مقالات

بـلــدان الـبـشــاعــة..

د. محمد الحسامي/ اليمن

خاص “المدارنت”..

يقول الفيلسوف والأديب والناقد والشاعر الألماني نيتشه: “كُلّ ما يكون بَشِعا، يُوهِن الإنسان ويُحزِنُه فيزيولوجياً”. ويقول الروائي الفرنسي من أصول تشيكية/ ميلان كونديرا: “.. ولكن العالم كان من البشاعة، بحيث أن لا أحد كان يريد أن يُبعث من بين الأموات”.

إن البشاعة ليست صورة واحدة, بل هناك صور عددية ومتنوعة وكثيرة لها، فهناك بشاعة المنظر والصورة, وبشاعة المأكل والملبس والمسكن, وبشاعة التخطيط العمراني, وبشاعة اللفظ والقول والفعل, وبشاعة السلوك والتصرف, وبشاعة الوعي والفكرة والعقلية والثقافة, وبشاعة المعتقد والمذهب والطائفة والفئة.. إلخ.

وهناك بشاعة السلطة والحكم والاحتكار والتملك والتسلط.. إلخ. وهناك بشاعة الفرد والأسرة والمجتمع وبشاعة الرجل والمرأة والطفل، إن كل ما هو بشعا لا يوهن الإنسان ويحزنة فيزيولجيا فقط, بل نفسيا ووجدانيا وروحيا وأحاسيسا ومشاعرا، وكل ما يتصل به وبها ويتعلق، وليست فقط تجعل الأموات لا يريدون أن يبعثوا من جديد, بل إنها تجعل الأحياء يتمنون الموت، ويحسدون الأموات على كونهم ميتين لا يشاهدونها ولا يعيشونها.

إن البشاعة بكل صورها وأنواعها وأشكالها وأنماطها, وبكل تجلياتها وآثارها, وبكل ما ينتج عنها ويترتب تتجلى واضحة للعيان في بلداننا العربية، وعلى جميع المستويات المختلفة للحياة اليومية لأفرادها ومكوناتها المختلفة، وفي جميع الأصعدة الحياتية المختلفة.. إلخ فهي ليست وليدة اللحظة أو الصدفة، أو تعتبر شيئا عابرا فيها, بل هي قديمة ومتأصلة ومتجذره فيها منذ قرون عديدة خلت، وما تزال حتى الآن, بل إن الأدهى والأفظع والأنكى من كل ذلك، أن تلك البشاعة تتخذ لنفسها صفة القدسية والقداسة والقدسية, بخاصة تلك القدسية والقداسة والتقديسية الدينية, تليها الطائفية والمذهبية والفئوية وحتى الجهوية الجغرافية المناطقية.. إلخ.

وكذلك الشخصية لبعض الرموز من الأشخاص.. إننا جميعا في هذه البلدان، نتنفس ونستنشق تلك البشاعة في كل لحظة من لحظات حياتنا وبعدها, فهي صفة وسمة وخصلة من صفات وسمات وخصال حياتنا, حتى أننا صرنا لا نعرف غيرها ولا نتخيل غيرها, وصرنا لا نستطيع العيش من دونها, بل لا يمكننا تخيل ذلك أو حتى محاولة التخلص والخلاص منها.

إن أبهى صورها, وبخاصة, تتجلى واضحة للعيان في بشاعة السلطة والتسلطية والقهر والإذلال والقمع والتنكيل بنا من قبل الحكام وزبانييهم في بلداننا, فهم يريدون منا جميعا بأن نظل عبيدا وأقنانا لهم, ندور في فلكهم ونسبح بحمدهم, ونشكرهم على نعمة البقاء علينا أحياء, حتى على الموت لأن ذلك يخلصهم من شرورنا، نستجديهم طلبا لأبسط حقوقنا ونرضى بما يجيدون به علينا، ونقبل بعدم ذلك ونعذرهم عليه.

أما إذا حاولنا أن نقول لهم لا وكفى, نريد أن نكون أناسا مثل بقية الخلق في العالم, لنا حقوق يجب عليهم أدائها, فإنهم في هذه الحالة يستخدمون أبشع تلك البشاعة ضدنا, من قتل وتعذيب واعتقال وحرمان ومصادرة ونفي، وحتى الحرمان الحياتي الوجودي ماديا بعد أن حرومنا حياتيا معنويا.. إلخ.

إن تلك البشاعة تتجلى واضحة للعيان في تعاملهم معنا منذ إنطلاقة ثورات الربيع العربي، في نهاية العقد الأول وبداية العقد الثاني من هذا القرن، وما زال حتى الآن، لقد أوصلوا الأمور والأوضاع في تلك البلدان التي شهدت موجة تلك الثورات إلى أوضاع تدميرية لا يمكن تخيلها, إلا القليل منها, من حروب أهلية تأكل الأخضر واليابس، وتقضي على الشجر والحجر وحتى على الطيور في الفضاء الرحب, واستدعوا الخارج (الغزاة) لكي يساعدوهم ويساندونهم ويكونوا عونا لهم في ذلك علينا, بل الأمر والأدهى من كل ذلك، أنهم يحملوننا وزر ذلك كله, ولسان حالهم يقول: إما أن تظلوا على ما أنتم فيه وعليه، وإما الخراب والدمار لكم جميعا “نحن ومن بعدنا الطوفان”.. الخ.

إن الأسئلة والتسأولات المحيرة التي تفرض نفسها هنا طرحا هي: من أين لهم كل هذه البشاعة، من أين يملكونها ويمتلكونها؟ وما هي مصادرها ومنبابعها؟ وهل هي خاصة بهم فقط أم عامة بالكل؟ وهل هي صفة وسمة وخصلة من صفات وسمات وخصال الشخصية العربية وخاصة بها؟ أم لا؟ وكيف يمكننا التخلص من كل هذه البشاعة والقضاء عليها؟

وقبل ذلك، والأهم من كل ذلك وتلك، هل يمكننا وفي إمكاننا فعل ذلك والقيام به؟ وووووو… إلخ. هذا ما يتوجب ويستوجب وقفة جادة للإجابة على كل ذلك من قبلننا جميعا.

يقول الشاعر العربي اليمني الكبير الراحل/ عبدالله البردوني: “فظيع جهل ما يجري, وأفظع منه أن تدري”. ويقول الشاعر العربي السوري الراحل/نزار قباني: أشهرك في وجه البشاعة حمامةً بيضاء ونافورة ماءٍ.. وكتاب شعر.. “كلّن-يعني-كلّن”.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى