مقالات

“تمثيل الحراك” يختزل الشعب ويُجهض انتفاضته

د. جميل علي حمّود/ لبنان

خاص “المدارنت”..

في الوقت الذي تتخبط فيه قوى السلطة، وتتصارع وتتناتش الحصص والنفوذ، في مسار تكليف رئيس مجلس وزراء وتأليف حكومة، تتفق هذه القوى على مسألة ما يسمى تمثيل الحراك في الحكومة المقبلة. فرئيس مجلس النواب، دعا ال هذا التمثيل، ولاقاه الأمين العام لـ”حزب الله” السيد نصر الله. كما تبنى رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري التمثيل، فيما رأى رئيس “التيار العوني” جبران باسيل ان مشاركته في الحكومة المقبلة قد تكون عبر ممثلي الحراك.

من جهة اخرى، تعمل بعض مجموعات الإنتفاضة، ومنذ اليوم الاول لانتفاضة ١٧ تشرين ،على ما تعتبره تموضع مناسب لنيل مناصب وزارية، ان لجهة بلورة مطالب تحت سقف الحفاظ على النظام، بحجة تجنب الفراغ، او لجهة معارضة قطع الطرقات، بتبرير تسهيل التنقل وأشغال الناس. علما ان بعض هذه المجموعات، متّهمة بالتفاوض خلف الكواليس مع قصر بعبدا، فيما تحوم شكوك ارتباط بعضها الآخر بقوى السلطة،  منذ اليوم الاول لنشأتها.

ومهما يكن من أمر هؤلاء وأولائك، فان انتفاضة الشعب اللبناني نجحت حتى اليوم، في عدم الوقوع في فخ النصائح الخبيثة التي توجه لها، بمسميات تنظيم نفسها، وتشكيل قيادة، والتحاور مع قوى السلطة. لكن جاذبية الموقع، وبريق السلطة، يغريان البعض في الانتفاضة، فيهددان ديمومة الإنتفاضة ووحدتها على المدى الأطول. فما ان تنجح قوى السلطة في تكليف رئيس حكومة، حتى تجد مجموعات الإنتفاضة نفسها امام تحدي اغراءات التوزير والمشاركة في السلطة.

وبالتالي، إن ذلك يطرح سؤالا هاما، يتوجب على جماهير الإنتفاضة الاجابة عليه، عاجلاً أم آجلاً، وهو التالي: هل تتحول الانتفاضة الى طرف يُشارك بعدد من الوزراء، مع المُنتفَض عليهم في الحكومة المقبلة؟

ليست الإنتفاضة طرف، ولا تنظيم ولا حزب ولا جهة. ولا هي رفعت شعار الاحتجاج على عدم المشاركة في السلطة. انها انتفاضة واحتجاج شعب على سوء ادارة الشأن العام من قبل قوى النظام، التي فشلت فشلا ذريعا في إدارة شؤون الوطن، باعتراف عدد من رؤوس هذه القوى. كما انها اعتراض عامة الناس على استباحة المال العام، ونهب مقدرات البلد وهدر امكانات الوطن في صفقات وسمسرات فساد، تغني قوى السلطة على حساب حياة الناس ومستقبل أبناءهم.

الى ذلك، إن كافة القوى التي ستكون في الحكومة المقبلة، معنية مباشرة بمطالب الإنتفاضة، وليس فقط 3 أو 4 وزراء يُسمّون زوراً ممثلي الحراك. إنها انتفاضة شعب، والشعب لا يختزل في طرف أو جهة. ان الشعب هو مرجعية كل الأطراف والجهات التي لم تنشأ أساساً و لا وجود لها، إلا بالتعبير الصادق عن آماله وطموحاته.

إن دخول 3 أو 4 وزراء في الحكومة، بمسمى تمثيل الحراك، يوقع الإنتفاضة في فخّ الانقسام والتشتت، الذي ينتج عن تسمية هؤلاء الوزراء. وهذا ما يشكل خطراً كبيراً لا داعي منطقي لتحمله، لأنه من حق الشعب ان يتمثل بسلطة صالحة ورشيدة بكافة مندرحاتها ومكوناتها.

كما ان تمثيل الحراك، يضع الإنتفاضة في موقف التعرّض للضغط والتفاوض والمساومة والتسويات، على حساب حقوق الشعب الاساسية في الحياة الكريمة. فالماء والكهرباء والطريق وفرص العمل والسكن، حقوق بديهية للمواطن على كل شخص يحمل صفة مسؤول في الدولة. ليست هذه الحقوق قابلة للمساومة والتسويات.

لقد كان بامكان مجموعات الإنتفاضة، ان تسير في خيار التغيبر والاصلاح عبر قلب النظام، واعادة إنشاءه من اساسه. لكنها فضلت الانخراط في النشاط الاحتجاجي، سعيا الى إحداث التغيبر المنشود، عبر الوسائل والآليات الدستورية القائمة. بصرف النظر عن صوابية هذا الخيار، فإن مجموعات الإنتفاضة، مدعوة الى الحفاظ على وحدة النشاط الاحتجاجي واستمراريته ككتلة ضغط شعبية كبيرة، تطالب وتضغط لتحقق. فلا تفاوض ولا تساوم في حقوق الناس الاساسية.

وهذا ما يتطلب عدم الانزلاق، في اتجاه تحويل بعض الانتفاضة الى قوى سلطة أخرى، تعمل ضمن آليات النظام الفاسد نفسه، فتبيع وتشتري على حساب حقوق الناس البديهية.

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى