مقالات

الهوية السودانية بين الغابة والصحراء “3 ـ 3”

د. علي ابراهيم*/ السودان

//خاص المدارنت//… عرج مشروع جبهة الترابي – البشير إلى مدارات أخرى فى دارفور، وخرج من عباءته القيادي داوو بولاد، وتمرّد في بداية التسعينات مطالبآ بحقوق دار فور في الثروة والسلطة، وتبعه القيادى الآخر في الجبهة الإسلامية دكتور خليل إبراهيم على نفس النهج والطريق، والذي نظر له فيما سمي بـ(الكتاب الأسود) عام 1999، والذي أثار ضجة لا زالت تتفاعل حتى الآن، لأنه طرح المسكوت عنه بأسلوب غلب عليه الغطاء العنصري. ويقال ان الترابي كان يقف خلف ذاك الكتاب. ومن رحم نظام الإنقاذ خرجت حركة العدل والمساواة، التي أصبحت جزءآ من المعادلة السياسية الحالية.

الإحساس بالظلم والغبن والقهر والإستبداد والتهميش، جعل النخبة المتعلمة تطرق باب السياسة والشأن العام، في محاولة لرد الظلم والمظالم، وأخذ حقوقهم عنوة وإقتدارآ.

ثم كان البحث عن تعريف يجد مخرجاً وتوصيفآ للحالة السودانية، ويبث روحا جديدة للهوية السودانية، فكانت مساهمات بعض الكتاب والمفكرين السودانيين مميزة، كأبي القاسم حاج حمد وحيدر إبراهيم والراحل جون قرنق، الذين توصلوا إلى تعريف الحالة بـ(السودانوية). أي المواطنة السودانية.

وقد ضمنت بطريقة غير مباشرة في مقررات مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية عام 1995، الذي ضمّ كل الأحزاب السياسية آنذاك، بما فيها الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة قرنق، والتي كانت بصماتها واضحة في المقررات.

وأضحى مصطلح المواطنة السودانية أمراً متفقاً عليه الآن، من مكونات العمل السياسي على مختلف مشاربها.

إن المواقف السلبية والردة والتراجع والإنقلاب على الإنتماء القومي العربي، المتعارف عليه طوال الحقب السالفة، والذي طفى على السطح فى السنوات الأخيرة لدى بعض السودانيين، بخاصة المثقفين  منهم، وأصبح صوتاً مسموعاً لا يمكن تجاهله، هو نتاج لعوامل عديدة، بعضها داخلي، كسيطرة النخب المحسوبة على العنصر العربي على مجاميع السلطة والثروة في البلاد، يضاف إليها الحروب التي شنتها الدولة المركزية، على أساس ديني وعنصري وقبلي، وما خلفته من قتل وتهجير وتشريد ومعاناة إنسانية.

هذه كلها أمور يمكن أن تعالج في ظل سلطة شعبية ديموقراطية، ذات مشروع ورؤية يشترك فيها كل مكونات المجتمع المدنية والسياسية، وبصفة خاصة مواطني المناطق المتضررة من الحروب والتهميش.

كما توجد عوامل أخرى تتعلق بالعرب أنفسهم، تتلخص في حالة حالة التمزق والخلافات العربية ـ العربية، والفجور في الخصومة، وتقديم مئات المليارات من الدولارات الى أعداء الأمة، من أجل كسب الود، ودعم عروشهم المهتزة، بينما دول عديدة في الأمة في فقر مدقع ولا تحظى بإلتفاتة منهم. وبعضهم تأمروا على ثورات الربيع العربي، وقضوا عليها وحولوا دولها إلى ساحات حرب تصفى فيها وعليها المشاريع الدولية، ولا يزال التآمر يسير على قدم وساق. مما جعل أمة العرب خارج المعادلة الدولية، يضاف إلى ذلك الهرولة العلنية والخفية نحو العدو الصهيوني، مما خلق حالة من الإحباط والهوان والإنكسار للنفس العربية الأبية.

ثم يأتي  الدور السلبي  والضعيف للجامعة العربية، المتمثل في عجزها عن التفاعل المطلوب مع قضايا الأمة، ولا يرى لها فعلا، غير صوت مبحوح يعبر عن الإدانة والإستنكار والشجب والقلق لا أكثر.

 توجد مطالبة من بعض الناشطين السودانيين بانسحاب السودان من الجامعة العربية. وحالة العرب وجامعتهم هي حالة عرضية طارئة، مرتبطة بالواقع المزري، وقاصرة على هذه المرحلة التى فيها الشعوب غائبة ومغيبة وطبيعة الأشياء تقول ان الشعوب ستنهض طال الزمن أو قصر، وستعود إلى جوهرها وملامحها، وتملك زمام نفسها، هذا هو الدرس المستفاد من تجربة الشعوب في الأزمان السالفة والمعاصرة.

أما نظرة العرب النمطية الى السودان والسودانيين، والتفاعل السلبي مع قضاياه السياسية والإنمائية ليست ذات قيمة، و(ما حكّ جلدك مثل ظفرك). والسودان قادر على أن يقف على قدميه كما ورد آنفاً، مستغلآ موقعه الجغرافي  وثقله السكاني وموارده الاقتصادية الهائلة المتنوعة، ومصادر المياه الجوفية والجارية.

الحالة السودانية لا تختلف كثيراً عما يجري في معظم الدول العربية الأخرى، كمصر والعراق والجزائر والمغرب وتونس ولبنان وسوريا وموريتانيا، فشعوب هذه الدول خليط وهجين من قبائل عربية وغير عربية، من روم وفراعنة وأقباط ويونان وفينيقيين وأتراك وزنوج وشركس وأمازيغ.

وبمثل ما فعل الإستعمار البريطاني في السودان، قام رديفه الفرنسي بنفس الدور، في طمس الهوية الإسلامية والعربية في المشرق والمغرب العربيين،  والتخلص من اللغة العربية، والدعوة الى تفتيت الأمة، وإخراجها عن دورها في الدفع الإيجابي الكوني، والتى وجدت صدى لها في بعض النفوس الطامحة في علاقة وهمية مع الغرب، كمحاولة الشاعر (اللبناني) سعيد عقل في كتابة (ما يعتبره اللغة) اللبنانية بالحروف اللاتينية. وبذل المستشرقون جهوداً جبارة في (فرسنة) الجزائر والمغرب وتونس، وتطورت وبرزت بوضوح فيما بات يعرف بـ(مسألتي  البربر والأكراد).

السؤال الملح :هل الجنوح إلى مخارج وطنية وقطرية ضيقة يمكن أن يقود إلى الإنفصال عن الإنتماء القومي العربي؟.. الإجابة كلاّ ثم كلاّ، فالإنتماء القومي ليس بالعرق ولا باللون، وإنما هو انتماء ثقافي في المقامين الأول والأخير.

وهو حركة تملك الروح والجسد، تتنفس برئة وتحسّ بأعصاب وتنبض بالنشاط والحيوية حيناً، وتخبو أحياناً، نتيجة لعوامل داخلها وأخرى محيطة بها، وفي كل الحالات حاملة لعناصرها ومكوناتها المادية والمعنوية والعلمية والثقافية والأدبية والدينية والإنسانية والإجتماعية، تلقى بها بذور خير ونماء، أينما حطّت رحالها ظهر على البسيطة .

وكم من العلماء والدعاة والأدباء والشعراء والمفكرين من أصول غير عربية، كانوا نتاج هذا الزرع المبارك، وأذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر سيبويه، إبن سينا، إبن جنى، إبن الرشد،  الفارابي، الزمخشري، أبا بكر الرازي، الحسن إبن الهيثم، الإمام البخاري، الإمام مسلم، الغزالي، الخوارزمي، إبن بطولة، الجاحظ، الكندي، أبا العلا المعرى، جابر بن حيان، إبن المقفع، إبن الرومي، صلاح الدين الأيوبي، طارق بن زياد وأمير الشعراء أحمد شوقي.

وأختم، إن الهوية السودانية بخصوصيّتها التي لا جدال حولها ولا خلاف عليها، هي ذات جذور ثقافية وفكرية عربية، تقودها بالضرورة إلى الإنتماء القومي العربي، ولا يمكن أن تنفصل عنه، وهذا هو قدرها المشرف والمشرق، لأمة صاحبة رسالة عالمية واعدة.

وكل أسباب الفرقة والتوجّس سطحية وفوقية، لكن في العمق يوجد ما يجمع بيننا كأمة واحدة، وهو الثابت والدائم. . وسيذهب الزبد هباءًا، ويبقى ما ينفع الناس.

*ناشط سياسي                            

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى