“النجف وقم”.. وحدة الهدف وتعدد الأدوار

كتب صادق الحسن/ العراق
خاص “المدارنت”..
يحلو لبعض المثقفين والمهتمين بالشأن العام، الحديث عن الخلاف الجذري والمتأصل بين الحوزة الدينية في النجف في العراق، والحوزة الدينية في قمّ، في إيران. حوزة النجف، رغم تعدد مراكزها وقيادتها إلا أنها تتبع دائماً المرجع الشيعي الأعلى، وهي في الوقت الحالي تحت قيادة المرجع الديني الأعلى علي السيستاني، أما حوزة قم فهي تابعة بشكل أو بآخر لنظام ولاية الفقيه في إيران وتحديداً قيادة المرشد علي خامنئي.
النقطة التي ينطلق منها هؤلاء الذين يتحدثون عن الخلاف بين حوزتيّ النجف وقمّ هو الخلاف الفقهي حول حدود ولاية الفقيه على المجتمع، أي الصلاحيات الممنوحة لرجل الدين للتدخل في الشأن العام والسياسية والتصدي لقيادة الأمة، وهو خلاف فقهي بحت، وهو قديم جداً ولم يظهر عند بروز اسم الخميني وتنظيره لمشروع ولاية الفقيه.
يرى اتباع حوزة النجف بالولاية الخاصة للفقيه، أيّ أن حدود الفقيه هي الإفتاء بالفقه وتبيان القضايا المحرمة والمحللة فقط وعدم التصدي للقيادة وتأسيس دولة إسلامية في ظل الغيبة الكبرى (غيبة الإمام المهدي المنتظر)، في حين يرى اتباع حوزة قم بالولاية العامة والمطلقة للفقيه، أي لا حدود توضع لرجل الدين للتدخل في شؤون المجتمع بما فيها حقه لقيادة الأمة سياسياً وتأسيس دولة إسلامية، كما هو الأمر في إيران حالياً.
يتوهم المعارضون لنظام ولاية الفقيه أن هذا الخلاف بين حوزتيّ النجف وقمّ، يعني بالضرورة معاداة رجال الدين في العراق لنظرائهم في قمّ، بل إن بعضهم يتأمل من رجال الدين في العراق التدخل لصالحهم ضد نظام ولاية الفقيه!، وهو أمر مستغرب حقاً، فكما قلت أن الخلاف بينهما هو خلاف فقهي بحت، حدوده المناقشات الدينية فقط، وهو خلاف قديم بين الفقهاء الشيعة، فولاية الفقيه لم يبتدعها الخميني من عنده، بل سبقه فقهاء شيعة كثر بالتنظير لمشروع ولاية الفقيه، مثل الشيخ علي الكركي والشيخ مهدي النراقي، وغيرهم الكثير.
كما أن التصدي لنقد مشروع ولاية الفقيه المطلقة قديم أيضاً، وقد تبلور هذا الفكر بشكل واضح في بداية القرن العشرين مع ظهور الحركة الدستورية «المشروطة» التي تنادي بولاية الأمة على نفسها ومطالبتها بدستورٍ يحكم الأمة وليس فقيهاً، وقد نجحت الحركة الدستورية في إقامة دستور وبرلمان منتخب يحد من صلاحيات الملك في نهاية العهد القاجاري في إيران بداية القرن العشرين، وأصبح للحركة الدستورية «المشروطة» مؤيّدين كثر من رجال الدين الشيعة في العراق وإيران.

وقد كتب الشيخ محمد حسين النائيني أطروحة فكرية مهمة عن هذا الموضوع بعنوان «تنبيه الأمة وتنزيه الملة» قال فيها بولاية الأمة على نفسها وأنه لا ولاية مطلقة لِأَحُدّ على الأمة. قد يبدو هذا الخلاف الفقهي – وهو خلاف قديم كما قلت – خلافاً كبيراً ينتج عنه تصادم بين أطرافه المختلفة لكنه ليس كذلك، لأن المشتركات بين رجال الدين في النجف وقم كثيرة جداً، وهناك أهداف ورؤى مشتركة وتخادم فعلي بين الطرفين، لذلك لا يشكل موضوع الخلاف حول حدود الفقيه إلا نقطة خلاف صغيرة، مقابل مصالح وأهداف مشتركة واسعة تربطهما.
سأكتفي بذكر مثالين بسيطين عن هذا التخادم. المثال الأول، في نهاية عام 2019، اعتقلت المخابرات الإيرانية الصحافي الإيراني المعارض «روح الله زمّ» في العراق، عرف عن زمّ نشاطه المعارض الواسع الذي فضح من خلاله نظام ولاية الفقيه، حيث كان زمّ يدير موقع «آمد نيوز» وينشر حالات الإعدام والاعتقالات التي ينفذها الحرس الثوري ضد معارضيه في الداخل الإيراني، أُعدم زمّ بعد اعتقاله بسنة.
لكن بالعودة لملابسات اعتقاله، تبيّن أن مكتب علي السيستاني في النجف، تواطأ مع المخابرات الإيرانية، وقام باستدراج روح الله زمّ من فرنسا إلى العراق، بعد أن وعدوه بدعم مالي يقدمه له مكتب السيستاني، ليساعده على تطوير نشاطه المعارض ضد نظام ولاية الفقيه، لكن هذا كان مجرد فخ نصب لزمّ انتهى باعتقاله من قبل المخابرات الإيرانية.
المثال الثاني، كان التصريح الذي أدلى به جواد الشهرستاني، وكيل علي السيستاني في إيران وصهره، قبل أسابيع، الذي حرض فيه ضد المتظاهرين الإيرانيين ووصفهم بالأوباش والبلطجية والعملاء لعدو خارجي، وهو تصريح يشجع النظام الإيراني على البطش بالمتظاهرين ويألّب الناس ضدهم.
كما هو واضح، هناك خطوط عريضة ومشتركات لا يمكن تجاوزها، وهناك تخادم بينهما (النجف وقم) ظاهره الخلاف والصراع وباطنه التسلط والسيطرة على المجتمع، فلن يسمح رجال الدين في النجف بأضعاف نظام ولاية الفقيه، ولن يسمحوا بأضعاف حلفاء نظام ولاية الفقيه في المنطقة، في العراق ولبنان واليمن، وإن اقتضى الأمر استدراج صحافياً معارضاً أو إصدار تصريح ضدّ الشعب الإيراني المنتفض والتحريض ضده، أو الوقوف ضد الشعوب المنتفضة بوجه مشروع ولاية الفقيه، فموقف مرجعية النجف، كان سلبياً من تظاهرات تشرين/ أكتوبر 2019، في العراق. هناك هدف مشترك هو السيطرة والنفوذ، لكن تحقيقه بأدوار وطرق مختلفة وكليهما يلعب دوره ويحققه بإتقان وكلاهما يساعد الآخر بطريقته.




