، لا أن تبقى مجرد مسميات تنظيمية.

وهنا نصل إلى عنصر آخر مهم في تجربة المجلس: الكفاءات المنضوية فيه. فالعراق لا يحتاج، إذا أراد الخروج من أزماته، إلى استبدال مجموعة من السياسيين بمجموعة أخرى، وإنما إلى خبرات في الاقتصاد والقانون والدستور والإدارة والأمن والتعليم والصحة والطاقة والمياه والعلاقات الدولية وإعادة الإعمار. ولذلك فإن قيمة ما يعلنه المجلس عن تنوع كفاءاته لا تقاس بعدد الأسماء، بل بمدى قدرته على تحويلها إلى فرق عمل تستطيع أن تقدم حلولاً قابلة للتنفيذ.

ولعل النقطة التي تستحق اهتماماً خاصاً هي أن المجلس لم يترك سؤال “ماذا بعد التغيير؟” خارج حساباته؛ فالتجارب السياسية تذهب إلى أن إسقاط واقع قائم، مهما بلغت درجة الاعتراض عليه، لا يضمن نجاح ما يأتي بعده، وربما كان اليوم التالي لأي تغيير هو اللحظة الأخطر: من يدير الدولة؟ كيف تُحمى مؤسساتها؟ كيف يُمنع الفراغ؟ ماذا يحدث للسلاح خارج الدولة؟ وما مصير القضاء والدستور، والاقتصاد والخدمات؟

وفي حالة المجلس، توجد تصورات معلنة للمرحلة الانتقالية، بينما تمثل وثيقة “خطاب اليوم الأول للحكم” جانباً من مشروع أوسع لما بعد التغيير، ولا تختزل المشروع كله. وتكشف هذه الوثيقة عن تصور يبدأ بإنهاء المحاصصة في إدارة الدولة وربط المسؤولية بالكفاءة والنزاهة، وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، ومعالجة أوضاع التشكيلات المسلحة ضمن القانون، ومراجعة ملفات الموقوفين والمعتقلين وضمان المحاكمة العادلة، وصولاً إلى الشروع في صياغة عقد دستوري جديد يُعرض في النهاية على الشعب. كما تتضمن الرؤية تفكيك مظاهر السيطرة الحزبية على مؤسسات الدولة والمال العام، وتضع توقيتات لبعض الإجراءات خلال الثلاثين والتسعين والمئة يوماً الأولى.

ولا يعني وجود هذه الخطة أن نجاحها مضمون أو أن كل مواعيدها وإجراءاتها قابلة للتطبيق كما كُتبت؛ فالعراق بلد شديد التعقيد، وأية مرحلة انتقالية تحتاج إلى ضمانات قانونية ودستورية صارمة تحمي الحريات، وتمنع الفراغ، وتصون السلم الأهلي، وتضمن ألا يتحول الاستثناء المؤقت إلى سلطة دائمة. لكن وجود تصور مسبق ينقل النقاش خطوة إلى الأمام. فالسؤال لم يعد فقط: هل لدى المجلس فكرة عما بعد التغيير؟ وإنما: إلى أي مدى يستطيع تطوير ما أعده إلى برنامج قابل للتنفيذ والمراجعة والمحاسبة؟ وهذا فرق جوهري بين المعارضة باعتبارها احتجاجاً والمعارضة باعتبارها استعداداً لتحمل مسؤولية الدولة.

وفي هذا السياق، تأتي أيضاً العلاقات الخارجية التي عمل المجلس على بنائها خلال سنوات نشاطه. وتشير تصريحاته ومنشوراته إلى اتصالات وعلاقات مع أطراف عربية وإقليمية ودولية، كما توثق منشوراته نشاطاً واتصالات في الولايات المتحدة وأوروبا ومحيطه العربي. وهذه العلاقات يمكن أن تشكل رصيداً سياسياً لأي مشروع عراقي إذا ظلت محكومة بمبدأ واضح: الانفتاح على العالم من دون الارتهان له.

أما إيران، فتحتل موقعاً مختلفاً تماماً في رؤية المجلس. فالمجلس يُحمّل النفوذ الإيراني في العراق، مسؤولية رئيسية عن جانب كبير من اختلال السيادة، وانتشار القوى المسلحة خارج مؤسسات الدولة، والتأثير في القرار السياسي العراقي، وهذا توصيف سياسي يتبناه المجلس وكرره في أدبياته ومؤتمراته، وليس حكماً ينبغي تمريره من دون نسبته إلى أصحابه. والمعيار الأكثر اتساقاً مع مفهوم السيادة الذي يطرحه المجلس هو أن رفض التدخل الإيراني يجب أن يكون جزءاً من مبدأ أشمل: رفض أي وصاية خارجية على العراق، أياً كان مصدرها. فالعراق المستقل لا يخرج من دائرة نفوذ ليدخل في أخرى، ولا يستبدل عاصمة بعاصمة أو سفارة بسفارة. علاقاته مع إيران وتركيا والدول العربية والولايات المتحدة وأوروبا وبقية العالم ينبغي أن تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، بما يبقي القرار النهائي عراقياً.

وربما هنا تلتقي الخيوط التي تساعد على تفسير صمود المجلس: الاستمرارية التنظيمية، قيادة حافظت على وجود المؤسسة، كفاءات وهيئات متعددة، ثبات مجموعة من المبادئ السياسية، شبكة من الاتصالات الخارجية، ثم محاولة الانتقال من مجرد معارضة النظام القائم إلى التفكير في الدولة التي ينبغي أن تأتي بعده. لكن هذه العناصر، مهما بلغت أهميتها، لا تمنح المجلس شهادة نجاح مسبقة؛ فالشرعية السياسية في النهاية يمنحها العراقيون، وليس المقالات ولا البيانات ولا سنوات المعارضة. كما أن قدرة أي تنظيم على إدارة الدولة لا يمكن إثباتها بالكامل وهو خارج مسؤولية الحكم. وهنا تحديداً يصبح استمرار المجلس طوال هذه السنوات بداية للسؤال وليس نهايته؛ فإذا كان قد نجح في المحافظة على نفسه عندما تفرقت تجمعات أخرى، فإن الاختبار الأصعب سيكون قدرته على تحويل التنظيم إلى مؤسسة، والكفاءات إلى إدارة، والعلاقات الخارجية إلى مصالح وطنية، وخطة اليوم التالي إلى دولة قانون، وشعار السيادة إلى قرار عراقي مستقل بالفعل.

إن العراق بعد أكثر من عقدين من الأزمات لا يحتاج إلى معارضة جديدة بقدر حاجته إلى مشروع دولة، دولة لا تقسم وظائفها بين الأحزاب والطوائف، ولا توجد فيها قوة مسلحة فوق القانون، ولا يتحول فيها المال العام إلى مورد للأحزاب المتنفذة، ولا يكون المواطن فيها تابعاً لهويته الطائفية أو القومية قبل أن يكون عراقياً، ولا تستطيع دولة أجنبية أن تختار للعراقيين قرارهم.

ومن هذه الزاوية تستحق تجربة “المجلس الوطني للمعارضة العراقية” أن توضع أمام الرأي العام، لا بوصفها تجربة فوق النقد، ولا باعتبارها صاحبة حق حصري في تمثيل العراقيين، وإنما باعتبارها تجربة سياسية استطاعت الاستمرار وراكمت تنظيماً وبرامج ورؤية معلنة لما بعد التغيير. فقد خاض المجلس حتى الآن اختبار الصمود، ووضع أمام نفسه، من خلال مشروعه لما بعد التغيير، اختبار الاستعداد. أما الاختبار الذي لا تستطيع الوثائق وحدها الإجابة عنه فهو اختبار الإنجاز، إذا جاءت لحظته، وعندها لن يكون السؤال الذي يوجه إلى المجلس الوطني للمعارضة العراقية: كم سنة بقيتم في المعارضة؟ بل سيكون السؤال الأهم والأكثر عدلاً: ماذا ستفعلون بالعراق إذا أصبحت مسؤولية بنائه بين أيديكم؟ هل يستطيع تحويل هذا التصور إلى دولة تحمي مواطنيها، وتصون سيادتها، وتعيد للعراق قراره الوطني ومكانته التي يستحقها؟ ذلك هو الامتحان الحقيقي، والعراقيون وحدهم من يملكون الحكم على نتيجته.

* باحث عراقي مقيم في بريطانيا
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى