تظاهرات “المعارضة الإيرانية” أمام الأمم المتحدة
“المدارنت”
في يومي 22 و23 سبتمبر/أيلول 2026، وبالتزامن مع انعقاد الدورة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة وحضور ممثلي النظام الإيراني في نيويورك، تجمع آلاف الإيرانيين وأنصار المقاومة الإيرانية أمام مقر المنظمة الدولية لإيصال رسالة مغايرة للرواية الرسمية التي يسعى النظام إلى تسويقها أمام العالم. ولم يكن هذا الحشد مجرد تظاهرة احتجاجية عابرة، بل مثّل محاولة سياسية واضحة لإبراز مطالب الشعب الإيراني وتسليط الضوء على بديل ديمقراطي في مواجهة النظام الديني الاستبدادي الحاكم في إيران.
وتنبع أهمية هذه التظاهرات أولاً من توقيتها ومكان انعقادها. ففي الوقت الذي يجتمع فيه قادة العالم داخل أروقة الأمم المتحدة لمناقشة قضايا الأمن والسلم الدوليين والتحديات العالمية، سعى المتظاهرون الإيرانيون إلى توجيه الأنظار نحو قضية يرون أنها ظلت لسنوات رهينة الحسابات السياسية والدبلوماسية، وهي قضية القمع الداخلي وتصاعد الإعدامات والانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان في إيران.
كما حملت التظاهرات رسالة سياسية مفادها أن قضية إيران لا تقتصر على الملف النووي أو الصراعات الإقليمية، بل إن جوهر الأزمة يكمن في طبيعة النظام الحاكم نفسه. ومن هذا المنطلق، حاول المشاركون إعادة توجيه اهتمام المجتمع الدولي من العلاقات مع السلطة الحاكمة إلى حقوق الشعب الإيراني وحقه في تقرير مصيره ومستقبله السياسي.
ومن أبرز ما ميز هذا التحرك السياسي تركيزه على وجود مقاومة منظمة داخل البلاد. فقد شدد المتحدثون والمنظمون على الدور الذي تؤديه «وحدات المقاومة» في الداخل الإيراني، وعلى وجود بديل سياسي يستند إلى مبادئ الديمقراطية والحرية والتعددية. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل السؤال الذي كثيراً ما يُطرح في الأوساط السياسية الدولية حول مستقبل إيران وإمكانية وجود بديل منظم وقادر على قيادة مرحلة انتقالية بعد انتهاء حكم النظام القائم.
ومن الناحية السياسية والاجتماعية، عكست التظاهرات توجهاً بات أكثر حضوراً في أوساط المعارضة الإيرانية، وهو رفض كل من الدكتاتورية الدينية والعودة إلى حكم الشاه. وقد تجسد ذلك في شعار «لا للشاه ولا للملا»، الذي يعبر عن تطلع قطاعات واسعة من الإيرانيين إلى إقامة نظام جمهوري قائم على إرادة الشعب والانتخابات الحرة والفصل بين الدين والدولة واحترام الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين.
وفي هذا السياق، حظيت الرسائل التي وجهتها مريم رجوي إلى المشاركين بأهمية خاصة، إذ قدمت الإطار السياسي العام للتجمع. ففي رسالتها إلى المتظاهرين أكدت أن مقعد إيران في الأمم المتحدة يجب أن يكون من حق الشعب الإيراني ومقاومته المشروعة الساعية إلى الحرية والسلام وإقامة جمهورية ديمقراطية، معتبرة أن استمرار تمثيل النظام الإيراني داخل المنظمة الدولية يتعارض مع قيم العدالة وحقوق الإنسان.
وفي رسالة أخرى موجهة إلى اليوم الثاني من التظاهرات، شددت مريم رجوي على أن الوقت قد حان للاستماع إلى صوت الشعب الإيراني، وهو شعب لا يريد حرباً ولا دكتاتورية، بل يسعى إلى الحرية وإقامة جمهورية ديمقراطية. كما أكدت أن الحل للأزمة الإيرانية يكمن في «التغيير الديمقراطي على يد الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة»، مشيرة إلى الدور الذي يضطلع به السجناء السياسيون والاحتجاجات الشعبية ووحدات المقاومة في الدفع نحو هذا التغيير.

أما المطالب التي برزت في هذه التظاهرات فلم تقتصر على الاحتجاج ضد الواقع القائم، بل شملت مجموعة من الأهداف السياسية والحقوقية الواضحة، من بينها وقف الإعدامات، والاعتراف بحق الشعب الإيراني في تغيير النظام، ودعم نضال الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة، وتأييد إقامة جمهورية ديمقراطية تقوم على الانتخابات الحرة، والفصل بين الدين والدولة، وتحقيق المساواة بين المرأة والرجل، وإلغاء عقوبة الإعدام، وإقامة إيران غير نووية. كما دعا المشاركون المجتمع الدولي إلى تبني سياسة أكثر حزماً تجاه انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها النظام الإيراني.
وفي المحصلة، يمكن اعتبار تظاهرات نيويورك خلال يومي 22 و23 سبتمبر/أيلول واحدة من أبرز الفعاليات السياسية التي نظمها الإيرانيون المعارضون على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام. ولا تكمن أهميتها في حجم المشاركة أو في الشخصيات التي خاطبتها فحسب، بل في الرسالة التي سعت إلى إيصالها إلى العالم: إن الشعب الإيراني يريد أن يُسمَع صوته الحقيقي، وأن يكون مستقبله بيد أبنائه، لا رهينة لسياسات المساومة مع النظام الديني الاستبدادي الحاكم في إيران. وهي رسالة تؤكد أن الطريق إلى التغيير يمر عبر إرادة الشعب والمقاومة المنظمة والالتزام بمبادئ الحرية والديمقراطية والسيادة الشعبية.



