النظام الرأسمالي والحروب الدينية!

“المدارنت”
لم تكن مسيرة النظام الرأسمالي مكللة دائما بالورود رغم أنها كانت محملة بالكثير من الوعود المزخرفة البراقة ..فمنذ بدايات القرن العشرين بدأت تتكشف الثغرات فيه وتتفاقم الأزمات على كل المستويات الفكرية والتطبيقية والإنسانية فكانت الحرب العالمية الأولى إحدى ثمرات تلك الأزمات البنيوية التي اصابت ولا تزال النظام الرأسمالي.. بعيد إنتهاء تلك الحرب حدثت أزمة الإقتصاد الشهيرة في سنة 1929. وما تسببت به من إنهيارات وتصدعات وتضخم وبطالة..
وبعدها بسنوات تفجرت الحرب الأوروبية – الأميركية الثانية – والمسماة عالمية- لتسفر عن مقتل عشرات ملايين الأشخاص من عسكريين ومدنيين خلا دمار هائل في كثير من بلاد الحرب..
وبعدها حروب إقليمية كثيرة تفجرت في معظم قارات الأرض تعبيرا عن تلك الأزمة التي تطال بنيان النظام الرأسمالي ليس فقط في مجال التطبيق وإصطدامه بالواقع وإنما في مجال الفكر والمرتكزات العقائدية الليبرالية التي يقوم عليها النظام الرأسمالي الغربي..
ثم تتالت التراجعات البنيوية لتصل إلى جوهر الديمقراطية الرأسمالية التي كانت بمثابة الركن الأهم والأخطر في التسويق لذلك الفكر الليبرالي فضلا عن الجانب الإقتصادي ومن بعده شعار حقوق الإنسان الذي شكل الركيزة الثالثة في التسويق الإعلامي والثقافي للنموذج الليبرالي في الإقتصاد والسياسة:
– الديمقراطية..
– الإقتصاد الحر..
– حقوق الإنسان..
وعلى الرغم من أن النظام الرأسمالي كان يشهد وبإستمرار تراجعا بينا في مجال الممارسة والتطبيق وللأركان الثلاثة لمنهجه ونموذجه في إدارة شؤون الحياة..
وبعد التراجعات الإقتصادية التي أسفرت عن أخطر ظاهرتين في العالم الراهن:
الأولى: إنعدام كل أنواع التوازن الإجتماعي وتكدس ثروات هائلة في أيدي عدد محدود جدا من الأفراد الذين يشكلون عماد النظام الرأسمالي ومؤسساته المالية الحاكمة فوق السياسة والسياسيين..
الثانية: سيطرة المال على مجالات الثراء الأخرى فصارت البنوك والبيوتات المالية هي صاحبة السيادة والقرار فوق مؤسسات الصناعات التنموية الحقيقية..
بعد بروز هاتين الظاهرتين، بدأ التراجع يتسارع في الركنين الباقيين: الديمقراطية وحقوق الإنسان..
ومنذ أواخر القرن العشرين ظهرت بوضوح ازمة الديمقراطية الرأسمالية وإفتقارها للمحتوى الحقيقي الذي يسمح بالمشاركة الشعبية الفعلية في صناعة السياسات وتقرير المصائر وتحديد الخيارات المستقبلية..
بلغ التراجع في الديمقراطية السياسية أن أدخل رجال المال والأعمال لتولي مسؤوليات السياسة وإدارة شؤون الحياة وتوجيهها فأداروها بعقلية الصفقات والربح والخسارة بعيدا عن أية حسابات موضوعية تراعي ظروف الشعوب والأمم وتأخذ في الإعتبار حقوق الآخرين ومتطلبات التعاون الإنساني وضوابطه ومقوماته..
حتى أصبحت قوة المال الرأسمالي أقوى من الدول ذاتها حتى تلك الدول العظمى فصارت هي التي توجه الرأي العام بل تصنعه على مزاج مصالحها وتقود العمليات الإنتخابية في لعبة الديمقراطية الشكلية بما يوصل إلى راس السلطة وقياداتها من تختاره مسبقا وتقحمه في سوق السياسة..
وبلغ التراجع ذروته في العقدين الأخيرين وصولا ما ما تشهده الولايات المتحدة من تصدعات بنيوية داخلية وتراجعات في سلم الاولويات والقيم والمفاهيم حتى وصل الأمر إلى إلغاء المؤسسات الدولية وتفريغها من اية سلطة حتى معنوية وتجاوز تام للقانون الدولي حتى لتلك المؤسسات والقوانين التي أسسها النظام الرأسمالي ذاته لتكون إحدى أدواته في تسويق ذاته والتبشير بمفاهيمه وإعتباراته وتسديد قوته ونفوذه..
أما حقوق الآنسان ذلك الشعار البراق المخادع فيكفي إستعراض نتائج حرب الإبادة والتهجير والتجويع التي يشنها الكيان الصهيوني الإجرامي على شعب فلسطين وشعب لبنان بدعم تام ورعاية كاملة من أرباب النظام الرأسمالي العالمي وقلبه في الولايات المتحدة؛ للدلالة عن خلو ذلك الشعار من أي مضمون وأية مصداقية..
وعلى الرغم من كل تلك الإنهيارات والتصدعات التي توثقها الوقائع الميدانية والإحصائيات الرقمية الرسمية؛ فإن أي تقييم أو إعادة نظر في أسس النظام الرأسمالي لمعرفة مكامن الخلل وتصحيحها؛ لم تحدث أبدا.. وعلى العكس يزداد أرباب النظام إياه شراسة وحقدا وإصرارا على التمادي في سياساتهم التي تقوم على:
– تحصيل أكبر قدر من الرساميل البشرية بأي ثمن.. ما يمكنهم من تكديس المزيد من الثروات في أيدي القلة القليلة من البشر بما يمكنهم من التحكم بمصير العالم ..فيفتعلون الحروب المدمرة لبيع السلاح أولا ووضع اليد على مصائر البلاد المتحاربة وسرقة مقدراتها الطبيعية والإقتصادية وقتل أكبر عدد ممكن من البشر..
ما عدا أصوات كثير من المثقفين الغربيين الذي أدركوا هذا الخلل فتحدثوا عنه وأشاروا إلى أسبابه بالتحليل والتصويب.. وإنتهى الأمر بكثيرين منهم إلى توقع إنهيار ذلك النظام وإنهيار ما يسمى بحضارة الغرب من داخلها حينما تكون قد فقدت كل معيار أخلاقي أو إنساني ..بدءا من كولن ويلسون مؤلف كتاب سقوط الحضارة قبل حوالي مئة عام وصولا إلى إيمانويل تود مرورا بروجيه غارودي وكثيرين غيرهم..
وعلى عكس كل توقعات ومطالبات عشرات المفكرين والمثقفين الغربيين بإعادة النظر في أسس النظام الرأسمالي؛ فإن القوة المالية المتحكمة بهذا النظام؛ تلجأ وبشكل مستمر إلى إنتهاج سياسات ماكرة وأساليب مخادعة للإلتفاف على أزماتها بل وإعادة تجديد شباب ذلك النظام وإبقاء سيطرته وتحكمه وإطالة أمدها إلى أكبر عمر ممكن وبأي ثمن حتى ولو كان التضحية بملايين البشر من خلال الحروب والصراعات العسكرية المسلحة..
كان ظهور النظام الشيوعي في أوائل القرن العشرين؛ المادة الأساسية والأهم التي إستخدمتها الرأسمالية للدفاع عن ذاتها وتبرير سياساتها وإخفاء جرائمها بحجة مواجهة الخطر الشيوعي الذي لا يعترف بحقوق الإنسان ولا بالديمقراطية.. وقد نجح النظام الرأسمالي في الإختباء وراء خطر إنتشار الشيوعية وفي ترويع الإنسان الغربي من إحتمال سيطرة النظام الشيوعي الشمولي الدكتاتوري إلى بلاده..فكان هذا النهج وسيلة كافية وناجحة أخفت عيوب النظام الرأسمالي وسلبياته الكثيرة وأخطاره المحدقة على مستقبل البشرية ؛ الأمر الذي أطال عمره وسمح له بالتمدد وغزو العقول وصناعة الرأي العام وتشويه الوعي من خلال العولمة الرأسمالية وثقافتها ومضامينها الفردية المادية الإستهلاكية..
وحينما إنهار النظام الشيوعي وجدت الرأسمالية فرصتها في إدعاء تفوقها الكاسح وفرادتها كمنهج حياتي إنساني أوحد حتى بلغ الأمر ببعض منظريها القول بأنها نهاية التاريخ فلا منازع ولا بديل بل وسيطرة النموذج الرأسمالي إلى الأبد..
وما هي إلا مدة زمنية قصيرة حتى عادت الرأسمالية تواجه مشكلات مجتمعاتها الوطنية والقومية وما فيها من غياب العدالة وشيوع الفساد في المؤسسات وحتى أعلى الرؤوس وتعمق الفوراق الإجتماعية وتراجع النمو وزيادة التضخم والبطالة وغير ذلك كثير.. فكان أن لجأت تلك الرأسمالية المتوحشة المفترسة إلى صناعة عدو خارجي – داخلي على مقاس مصالحها فكان “الإسلام”؛ ذاك العدو الذي يشكل تهديدا وجوديا لحضارة الغرب ومكتسبات الإنسان الغربي ورفاهية معيشته..وكان هدفها الأساس صرف إهتمام المواطن الغربي عن مشكلاته الحياتية الواقعية ؛ بإصطناع مشكلات وهمية وتحويلها إلى رعب مقيم بعد أن يتم تزويدها بما يلزم من بشر وأحداث وإمكانيات لتصبح واقعا ملموسا ثم تضخيم أثرها لترويع الناس منها فتكف عن التفكير فيما يعرقل حياتها أو يستغلها..
ومنذ أواسط سبعينات القرن العشرين كانت الرأسمالية قد أدركت تماما فعالية المشاعر الدينية في توجيه إهتمامات الناس وتحديد إنحيازاتهم.. فكان أن تركزت إستراتيجية عملها في إطالة عمر نظامها السياسي والإقتصادي؛ بإستخدام المشاعر الدينية وتوظيفها لتحقيق هدفها الإستراتيجي ذاته: صرف إهتمام الناس بمشكلات حياتهم إلى مواجهة خطر وجودي داهم يتطلب الإلتفاف حول النظام والإحتماء به دفاعا عن الوجود المهدد..
لهذا راحت تشجع الدعوات الدينية وترعى أدواتها وتسهل لها عملها وتفتح لها أبواب السياسة والنفوذ الإجتماعي في كل بلاد العالم وحيثما تتواجد مجموعات دينية أو تنوع ديني طائفي أو مذهبي..
إن التصور الرأسمالي للمشاعر الدينية يقوم على ما يلي:
1 – إن الإنتماء الديني يتقدم على الإنتماء الوطني أو القومي..فالدين حاجة جوهرية في نفوس البشر تسبق أية هوية أخرى وتتفوق عليها..
2 – إن تاريخ الصراعات الدينية: الطائفية والمذهبية؛ حافل بالحروب والمنازعات.. لذا يمكن الإستفادة منها وإحياؤها ومن ثم توظيفها..
3 – جميع المجتمعات البشرية متنوعة دينيا.. ولا يوجد مجتمع إنساني واحد متجانس تماما من الناحية الدينية..
4 – إن الشعور الديني يسمو فوق الإعتبارات الدينية وصولا إلى الله رب الكون والبشر..وهذا يعني إستعداد البشر للتخلي عن الدنيا لصالح الإنتماء إلى الخالق..
5 – تفرع الهويات الدينية إلى هويات أدنى مذهبية على ما فيها من إختلافات يمكن إستغلالها والإستفادة منها لمزيد من الهيمنة والتحكم..
وإنطلاقا من كل هذا كانت إستراتيجية النظام الرأسمالي العالمي بإعتماد الحروب الدينية وسيلة أساسية وطويلة الأمد لتحقيق ثالوث أهدافه الإستعمارية:
1- إطالة عمره لأبعد أمد ممكن..
2 – إبقاء هيمنته على الشعوب والأمم بتقسيم مجتمعاتها وإشغالها بالعصبيات الدينية..
3 – نهب مواد بلاد العالم ومقدراتها الطبيعية..
ولتحقيق هذا كانت حاجته إلى تنظيمات دينية متطرفة تمارس أعمالا إرهابية بشعارات دينية ؛ لإثبات وجود الخطر الديني وضرورة الإجتماع لمواجهته..
ثم الحاجة إلى أنظمة دينية شمولية ترعى المشاعر الدينية وتتولى وظيفتين أساسيتين في منتهى الخطورة:
الأولى : تحويل الشعور الديني إلى عصبية طائفية أو مذهبية..حتى تكون سببا في الإنقسام على أساس مذهبي..فالعصبية المذهبية تهبط بالإيمان الديني إلى مستوى التقوقع الذي يمتلك خاصية الإنعزال وخاصية النفور من الآخر بما يسهم في تأسيس مقومات الإنقسام ثم الصراع والتناحر..
الثانية: رعاية الأدوات الدينية الطائفية والمذهبية ومدها بأسباب البقاء والقوة والتمدد..
وهكذا وجد النظام الرأسمالي نفسه في حاجة إلى تشجيع قيام أنظمة حكم دينية في بقاع متعددة من العالم..أنظمة دينية شمولية تؤدي دورها في رعاية العصبيات الدينية حتى وإن حملت شعارات معادية له أو كانت في حالة خلاف أو تنافس أو صراع معه أو مع أحد من أدواته..
وتمثل هذا النهج الرأسمالي في تفجير الحروب الدينية في يوغوسلافيا مما أدى إلى تقسيمها وإقامة كيانات دينية – مذهبية يقدر على توظيفها وإعادة تفجيرها حين الحاجة..
ثم في تسهيل أو غض النظر – في أحسن الأحوال – عن قيام الجمهورية الإسلامية في إيران ثم تصعيد تيار ديني مذهبي للوصول إلى حكم تركيا..
ولهذا أسس تنظيم القاعدة وإستخدمها في حرب دينية.ثم داعش التي يوظفها لتفجير المجتمعات المشرقية العربية وإتخاذها ذريعة للتدخل ومبررا للتخويف والترويع والسكوت..
إن تقسيم العراق قام ويقوم على أساس من تلك العصبيات المذهبية المحمية بالنفوذين الأميركي والإيراني..
كذلك الحال في لبنان واليمن والسودان الذي تطحنه الحرب الداخلية ذات الخلفيات الدينية والطائفية والعرقية..
ثم تقوم محاور سياسية وتحالفات أمنية على أسس مذهبية..ليدخل الجميع في حروب لا تنتهي ولا إنتصار لأحد فيها بل نوع من التدمير الذاتي المدفوع بالغرائز والعصبيات..
وإنطلاقا من هذا أيضا كانت رعاية النظام الرأسمالي في دول الغرب ذاته لما يسمى باليمين المتطرف الذي هو خلاصة العصبيات الدينية المتقوقعة المعادية للآخر على خلفيات دينية فتوجه كل خطابها السياسي على العداء للمهاجر “المسلم”..
ولما كان الوطن العربي يشكل المطمع الأول والأهم لقوى النظام الرأسمالي العالمي؛ ولما كان الإسلام الدين الحيوي الذي ينتشر وتنشر جالياته في كل دول العالم؛ وكان هو المكون الأساس للحضارة العربية والوجود القومي للأمة؛ كان ولا يزال التركيز الرأسمالي – الإستعماري على التنظيمات والحركات والمؤسسات التي تحمل خطابا دينيا إسلاميا لرعايتها شرط أن يتحقق فيها هدفان:
الأول: تفريغ الدين من المضمون الإيجابي التحرري التوحيدي الجامع كقوة دفع ضد الظلم والقهر والفساد..
الثاني: التركيز على الشكل الديني والمظاهر الدينية التعبدية وإتخاذها معيارا لتقييم البشر وتحديد العلاقة بهم..
آن خطورة النهج الديني بهذا التصور تتمثل في تخطيه للإنتماءات الوطنية والقومية وما تستوجبه من إهتمام بمشكلات المجتمعات الواقعية ومن ثم إتخاذ الإنتماء الديني معيارا لتحديد المواقف وإتخاذ الإجراءات بديلا عن المواقف المبنية على أسس موضوعية حياتية يشترك فيها كل الناس من ديانات مختلفة..الأمر الذي توظفه الرأسمالية لإطالة عمر نظام وإبقاء هيمنتها على الآخرين بزجهم في الصراعات الدينية..
إن الحروب الدينية هي الإبتكار الأخطر للنظام الرأسمالي ليطيل أمد هيمنته على العالم وإبعاد الناس عن معرفة مشكلات حياتهم الواقعية والإهتمام بها والتصدي لمعالجة أسبابها : وهي المعرفة التي تضعهم في مواجهة مباشرة مع هذا النظام المفترس المتوحش وأدواته المحلية..



