انهيار “الثيوقراطية” في إيران!

خاص “المدارنت”
تخترق المشهد الإقليمي والدولي اليوم تحولات هيكلية عميقة تعيد صياغة معادلات الأمن في الشرق الأوسط، حيث يبرز الملف الإيراني في صدارة بؤر التوتر والاهتمام الاستراتيجي. وفي هذا السياق التحليلي، نشرت السفيرة الأمريكية السابقة لدى الدنمارك والعضوة السابقة في المجلس الاستشاري الاقتصادي للرئيس الأمريكي، كارلا ساندز، مقالاً رصيناً على موقع “ريد ستيت”، مسلطة الضوء على البنية المتآكلة للنظام الحاكم في طهران. ويأتي هذا الطرح في توقيت حسّاس تواجه فيه الثيوقراطية الاستبدادية اختبارات وجودية قاسية بعد عقود من القمع والتطرف المنهجي.
تكشف المعطيات الميدانية والتحليلات الجيو/ سياسية الموثقة عن بلوغ النظام الإيراني مرحلة غير مسبوقة من الهشاشة الداخلية، متأثراً بتراكم الأزمات البنيوية والاحتجاجات الشعبية العارمة. فقد أشارت كارلا ساندز إلى أن نظام الولاية يواصل نهج التهديد والبطش الممنهج، مستشهدة بسقوط الآلاف من الضحايا خلال الانتفاضة الشعبية العارمة التي اجتاحت البلاد. وزادت المواجهات العسكرية المتفرقة وحالة الارتباك التي خلفتها التطورات القيادية الأخيرة من عمق التصدعات داخل أركان السلطة.
وعلى الرغم من وضوح هذه المؤشرات، تنتقد الدبلوماسية الأمريكية السابقة حالة الارتباك والقصور في الرؤية الغربية الموحدة، معتبرة أن سياسات الاسترضاء التاريخية تقدم طوق نجاة غير مستحق لنظام يعاني من رعب شديد حيال تنامي المقاومة المنظمة. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى المفارقات السياسية المتمثلة في القيود والضغوط التي تمارس أحياناً في العواصم الأوروبية ضد تجمعات المعارضة الإيرانية، مما يعكس تردداً غربياً في حسم الخيارات الاستراتيجية الحاسمة إزاء مستقبل الاستقرار الإقليمي.
في معرض تفكيكها لخيارات المرحلة الانتقالية، فنّدت كارلا ساندز بحزم محاولات إعادة تدوير الماضي عبر الترويج لشخصيات مرتبطة بالنظام البهلوي البائد، مثل رضا بهلوي، معتبرة أن هذه الطروحات تتجاهل الإرادة الحرة للشعب الإيراني وتضحياته الجسام عبر أربع انتفاضات كبرى شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.
ويؤكد التحليل السياسي الموضوعي أن رهان بعض الأوساط الدولية على شخصيات تفتقر إلى التنظيم المؤسسي أو القواعد الشعبية الميدانية يعرض مصالح الأمن القومي للخطر. في المقابل، يبرز المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية ككيان مؤسسي منظم يمتلك هيكلية دقيقة وخريطة طريق واضحة تعتمد على التغيير بأيدي الشعب الإيراني نفسه، ودون أي تورط في مغامرات التدخل العسكري الخارجي المدمر.
يمثل برنامج النقاط العشر الذي طرحته مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، نموذجاً براغماتياً للخروج من النفق المظلم، بعيداً عن الشعارات الفضفاضة. يرتكز هذا البرنامج على ركائز أساسية تتلخص فيما يلي:
الحريات السياسية والمدنية: تكريس آليات تضمن إجراء انتخابات حرة ونزيهة، مع حماية مطلقة لحرية التعبير، والصحافة، والتجمع، والاعتقاد الديني.
المساواة والتجرد من السلاح: الالتزام الصارم بـ المساواة بين الجنسين، وحماية البيئة، وبناء علاقات دولية سلمية تقوم على حسن الجوار، وتبنى مبدأ إخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل بدءاً بتفكيك البرنامج النووي.
الإنقاذ الاقتصادي: انتهاج اقتصاد السوق الحر لمعالجة الاختلالات الهيكلية الناتجة عن التضخم المالي المفرط والسياسات العبثية التي أدت إلى اتساع رقعة الفقر.
إن الولايات المتحدة والقوى الدولية الفاعلة تقف اليوم أمام خيار تاريخي حاسم. إن تجاوز سياسات المراوغة ودعم شبكات وحدات المقاومة المنتشرة في الجغرافيا الإيرانية لا يقتصر هدفه على نصرة تطلعات الشعب الإيراني فحسب، بل يمثل الضمانة الحقيقية لتفكيك بؤر التوتر وإرساء ديمقراطية حرة تكفل السلام والاستقرار المستدامين في المنطقة والعالم.



