مقالات

انتخابات تونس.. قفزة في المجهول.. عندما يرتد السلاح إلى الخلف؟!

خاص “المدارنت”.

      عبد الرحيم التوراني/ المغرب

كتب عبد الرحيم التوراني… شكلت نتائج الانتخابات الرئاسية في تونس التي جرت الأحد 15 سبتمبر الجاري، صدمة كبرى لكثير من المتتبعين داخل تونس قبل غيرها، وقد وصفها أحد الكتاب بـ”الكارثة”، إذ لم يتردد الأديب حسّونة المصباحي في وصف ما حدث بعنوان فاضح: “تونس على حافة الهاوية”.

أما جريدة “لوموند الفرنسية”، فعنونت إحدى مقالاتها بـ”انتفاضة انتخابية” في تونس. فكيف بإمكان انتفاضة شعب أن ترفع بيارق سوداء ضدّ رايتها من أجل الحرية والعدالة والديموقراطية.

فإذا كان وصف ما حدث بـ”التصويت العقابي”، فلا بد هنا أن نتساءل مَن يُعاقب مَن؟ واضح أن من سيكتوي بالعقاب قبل الطبقة السياسية هو الشعب نفسه.

ولنبدأ بالسيّد نبيل القروي (56 سنة)، الذي حاز على المرتبة الثانية، وهو معروف لدى التونسيين، ويجسّد نموذجا مختلفا عن خصمه الأستاذ قيس سعيد. فهو رجل أعمال، ومن صلب “السِّيسْتام”، أيّ “المخزن” وفق التعبير المغربي. لا يجد خصومه أيّ جهد ليرمونه بشتيمة “عديم الضمير”. ومن فضائحه علاقته غير الشرعية بعارضة الأزياء المغربية كوثر بودراجة، والتي حوّلها إلى أشهر مذيعات قناة “نسمة”، قبل أن يتخذها في السرّ عشيقة، مما نتج عنه حمل وإبن لم يعترف به، فضيحة تكلمت عنها المواقع والمجالس، وقد تقول المحاكم كلمتها في القضية.

ومما قاله عنه الكاتب والإعلامي المرشح الصافي سعيد ساخرا في حوار تلفزيوني: “كيف بمسلسل وسطلين طماطم يريد أن يحكم تونس؟!”، في إشارة إلى قناة “نسمة” التي يملكها القروي وإلى صَدَقاته على المعوزين.

لكن المتتبعين المحايدين، يشهدون للقروي بأنه قام بحملة منظمة ومدروسة وفق خطة عمل منهجية، على الطريقة الأميركية، ومنها خروج زوجته السيدة سلمى السماوي وظهورها من أجل دعمه، أمام الجمهور والإعلام.

كان القروي من أنصار الدكتاتور المخلوع الجنرال زين العابدين بن علي، وتحت رعايته أطلق قناة تلفزيونية تحت اسم “نسمة” عام (2007)، لكنه بسرعة غيّر الخط التحريري للقناة بعد ثورة الياسمين، لتسير في ركاب حزب “نداء تونس” ومؤسسه الباجي قايد السبسي. وهو الحزب الذي جاء لمواجهة المدّ الإسلامي في تونس، ممثلا في حركة النهضة.

وبعد مقتل ابن نبيل القروي (2016)، وهو في العشرين من عمره، إثر حادثة سير في تونس، عمد رجل الأعمال إلى دفن حزنه الشديد على ولده (خليل) في أعمال الصدقة والإحسان. وما شرحته زوجته سلمي السماوي، بأن زوجها يسعى إلى الحصول على بعض العزاء النفسي، من خلال هداياه إلى الفقراء في العمق التونسي، داخل القرى والمناطق التي أهملتها سياسات التنمية الرسمية. وهو ما كان يحرص القروي على توثيقه وبثّه عبر قناته “نسمة”، مما أكسبه شعبية كبيرة لدى الطبقات الاجتماعية الدنيا.

ثم بدأ يتبيّن طموحه الى تحويل هذا التعاطف إلى ربح سياسي، وكان الهدف هو الترشح لرئاسة البلاد. مما بثّ الرعب في نفس رئيس الحكومة يوسف الشاهد، فأوصد الباب في وجه منافسه الخطير، وذلك بتعديل القانون الانتخابي، لكن وفاة الرئيس قايد السبسي حالت دون القيام بذلك التعديل.

لم يجد يوسف الشاهد غير القضاء، بعدما ورد اسم نبيل القروي في تقرير لمنظمة تعد الفرع التونسي لمنظمة “ترانسبارنسي”، الرائدة في مكافحة الفساد في أنحاء العالم. وهي اتهامات بالتملّص الضريبي وغسل الأموال، ليتم توقيف نبيل القروي وإيداعه سجن “المرناقية” في ضواحي العاصمة.

أما المرشح الفائز بأكبر الأصوات في الدور الأول، الأستاذ الجامعي المتقاعد، قيس سعيد (61 عاما)، فهو أيضا معروف لدى عامة الناس، وذلك من خلال ظهوره المتكرر على قنوات التلفزيون، خلال المناقشات التي واكبت الحملات الإعلامية من أجل اعتماد دستور 2014، وقد ترشح بصفته مستقلا عن أيّ انتماء حزبي، لكن المتتبعين يقولون عنه أنه يحرص دائما على إرضاء المتشددين دينيا في تصريحاته، بل ويتهمونه بالاصطفاف وراء التيار المحافظ والمتشدد لحركة راشد الغنوشي، وبأنه مرشح النهضة من غير طربوش وبلا جبة.

وقد أعرب قيس سعيد عن رفضه للمساواة بين الجنسين في الميراث، وهو الإصلاح الذي اقترحه رئيس الدولة المتوفّي في أواخر يوليوز الماضي، ولم يتم تبنّيه بعد. إذ سارع قيس سعيد إلى وصف الاقتراح بكونه مستوحى من الخارج، وعارض إسقاط تجريم المثلية الجنسية وإلغاء عقوبة الإعدام. كما أن الجميع يشهد له بحرصه على التحدث باللغة العربية، إذ لا يتعامل باللهجة المحلية، “حتى عندما يطلب قهوة أو يشتري خبزة من عطار الحيّ”، ما جعل حسّونة المصباحي يفسّر على صفحته بالفيسبوك، السبب وراء التصويت على قيس سعيد، على الرغم من افتقاره لبرنامج واضح ومقنع: “لأنه يتكلم لغة لا يفهمونها، مثل لغة القرآن التي يستمعون إليها على مدار الساعة، من دون إدراك معانيها… لذا بالنسبة لهم قيس سعيد يتكلم لغة مقدسة، ستدرّ عليهم نِعَماً كثيرة ستقودهم إلى الجنة”.

علما أن قيس سعيد، قام بحملة متقشّفة، واعتمد على وسائل ضئيلة ومحدودة، من ضمنها  الفيس بوك، والتنقل بسيارته الصغيرة بيجو 206 ذات اللون الرمادي.

ويبقى الحديث عمّن هو الخاسر الأكبر في هذه الانتخابات؟ هل هي الطبقة السياسية الحاكمة؟.. حزب النهضة، وبقية الأحزاب المتناسلة من صلب النظام؟ أم قوى اليسار المتصارعة والمشرذمة؟ أم هي الطبقات الاجتماعية المسحوقة والجائعة في تونس الخضراء؟ أم هي تونس كلها، ووراءها شعوب المنطقة المتطلعة إلى الانعتاق والحرية والرخاء والديمقراطية؟

فماذا فعل التونسيون بتصويتهم لمتهم بالفساد، وآخر متطرّف له طموحات شبيه بأفكار المقبور معمر القدافي؟ّ

لنقتبس الإجابة من اليومية الباريسية “لوكوتيديان”: “لقد فضلوا القفز صوب المجهول، بدلاً من مدّ اليد مرة أخرى الى مَن خانوا تطلعاتهم”.

إننا بصدد إعادة هيكلة جذرية للمشهد السياسي التونسي، وأمام تحوّلات صعبة، وحسب أحد المحللين: “لن يكون الخيار بسيطا، ولن يحدث من دون دموع أو من دون ألم”.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى