المغرب والجزائر من حرب الرمال إلى نهاية «مينورسو»!
“المدارنت”
في مثل هذا الشهر من عام 1963، وبعد عام واحد على استقلال الجزائر، اندلعت «حرب الرمال» مع المغرب. المواجهات التي استمرت أسابيع فحسب، كشفت بشكل مبكر إحدى المعضلات الكبيرة في دول ما بعد الاستقلال العربية: كيف تبني دولة خرجت لتوّها من استعمار طويل علاقات جوار مستقرة فيما تتنازع على حدود ورثتها عن ذلك الاستعمار؟ انتهت الحرب وسوّيت مسألة ترسيم الحدود لاحقا لكن عناصر الصراع بين البلدين ظلّت تشتعل تحت الرماد.
بعد أكثر من ستة عقود على تلك الحرب، تعود هذه المعضلة من باب الصحراء الغربية، مع بدء تصفية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الإقليم، «مينورسو»، إثر إخفاق مجلس الأمن في تجديد ولايتها، وإذا كانت «حرب الرمال» قد وضعت حدود الدولتين موضع نزاع، فإن التطوّر الأخير يطرح سؤالا أوسع: أي مستقبل ينتظر المغرب العربي حين تفقد نزاعاته المزمنة الآليات الأممية والدولية لاحتوائها؟
تحوّل إقليم الصحراء الغربية مجالا جغرافيا جديدا للنزاع بين البلدين، فمنذ انسحاب إسبانيا من الصحراء عام 1975 تمحورت المواجهة بين المغرب، الذي يعتبر الإقليم جزءا من أراضيه، و»جبهة البوليساريو» المدعومة من الجزائر، والمطالبة باستقلاله. أنشئت «مينورسو» عام 1991 كمؤسسة أممية لمراقبة وقف إطلاق النار والتمهيد لاستفتاء لتقرير مصير السكان. الخلاف على شروط الاستفتاء منعت تنظيمه، ومنذ ذلك الحين استمرت البعثة تؤدي وظيفة المراقبة الأمنية، وأدى تجدد الأعمال العدائية عام 2020 إلى اكتسابها أهمية إضافية.
يوم الجمعة الماضي، انتهت عمليا مهمة البعثة واسمها، نتيجة صراع آخر بين أمريكا، التي قدّمت مشروع قرار يجعل خطة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساس المفاوضات، وروسيا، التي أسقطت القرار بالفيتو، وأخفق مشروعها الذي أراد تمديد المهمة بصيغتها القائمة، فلم تستطع واشنطن فرض كامل خطتها، وفشلت موسكو في إنقاذ «مينورسو» (التي ستتحول إلى «مينوسو» بعد الحرف الدالّ على الاستفتاء من اسمها)، أما الرباط فرأت في النتيجة فرصة لإعلان طيّ هذه الصفحة والمطالبة بإنهاء التداول الأممي للملف، فيما أعلنت الجزائر «أسفها البالغ» لهذا التطور.

لا يمكن اعتبار تصفية البعثة تسوية للنزاع التاريخي المرير، ولا يمكن اختزال ما جرى باعتباره انتصار طرف وهزيمة آخر. ما زالت مسألة السيادة موضع خلاف، وما زالت الأمم المتحدة تعتبر تقرير المصير جزءا من إطارها للحل. يعكس ما حصل تغيّر موازين التأييد الدبلوماسي في العالم لصالح المغرب، لكنه، من جهة أخرى، لا يخلق بديلا سياسيا متفقا عليه كما يمكن أن يزيد هشاشة الوضع الميداني في المنطقة المغاربية.
يمكن ملاحظة هذا في كون التنافس المغربي – الجزائري محصورا في الصحراء الغربية، فهو يمتد الى الطرق التجارية ومشاريع الطاقة والمنافذ إلى المحيط الأطلسي. اتخذت الجزائر خطوة لافتة مؤخرا بإقرار نشر قوات في النيجر لحماية مصالح اقتصادية وطاقيّة، فيما تؤيد النيجر نفسها مبادرة مغربية لفتح ممرات أطلسية أمام دول الساحل الأفريقية. تكشف هذه المفارقة أن دول المنطقة لا تتحرك دائما ضمن محاور ثابتة، بل تسعى إلى تنويع شراكاتها والإفادة من تنافس البلدين الجارين.
أما موريتانيا التي حرصت على لعب دور متوازن بين المغرب والجزائر، فتواجه احتمال انتقال التوترات إلى الممرات الحدودية التي تعتمد عليها تجارتها، وتجد تونس، التي وضعها رئيسها قيس سعيّد في ظروف سياسية واقتصادية صعبة، نفسها في حال أقرب للتبعية للجزائر، وهو ما يضيّق عليها مساحة المناورة الإقليمية، ويجعل فكرة «التكامل المغاربي»، التي وُلد اتحادها رسميا عام 1989، أبعد ما يمكن عن التحقق.
ما يهمّ، في اللحظة الراهنة، التمييز بين كسب المغرب جولة سياسية وبناء سلام قابل للبقاء.



