مقالات

الهوية السودانية بين الغابة والصحراء “2 ـ 3”

د. علي ابراهيم*/ السودان

//خاص المدارنت//… عند دخول الإسلام إلى مصر في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، تحالفت واتحدت مملكة المقرة (السودانية) المسيحية مع البيزنطيين ضدّ المسلمين فى عداء سافر، وشكلت خطرًا داهمًا ومهدداً مباشرًا للولاية الوليدة. وحينها، طلب الخليفة من عمرو بن العاص وإلي مصر القضاء على تلك المملكة، ووقف خطرها الماثل قبل أن يستفحل.

في بداية عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، تولّى عبد الله بن أبي السرح ولاية مصر، وجعل من أولوياته التوجّه جنوبا من أجل قلع شوكة الدولة النوبية، وحاصر عاصمتها دنقلا حتى استسلمت. ووقع مع ملكها قليدروس إتفاقية (البقط) الشهيرة، التي ضمنت أمناً وأماناً للمملكة عام 28 هجرية -652 ميلادية. وأسّست لهدنة بين الطرفين، وكوفيت مصر شرّ هجمات مملكة النوبة والدولة البيزنطية، وسمحت للعرب التوغل جنوبا إلى أعماق السودان، حاملين معهم تباشير الدين الجديد وقيمه السمحة، في المساواة والعدالة والتكافل والإخاء. ودخل الناس فيه  أفراداً وجماعات، وفي خلال فترة وجيزة، غطّى مناطق واسعة من أرض السودان المتعارف عليه الآن. وتعتبر اتفاقية (البقط)، من أطول المعاهدات في التاريخ، حيث استمرت حوالي 700 عاماً.

بعد ظهور الإسلام في جزيرة العرب، فتحت مسالك وطرق هجرة أخرى نحو السودان، من الشرق عبر البحر الأحمر، ومن الغرب من بلاد شنقيط، والمغرب العربي عموماً، ومن الغرب الإفريقي أيضا، حيث اعتنقت ممالك إفريقية في مالي والنيجر ونيجيريا الإسلام،  وأصبح السودان المعبر الوحيد الى تلك الممالك، والواصل إلى الأراضي المقدسة. وكانت الرحلة إلى بيت الله الحرام تستغرق في ذاك الزمان أكثر من عام.

وكان عدد من الحجيج، يطيب لهم المقام في أرض السودان الواسعة المعطاءة، فيستقرون فيها ويتزوجون من القبائل المحلية، شأنهم في ذلك، شأن العرب القادمين من الجزيرة العربية والمغرب العربي.

وهكذا، تشكلت خارطة اجتماعية وثقافية، تحمل في طيّاتها موروثات وعادات وتقاليد وقيم محلية ودخيلة، تعانقت وتمازجت وتصاحبت، في مسيرة من الإلفة والتوافق والإنسجام عبر مئات السنين.

داخل هذا النسيج الإجتماعي البديع، ظلت بعض القبائل تحمل جينات الدم العربي الخالص، وأخرى الزنجي، ولكن الغالب، هو هجين بين هذه وتلك. ولا أحد يستطيع أن يجزم بالدليل القاطع النسب الأكيدة، وكل ما يكتب أو يقال عن ذلك يبقى حتى هذه اللحظة مجرّد تخمينات وتوقعات، يطبعها الغرض وتدفعها العاطفة، ويدمغها الخيال أحيانا، ولا تستند الى أرضية علمية أو دراسات إحصائية من لدن جهة متخصّصة.

كانت معظم هذا القبائل القديمة والمتخلقة من التصاهر الجديد، تعيش جميعها حياة بدائية في تجمعات سكنية شبه منعزلة عن بعضها البعض، لوعورة الطرق، وإنعدام سبل الإتصال والمواصلات، وكانت غارقة في أمّية تكاد تكون عامة، إلا من قلّة تلقوا تعليم ديني بسيط في خليات القرآن الكريم المنتشرة في بعض المناطق.

كان هذا هو واقع الحال، حتى قدوم الإستعمار البريطاني في عام 1899، والذي لم يقدم إضافة ذات بال، غير تعليم بسيط في المرحلة الابتدائية والمتوسطة الى أبناء المركز، للمساعدة في أداء مهام محددة في السلك الوظيفى المدني، في تجاهل متعمد لأبناء الريف والأطراف.

بعد استقلال السودان في عام 1956، لم تستغل الأحزاب الوطنية هذا الثراء والتنوع الثقافي كما يجب، لكي تجعل منه قوة محرّكة لمستقبل البلاد، وتقوده إلى آفاق سامية في الخلق والإبداع والتنمية البشرية وتطوير الذات، وإبتكار نمط جديد في العملية الإقتصادية والإنمائية، كما فعلت كثير من الأمم، ذات الظروف المشابهة في الشكل والمضمون والبيئة.

كانت جميعها فاقدة لأيّ مشروع نهضوي، يقدم النموذج والحلّ لقضايا البلاد الشائكة، ومعضلات ما بعد تحقيق الاستقلال، التي بدأت تلوح في الأفق، وكان نذيرها تمرّد جنود إحدى قواعد جنوب السودان العسكرية في عام 1955.

وسارت السلطة على نفس نهج المستعمر، في التركيز على التعليم والخدمات في الحضر على حساب الريف، وأغفلت تنمية الأطراف، وخلقت تمايزاً بيناً لا تخطئه العين بين المركز والأطراف، وأصبح جنوب السودان على وجه الخصوص، يعيش في عصر القرون الوسطى، ومواطنيه في الدرجة الثانية، لجهة إدارة شؤون البلاد وتقاسم السلطة والثروة، وعلت صيحات التحذير والإنذار من هنا وهناك لشرّ قادم لا محالة، وكانت أذان الحكام صمّاء لا تسمع، وعقولهم مشوّشة وغارقة في الصراعات السياسية الضيقة، الأمر الذي خلق الأرضية الموضوعية والمسبّبة لمواطني جنوب السودان، في المطالبة بأخذ حقوقهم السياسية المشروعة في المشاركة المتساوية، في وطن هم جزء أصيل منه، وتبعهم في مرحلة لاحقة، مواطنو دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق.

كل الأنظمة التي مرت على حكم السودان بعد الإستقلال، كانت تتعامل مع قضية السلطة والثروة، بسطحية واستخفاف وتهاون مذهل، وبلا وعي عميق لبعض المسالك الخطرة، كمحاولة نظام الفريق (ابراهيم) عبود فرض العروبة والإسلام في جنوب السودان بالقوة، ونقض المشير (الرئيس) جعفر نميري لاتفاقية الحكم الذاتي لجنوب السودان عام 1983. ولكن الأسوأ على الإطلاق، كان نظام الإنقاذ بقيادة (حسن) الترابى _ (عمر) البشير، الذي جاء بمشروع تدميري لكل السودان، قضى على كل الموروث الشعبي والإجتماعي الخيّر، وهتك النسيج الاجتماعي بأفعال وسلوك غريبين، وأقوال ومقولات لا تتّسق والمزاج العام السوداني، وأنشأ وزارة لهذا الغرض، وجعل على رأسها الرجل الثاني فى النظام الظلامي، وهو على عثمان محمد طه.

عبر هذا المشروع الخرِب والمخرّب والمُسمى بـ(المشروع الحضاري)، شُنّت حرب دينية جهادية على جنوب السودان، أدت في النهاية إلى فصله تماما عن الوطن الأم .وبثت روح الكراهية والحقد والفتن بين قبائل السودان المختلفة، وخصوصاً، ذات الأصول الزنجية والعربية، وطفت على السطح النعرات العنصرية بصورة غير مسبوقة. وأصبحت القبلية والجهوية هي العنوان المرادف لإسم السوداني، وتراجع البعض إلى القبيلة ليحتمي بها على سبيل رفع الشأن، ومنهم من نسَب أصله إلى العباس بن عبد المطلب، ومنهم من نسبه إلى جعفر بن أبى طالب، ومنهم من ادّعى الشرف، وتوجه بنسبِه إلى الرسول صلّ الله عليه وسلم.

وبعضهم أوصل نسبه إلى قبائل لم نسمع بها إلاّ فى الجاهلية. وفى المقابل، ادعت أصوات أخرى أن بلالاً مؤذن الرسول صلّ الله عليه وسلم كان سودانيًا، وأن عنتر بن شداد أيضا كان سودانيًا، من خلال وصفه لأمه شعراً، بأنها كانت ذات سيقان نحيفة وأرداف ضامرة، وهو وصف يجري على السودانية ولا يشبه الحبشية.

وأن هجرة الصحابة كانت الى أرض السودان، نتيجة لوصف الصحابة للأرض التي هاجروا إليها، لما لها من إنبساط وسعة، وأن جعفر بن أبي طالب سبح النهر وشارك النجاشي في الحرب، وكل هذا يقرب الوصف إلى أرض السودان الحالية، ويبعده عن أثيوبيا الحالية، لما لها من هضاب عالية، ومجرى نهر يصعب عبوره بالسباحة، ويقال أن المنطقة الغالبة هي مملكة سوبا جنوب الخرطوم، علماً بأن السودان والحبشة، كانتا في ذاك الزمان أرضاً واحدة.

فى هذا الجوّ المشبع بروح الجهوية، والمشحون بروح القبلية، نجد من يدّعي أن فرعون موسى كان سودانياً، وأن سيدنا موسى التقى الرجل الصالح (الخضر) عند ملتقى النيلين في الخرطوم.

وكتبت بعض الصحف السودانية، أن بنيامين نتنياهو هو سوداني، مولود في نوري شمال السودان، ويتحدث العربية، لغة قبيلة الشايقية المُميزة.

*ناشط سياسي                                             

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى