مقالات

وطني لبنان.. طارد للكفاءات!

د. بلال رامز بكري/ البرازيل

خاص “المدارنت”..

بعد غربة كانت تفصلها عن إتمام عامها العشرين بضعة شهور، كان قرار العودة إلى ربوع الوطن حاسمًا ونهائيًا في العام 2017. حملنا معنا كل ما استطعنا من غربتنا الطويلة، وكان أهم ما حملنا شوقنا الى الوطن وحبّنا له، مع خبرة حياتية وعلم أكاديمي في مجال الطبّ وثقافة عامة، أنفقنا زهرة شبابنا في تحصيلها جميعًا، وأكرمنا الله بها إكرامًا عظيمًا، فله الحمد والمنّة ما حيينا.

وكنتُ قبل اتخاذ قرار العودة النهائي، قد تواصلتُ مع أشخاص في مجال اختصاصي الطبّي في الوطن عبر وسطاء، وكانوا جميعهم قد وعدوا بالمساعدة وتسهيل الأمور، ولكنهم قالوا لي: عليك أوّلًا أن تنجح في امتحان الكولوكيوم لتعديل شهادتك، لكي يُعْترَفَ بك طبيبًا في لبنان. كان موعد امتحان الكولوكيوم في اواسط تموز، وكنت قد عدت إلى الوطن في بداية شهر نيسان، أي أنني كنت أمتلك ثلاثة شهور ونصف الشهر للتحضير لامتحان الكولوكيوم. وقد فرّغتُ نفسي لهذا الأمر كليًّا، وراجعتُ امتحانات الكولوكيوم لآخر عشر سنوات، ودرستُ موادّها جيّدًا.

وكنتُ أقضي أوقات الفراغ في المطالعة المكثّفة باللغة العربية، في شتّى المجالات من تاريخ وأدب وشعر وفكر وفلسفة وسياسة وروايات. لم يكن سهلًا خوض الكولوكيوم، فالضغط الذي كان على كاهلي، كان يجعل ذلك الإمتحان عسيراً، مهما كان الإستعداد له ممتازًا. كان بالنسبة لي امتحانا مصيريا، وقد تعاملتُ معه على هذا الأساس.

وفي يوم الإمتحان، حصل معي أمر طريفٌ، فقد عرفتُ زميلا في المهنة والامتحان، كنت قد رأيته لمرة واحدة قبل هذا اليوم بعشرين عاماً. هذا الشخص طبيب مغترب في الولايات المتحدة الاميركية، وهو الشقيق الأكبر لأحد أصدقاء الدراسة في التسعينيات في لبنان، والذي هاجر بدوره إلى كندا بعدي بسنتين، حيث لا يزال الى يومنا هذا، حيث درس طبّ الأسنان، مهنته الحالية التي يعتاش منها.

صُعِقَ شقيق صديقي حين بادرته بالسلام: “أنت فلان الفلاني، شقيق صديق الدراسة، لا ازال أذكرك، فأذكر أنني رأيتك في العام 1997 أمام متوسطة سعدنايل الرسمية، حين كنا أنا وشقيقك نخوض البريفيه، الامتحان للشهادة المتوسطة”.

بعد هذا اللقاء المفاجئ، ترافقنا أنا وشقيق صديقي، وقد تكرّم عليّ بإيصالي الى المنزل بعد انتهاء الامتحان، اذ يقع منزلنا في شتورة.

على الطريق بين الحدث (حيث مبنى الجامعة اللبنانية التي أجري فيها الكولوكيوم) وبرالياس بلدة صديقي. على البوابة الرئيسية لمبنى الإمتحان، وضعت اللجنة الفاحصة للكولوكيوم لائحة الناجحين في تلك الدورة، بعد ساعة أو ساعتين من انتهاء الامتحان.

وكنا أنا وشقيق صديقي ننتظرها على أحرّ من الجمر، وقد تنفسنا الصعداء بعد أن وجدنا إسمَيْنا على تلك اللائحة الميمونة. لم تطل إقامتي بعد الفراغ من امتحان الكولوكيوم إلا لحوالي ثلاثة أسابيع، فقد اتخذت القرار الحاسم بالعودة الى غربتي في البرازيل، بعد أسبوعين من نجاحي في ذلك الإمتحان العسير. وقد كان هذا القرار ضرورياً، بعد أن تنصلّ اولئك الذين وعدونا بالمنّ والسلوى من وعودهم. فبعد النجاح في الكولوكيوم، تبخّرت كل الوعود بالمساعدة في الدخول الى ميدان العمل.

وطرقنا أبوابا اخرى، لكن من دون جدوى أيضا. وقد استفدتُ من تلك الشهور الاربعة التي قضيتها في لبنان، بأن طالعت قرابة ستين كتابا دسما، من بينها مقدمة إبن خلدون. وعدتُ إلى البرازيل في شهر آب من العام 2017، عازمًا ألّا أعود، ومتيقنًا أن وطني لبنان طارد للكفاءات، ومرحّبٌ بالفاشلين والتافهين. ويسألونك لماذا هناك ثورة؟ أعتقد أن هذا السبب لوحده كافٍ!

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى