المقاومة في الداخل الإيراني تحرم النظام من الاطمئنان!

كتب حسين عابديني/ بريطانيا
خاص “المدرانت”
كلما طال أمد الأزمة التي يعيشها النظام الإيراني، ازداد اقتناع قادته بأن الخطر الحقيقي لا يأتي من الخارج، وإنما من الداخل. ولذلك، فإن تركيز السلطة خلال المرحلة الحالية على تشديد القبضة الأمنية وتوسيع دائرة القمع ليس إجراء عابرًا، بل هو اعتراف ضمني بأن أدواتها السياسية والاقتصادية لم تعد قادرة على احتواء مجتمع يتصاعد فيه الغضب والسخط بوتيرة غير مسبوقة.
لقد دخلت طهران جولة جديدة من المفاوضات وهي تأمل أن تحصل على مكاسب سياسية أو اقتصادية مسبقة تخفف من وطأة أزماتها الداخلية، إلا أن الوقائع حتى الآن لا تشير إلى تحقيق ما كانت تراهن عليه. فلا العقوبات رفعت، ولا الاقتصاد تلقى جرعة إنقاذ، ولا النظام نجح في انتزاع ضمانات تتيح له التقاط أنفاسه. وبذلك وجد نفسه أمام معادلة أكثر تعقيدا؛ إذ لا يستطيع الانسحاب من المفاوضات، كما أنه عاجز عن تقديمها للرأي العام بوصفها انتصارا سياسيا.
هذا الإخفاق جعل المؤسسة الحاكمة تعود إلى الوسيلة التي اعتادت اللجوء إليها كلما ضاقت الخيارات، وهي تصعيد الإجراءات الأمنية. فمنذ أسابيع تتزايد الاعتقالات، وتتشدد الرقابة، وتتوسع الإجراءات الاحترازية في المدن، بالتوازي مع تعزيز انتشار الأجهزة الأمنية. والهدف من ذلك واضح؛ منع أي شرارة احتجاج من التحول إلى انتفاضة واسعة، ولا سيما في ظل استمرار التدهور الاقتصادي وتراجع القدرة الشرائية واتساع رقعة الفقر.
لكن ما يضاعف قلق النظام هذه المرة هو أن حالة الغضب الشعبي لم تعد تتحرك بصورة عفوية فحسب، بل تتقاطع مع نشاط متواصل لوحدات المقاومة داخل إيران. وهذا ما يفسر حجم التركيز الأمني على ملاحقة هذه الوحدات، لأن السلطة تدرك أن وجود تنظيم قادر على استثمار حالة السخط الشعبي يمنح الاحتجاجات زخما واستمرارية تتجاوز ردود الفعل المؤقتة.
ولذلك، لم يعد خطاب المسؤولين الإيرانيين يقتصر على الحديث عن “المؤامرات الخارجية”، بل أصبح يركز بصورة متزايدة على “الخلايا” و”الشبكات” و”التحركات المنظمة” في الداخل، وهو ما يعكس إدراكًا متناميًا بأن مصدر التهديد بات كامنًا في المجتمع الإيراني نفسه. فكلما اتسعت الفجوة بين النظام والمواطنين، ازدادت صعوبة السيطرة على الأوضاع بالوسائل التقليدية.
وفي المقابل، تؤكد المقاومة الإيرانية المنظمة بصورة متكررة أن التغيير لن يأتي عبر صفقات دولية أو تفاهمات إقليمية، وإنما من داخل إيران، عبر الشعب الإيراني وقواه المنظمة. ويستند هذا الطرح إلى قناعة مفادها أن أي تفاوض، مهما كانت نتائجه، لن يعالج جذور الأزمة المتمثلة في طبيعة النظام نفسه، بل قد يؤجل انفجارها لفترة محدودة.
ومن هنا يمكن فهم سبب الارتباك الذي يطبع سلوك السلطة. فهي تفاوض الخارج أملا في كسب الوقت، بينما تحشد قواتها وأجهزتها الأمنية في الداخل خوفًا من اليوم الذي قد تتحول فيه الاحتجاجات المتفرقة إلى حركة وطنية واسعة يصعب احتواؤها. ولذلك، فإن القمع المتصاعد لا يعكس قوة النظام بقدر ما يكشف حجم قلقه، لأن السلطة الواثقة لا تحتاج إلى كل هذا الاستنفار الأمني، أما السلطة التي تخشى شعبها، فإنها تجعل من القبضة الحديدية وسيلتها الأخيرة للدفاع عن بقائها.



