مقالات

انتخابات تونس: مرشحون على الجدران والشارع في همومه وأشباح بن علي فوق قرطاج

        عبد الرحيم التوراني/ المغرب

تونس ـ //خاص المدارنت//

كتب عبد الرحيم التوراني…
غداً الأحد 15 أيلول/ سبتمبر 2019، يتوجه الناخبون التونسيون إلى مكاتب الاقتراع لاختيار رئيسهم الخامس منذ الاستقلال. بعد المؤسس الحبيب بورقيبة، والمخلوع زين العابدين بن علي، والمنفي السابق محمد المرزوقي، والبورقيبي القايد الباجي السبسي.

وفي تونس التي تعد مهد “الربيع العربي”، تابع العالم أول مناظرة تلفزيونية من نوعها شهدتها البلاد العربية، ضمت المرشحين للرئاسة التونسية، والذين بلغوا الستة والعشرين مرشحا، واحد منهم موقوف في السجن (نبيل القروي)، وآخر متواجد خارج البلاد (لطفي المرايحي بفرنسا). من دون إهمال الإشارة إلى حضور المرأة التونسية، ممثلة بكل من السيدتين المحامية عبير موسى وسيّدة الأعمال سلمى اللومي.

شاءت الصدف، أن أزور تونس في هذه الفترة الهامة من تاريخها الحديث، ومنذ وصولي إلى مطار قرطاج الدولي، انتصبت أمام ناظريّ بشكل متتالٍ وعبر الشوارع التي قادتني إلى الفندق، لوحات إشهارية من الحجم الكبير لـ”بورتريهات” ملونة للمرشحين، مصحوبة بشعاراتهم المنتقاة بعناية. كنت أنتظر أن أجدني وسط صخب حملة انتخابية حامية، وأن يكون الشارع التونسي مجالها الصريح وصداها القوي، لكني فوجئت بغير ذلك، كأن اللافتات الدعائية الانتخابية تروج لمواد استهلاكية، من قبيل “الشامبوان والليمونادا” أو الخدمات البنكية، ولولا الجرائد المحلية والقنوات التلفزيونية، لظننت أن ما أراه أمامي يهم بلادا أخرى غير تونس.

 قررت أن أسأل، وكانت إجابات بعض المثقفين والنشطاء الحقوقيين ممن جمعتني بهم أطوار ملتقى حقوقي مغاربي، تأكيد واضح لما ذكرته أعلاه، تحليلات فوقية ومبتسرة، بل حيادية وبعيدة عن الانخراط في لجّة الموضوع. وهو ما دفعني الى سؤال العامة، وكانت البداية بنادل حانة الفندق، شاب لم يتجاوز الثلاثين، تعامل مع الموضوع بسخرية وبغير اهتمام. قال إن ما يشغله هو أن يحسّن وضعه المادي، من دون انتظار أمل من أحد، واصفا المرشحين ومن دون أي تحفظ بـ”اللصوص”. ثم مضى بضحكته الساخرة نحو زيون آخر.

في الطريق ليلا إلى مطعم الغولف بمدينة المرسى المجاورة للعاصمة، سجل عداد سيارة الأجرة  12 دينارا، وكان السائق لف ودار بنا، قدمت له ورقة العشرين دينارا، فأمسك بها وسألني:

كم سآخذ منها؟

ـ سألته بدوري: وكم هو الرقم المسجل بالعداد؟

ـ ردّ علي: 12..

ـ إذن؟

-ـ إذا عليّ أن أعيد إليك 8..

لكني غيّرت الموضوع، وفاجأته بسؤالي عن الانتخابات، فأجاب بعد تلعثم، بأنه سيمنح صوته للمرشح رقم 22. وهو المرشح الصافي سعيد. قال: “هذا الرجل حقيقي، أحسّ به يتكلم من القلب”. أخبرته بأني أعرف الصافي سعيد عندما كان مقيما بالمغرب في الرباط، في ثمانينيات القرن الماضي، وكان وقتها صحفيا يعمل مراسلا لمجلة عربية كانت تصدر من باريس. ثم تنازلت للسائق عن الدينارات الثمانية.

في الطريق إلى مدينة غار الملح شمالا، مررنا بسوق قروي صغير، وفيما كان الناس ينتقون أغراضهم من خضر وفواكه الموسم، رأيت دكانا صغيرا، تم تحويله الى مقر حملة المرشح عبد الفتاح مورو، وبعض الشباب يوزعون الأوراق والمناشير الخاصة به، كما رأيت طفلا صغيرا يرتدي جلبابا أبيض، ويضع فوق رأسه طربوشا أحمر ملفوفا بعمامة بيضاء، تماما كما يفعل عبد الفتاح مورو، ولا أعرف كيف جاءتني إلى الذهن صورة لعب الأطفال، خصوصا، ونحن في أعياد عاشوراء.

 في مطعم صغير مختص بتقديم “البيتزا” الإيطالية، كانت القناة الرسمية تبث مباشرة وقائع الجزء الثاني من المناظرة التلفزيونية، فوجئنا، صديقي المغربي وأنا، بلا مبالاة زبائن المطعم، وكلهم من فئة الشباب، الجميع كانوا يلتهمون “البيتزا” ويثرثرون في مواضيع أخرى، ربما في مقدمتها لعبة كرة القدم وبداية البطولة الكروية. انتهزت فرصة أكل “البيتزا” التي تناولتها مع الصديق، (وكان نصفها بفواكه البحر ونصفها الثاني نباتي)، أشرت إلى جهاز التلفزيون المعلق، وسألت الشاب الذي وراء صندوق الأداء:

 ـ ما رأيك؟ من هو الأكثر حظا للفوز بكرسي الرئاسة؟

من دون تفكير، ردّ الشاب أنه لا يتابع مطلقا مثل هذا السباق.. “كلهم جماعة انتهازيين ومصلحيين”.

ـ لكن من ستنتخب منهم لو سمحت..؟

ابتسم الشاب وأجاب: لا أحد.

مما جعل صديقي المغربي يردّ عليه بشيء من الغضب ويسأله:

 ـما هذه العدمية يا أخي؟!

هنا وصف الشاب جميع المرشحين بكلمة نابية، والتفت الى زبائن جدد ليستلم منهم طلباتهم. ونحن منصرفين عائدين إلى فندقنا القريب. قال صديقي إنه قبل دعوة المواطنين إلى صناديق الاقتراع، يقتضي أولا تهيئ المجال للمشاركة في هذه اللعبة الديموقراطية، وفي المقدمة والأساس منح وزرع الثقة لدى المواطنين، وهذا مُفتقد في الحالة التونسية كما في أخواتها بالمنطقة العربية. لقد تعبت الشعوب زمنا طويلا من الاستبداد والتزوير والوعود الكاذبة، فكيف تريد أن تمنحك ثقتها بين ليلة وضحاها. الدرب طويل، والطريق أمامنا لا زالت بعيدة لنصل…

خلال العودة، وأنا متوجه إلى مطار قرطاج تونس، حاولت استغلال المسافة الفاصلة بين الفندق والمطار بالحديث إلى سائق التاكسي، رجل كهل، أبدى نوعا من الرصانة، وأعجبه سؤالي، فاستغل الفرصة لتقمص دور بعض هؤلاء الذين يسمونهم في القنوات التلفزيونية بـ”المحللين السياسيين”، وقد يكون أفضل منهم. بدأ أولا  بانتقاد العدد الكبير من المتقدمين الى كرسي الرئاسة. وأثنى على السيد نبيل القروي، صاحب قناة “نسمة” والموجود حاليا في الحبس.

قال: هذا الرجل قام بما لم يستطع الآخرون القيام به، وقف إلى جانب المحتاجين، من أرامل ويتامى وعاطلين وفقراء، وقدم لهم خدمات اجتماعية، كما ان السيد عبد الكريم الزبيدي في نظره رجل دولة، فهو عسكري برتبة جنرال وكان وزيرا للدفاع، عبد الفتاح مورو ليس لديه سوى الكلام مثله مثل إخوانه من حركة النهضة، أما يوسف الشاهد، الوزير الأول الحالي، والذي يقدم لنا اليوم الوعود الجميلة، فلماذا لم يحقق منها شيئا وهو جالس على كرسي الوزارة الأولى من أعوام؟!

 سكت الرجل، فسألته عن صديقي القديم الصافي سعيد، من دون إخباره بكوني أعرفه. وكان الجواب:

ـ الصافي سعيد هو رجل مثقف ثقافة موسوعية، ويا ليته تخلى قليلا عن تشنجه ومهاجمته للقوى العظمى، ففي النهاية لن يفوز إلا من سترضى عنه أمّنا فرنسا والعم سام.

 ونحن نقترب من مبنى المطار، توقف المحلل السائق، وركن السيارة جانبا، وكمن يقول سراً، التفت إليّ قائلاً سائلاً:

هل تعرف أن الشعب التونسي ارتكب خطأ كبيرا عندما ترك زين العابدين بن علي يغادر تونس. سأصارحك، بعد الثورة ارتفعت الأسعار وتدهورت معيشة الناس. كان علينا أن نمنحه فرصة تصحيح أخطائه، ألم يقل لنا في آخر خطاب له: “فهمتكم.. فهمتكم..”. لكن المافيا هي التي هربته وطردته، لكي تنهب ما تركه من أرصدة مالية ضخمة في خزينة الدولة. أنظر كيف اغتنى أصحاب حركة النهضة وقادتها.

أضاف: والله لو حطت طائرة الزين اليوم في هذا المطار، لتم استقباله استقبال الأبطال. يجب علينا الاعتراف بأن بن علي خدم تونس في العشر سنوات الأولى من عهده، لكنه وقع ضحية عائلة زوجته ليلى الطرابلسي، التي نهبت أموال الدولة. أنا شخصياً.. يقول السائق المحلل، كنت أعرف ليلى الحجامة بنت حيّ الدبابين”.

وصلنا الى المطار، وكان علينا إنهاء الكلام، وكان الابتهاج بادياً على صاحبي السائق، الذي سيخبرني أنه يعرف المغرب وزار جلّ مدنه، من كازا والرباط ووجدة إلى مراكش وأغادير، وأن مشكلات المغرب لا تختلف عن مشكلات تونس.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى