ثـورة لـبـنــان “الأنـاركـيــة”.. هـل تـنـجــح؟!

خاص “المدارنت”..
حين تم إفشال الديموقراطية في لبنان، بعد إسقاط المعارضة السياسية الفعلية ضمن هيكل الحكم، منذ اتفاق الطائف، سقطت الدينامية السياسية في النظام اللبناني، وتشوهت آليات الحكم، فلم يعد الشعب فعلياً مصدر السلطات. بل تجمهرت الأحزاب السياسية بشكل متين حول شخص الزعيم السياسي وعائلته معظم الأحيان، وكأن الاقطاع التاريخي أعاد انتاج نفسه بوجوه جديدة وطرائق جديدة.
وتجاوزت تراتيل الأتباع والمريدين والمكونات المبعثرة “ايديولوجياتها”، والحروف المسطحة المكتوبة في نظامها الداخلي، إن كان هناك نظاما داخليا أساساً، وغدا الالتزام السياسي للمحازبين مرتبط بمدى محبة الزعيم، أو بمدى رضى “المتبوع” عن “التابع”.
بل أكثر من ذلك، انحاز الأداء السياسي والرؤية العقائدية في الحزب، الى وجهة نظر الزعيم وطريقة فهمه للأشياء المحيطة، وكيفية تفسير طبقة المستشارين المشمولة بالعطف والتقريب للتفاصيل الدقيقة، وشرح ما استعصى فهمه من قبل الرعية. وبلغ التشوّه الديموقراطي مبلغه، حين تناسجت الزعامات على قاعدة ما تملكه من قوة جذب بشرية، وحاكت لشبكة تواصلها المتماهية، معادلات صغرى وكبرى، لا تنفك تنتهي بحاصل الحزب الواحد، على قاعدة حذف المعارضة من الداخل والخارج، وشطب الفواصل، لابقاء الناتج السياسي مكتملاً لا متناهياً في الوقت نفسه.
وعلى هذه القاعدة الغريبة، حاول كل زعيم وضمن إطار التوافق والتشارك والتقاسم في مؤسسات الحكم، بناء إمارة سلطوية، من خلال جيش من الموظفين والمتعاقدين، ومن خلال مجموعة من المنتفعين، تؤكد سلطته المطلقة. فتحوّلت كل وزارة يتولاها أتباعه المدللون الى مقاطعة يَحكم فيها باسم الله، وكأنها ملك شخصي أزلي، فيُخضع الموظفين فيها لإرادته المطلقة، وأوامره التي لا تقبل الرفض والممانعة.
ولم يترك هذا “الكارتل” السياسي للنظام الديموقراطي اللبناني متنفساً، فغدا حكم الشعب من خلال آلية الانتخابات النيابية، مجرد شكليات معروفة النتائج سلفاً، حيث يتقاسم الأخصام الأصدقاء، حصصهم النيابية عبر المحادل، وعبر جيش المؤيدين الهاتفين باسم الزعيم على حساب حاجاتهم وحقوقهم، التي لا ينالون منها سوى القليل من فتات التنمية المشوهة بالفساد، والكثير من رضى الزعيم عن صمتهم، ورضاهم بما هو مقسوم، ولو على حساب كسبهم، وظروف عيشهم، وصحتهم، ومستقبلهم، ومستقبل ابنائهم.
وتتكرر مشهدية التبعية المفرطة عند كل الألوان، في ظل موت مفاهيم الحرية عند شريحة واسعة من الشعب اللبناني. ويبدو أن ساعة الحكم وإدارة شؤون العباد، توقفت منذ زمن، وحلت محلها مشاريع أكثر من نصفها مخصص للاستنزاف المالي المشبوه لصالح الحاكم وبلاطه الخاص. ومن ضاق ذرعاً، لا سبيل له سوى “الرحيل”! وما أكثر الراحلون المهاجرون في هذه العقود الحزينة من الديموقراطية اللبنانية المعطلة.
ليس هذا فحسب، بل امتدت أيادي أمراء السلطة الى الروابط والنقابات، فضبطتها على ايقاعها الحزين، والمستمر بوتيرة القداسة والتقديس للزعيم، ففشلت واُفشلت كل آليات الرقابة على الحكام والحكم. وتمددت الامارات الى القضاء، فأخذت من أخذت في قوافلها، وعزلت من اشتمت منه رائحة العنفوان والجرأة على مقولة “الحق” في وجه الظلم. فطال عمر الدعاوى القضائية، وسقط “ميزان العدل” بسبب ازدواجية المعايير في التعاطي بين مشمول برعاية الزعيم، وآخر لفظته إمارة الزعيم ووسمته بالكفر والتجديف.
وشمل هذا التمدد كل أركان الدولة وهيكلها، حتى فقدت الديموقراطية اللبنانية التي تغنى بها الشرق معناها الزمني والسياسي. وهكذا بات “الكارتل” السياسي يمسك بزمام أمور الوطن، ويحتكر بوسائل إعلامه وقضائه وأجهزته التي انضبطت بمجملها على ايقاعه، مهمة تعريف الوطنية والمواطنة، والسيادة والاستقلال، والخيانة والعمالة، من دون قابلية للنقاش، في ظل امكانية الصاق التهم المعلبة سلفاً، والمعدة سلفاً للاستعمال الطارئ ضد أي فرد، استيقظ ضميره الحر فجأةً من دون سابق إنذار…
وبعد اغتيال الديموقراطية اللبنانية، وتعطيل آليات الرقابة ضمن هيكل النظام، وبعد ابتداع الخلط بين النيابة والوزارة، واستنساخ حكومة من أطياف المجلس النيابي، وبالتالي، إجهاض مفهوم الثقة، وتحويله الى أنشودة هزلية، وصعوبة اختراق “الديكتاتورية المقنعة” بغلاف “التوافق” و”الميثاقية”. وتحت وطأة التقاسم بحسب نسبة التمثيل في المجلس النيابي، تجمدت الدينامية السياسية، وتبعتها كافة أجهزة الدولة، واستشرى الفساد المغطى من الامارات السلطوية، وتنامت الأزمة الاقتصادية وضربت كافة شرائح المجتمع.
وربما كان يكفي هذا “الكارتل” تخفيف الخناق عن التمثيل النيابي، وفتح المجال أمام وجوه حرة مستقلة، بدل سحلها بالمحادل السياسية المتكررة الوجوه، ليترك لنفسه أولاً فتحة تهوئة لإمارة ممسوخة أكلت الأخضر واليابس. وربما، أيضاً، كان يكفيه، التراجع خطوة الى الوراء، بعد فشله في معالجة قضايا بنيوية، ومالية وبيئية وصحية، بدل المكابرة، ومحاولة اجترار حلول مكفنة برائحة المساومة والتنفيع، أو بدل التذاكي باستنساخ “الحلول اليونانية” لمعالجة أزمتها عام 2009. فلم يفكر مثلاً بفسحة استراتيجية عبر “حكومة تكنوقراط”، تعيد الحياة الى هذه “الدجاجة التي تبيض ذهباً”، وتمنحه بعضاً من الوقت لانعاش الفئات الشعبية التي غدت ترزح تحت خط الفقر، وتعاني في ظل البطالة، من “الابتزاز” بلقمة عيشها، أو الاندفاع الى خارج القانون بحثاً عن تلك اللقمة، عبر نزعها من أفواه العابرين مهما كانت مستوياتهم.
وكان غائباً عن هذا “الكارتل”، أن ساعة الرمل التي يحملها ولا ينفك يقلبها، بهت لونها، واهترأت بفعل الاستعمال المفرط، وغاب عنهم أن الخطاب المقدس الذي يتفوه به الزعماء، لم يعد “مقدساً” بالفعل، ولم تعد لديه القدرة على شفاء السرطان المستشري، والديون المتراكمة لدى الشعب، ولدى الوطن ككل. ولم تعد تكفي تلك الوعود بالنور والرفاه، لأنها فقدت قوتها المقنعة، لا سيما وأن الوقت لعب “على المكشوف” على كشف نفاقها المتمادي، وأسقط عنها كل أقنعة التغرير والمماطلة والتسويف، بل وفي كشف كل الشبكة العنكبوتية، المحاكة بدقة لخدمة “الزعيم” وأزلامه المدللين. انكشف الغطاء، وانهار الهيكل على الجميع!
كانت ثورة 17 تشرين 2019، الصرخة التي حملت معها كل هذا الزخم الشعبي العفوي لاسقاط هذه المنظومة المنتعشة على حساب الدولة وشعبها.(#الشعب_يريد_إسقاط_النظام)، وكانت تلك الجملة التي تجاوزت الخطوط الحمراء وعباءات القداسة لدى كل الزعماء (#كلن_يعني_كلن)، فصدحت حيث لم يكن متوقعاً، وكسرت برنينها المؤرق كل حواجز الخوف. وكان بديهياً أن تكون هذه الثورة “أناركية”، من دون قيادات محددة، تستند الى الخطاب العفوي للشعب، وكان بديهياً أن تكون هذه الخطابات متماثلة ومتوازية في كافة المناطق، من دون كثير تنسيق، لأنها نابعة من الواقع المحفوف بالمعاناة.
ويبدو أن هذه الثورة، أتت من دون كثير تنظيم، ومخالفة لقواعد التغيير الديموقراطي المتعارف عليها.
أولاً، بسبب ما اقترفه هذا “الكارتل” من تعطيل للدينامية السياسية.
وثانياً، لمواجهة آلية القمع التي يمكن أن تلجأ اليها الامارات السلطوية، عبر ما تبقى من جحافل التابعين، المستعدين للموت في سبيل الزعيم، لا جوعاً وهم أصلاً يعانون منه، ولكن فداءً لبقائه ممسكاً بمقاليد حكم، تيقنوا زوراً أنه فانِ فيما لو غادره من دون رجعة!
“أناركية” الثورة اللبنانية كانت فائض القوة التي ابتدعها فكر الشعب المسحوق بكل أنواع الذل، المتحرك بدافع خوف واحد، الخوف على مستقبل ابنائه، والرافض لكل أشكال المساومة مع منظومة الفساد، والمتجنب لفكرة الانتخاب الطبيعي لقيادات ثورية خوفاً من استدراجها والاستفراد بها، وسحقها فيما بعد، وفق ما تعلمه من التجارب السابقة! وتبدو “أناركية” الثورة واعية، إذ تنطلق من رفضها لتأطير نفسها، تاركةً “هيولى” الشعب تنطق وتتصرف، من دون الاغراق في الفوضى، رافعة شعارات الوحدة، وهي لاسلطوية في بنيتها، وبنفس الوقت تستوعب بكثير من الصبر هجمات “مريدي الزعماء”، من دون التحول الى العنف من قبلها، بل وتدعو الى التغيير ضمن هيكل الحكم عبر المطالبة بحكومة تكنوقراط، محررة، مستقلة، من أيدي كفوءة ونظيفة، تسهم في إنقاذ البلد مما هو فيه.
وتكمل هذه “اللاسلطوية” في المطالبة بمناعة هيكل السلطة، عبر المطالبة بهيئة قضائية لمحاسبة الفاسدين من دون استثناء، والمطالبة باستعادة الأموال المنهوبة. وتحترم هذه “الاناركية الجديدة” الوقت، فتصرّ على وضع الجداول الزمنية، كي لا تبقى أسيرة الركود الثوري في غليانه، وكي لا تفقد الثورة شعلتها وبوصلتها في حال المراوحة، التي يمكن أن تفتح انسياباً بشرياً نحو الفوضى، أو أن تقطع هذا الخيط الرفيع بين السلمية والعنف.
ويبقى السؤال الكبير، هل تنجح هذه “الاناركية” اللبنانية، المصرّة على شلّ البلد وإيقاف عقارب ساعاته، في محاولة للفت انتباه “الكارتل” السياسي الى أن وقته قد نفذ، وأن العودة الى الوراء لم تعد ممكنة، وأن صبر شريحة كبيرة من الشعب نفذ، وأن الحريق السياسي والاقتصادي نال من الجميع، وأن الحلول “الاسبرينية” باتت مهزلة، وأن التوافق على نهب خزينة الدولة لم يعد ممكناً، لأن هذه الأخيرة استنفدت أموال المودعين في المصارف الخاصة، وانكشف دجلها في إنتاج دينامية اقتصادية للبلد…؟ ربما نجحت في الخطوة الأولى، عبر فتح نافذة في معادلة النظام، وإدخال حسابات جديدة، تصرّ على حكومة “تكنوقراط”، وأدخلت طرحاً جديداً يدفع القضاء الى الضرب بيد من حديد من دون استثناء، وأضافت موازين جديدة بحثاً عن معالجة الأرقام المهترئة في مصرف لبنان، وخزينة الدولة…
ولربما قد تصل تداعيات تظاهراتها المتنامية الى كسر اللامتناهي، وإعادة إحياء الأمل بدولة عصرية مدنية، يسقط فيها الاقطاع السياسي، وتفلس فيها شعوذات اللاهثين وراء استنزاف الدولة واغتيالها… وإذا كانت الثورة لا تعني الاصلاح بمفهومها التاريخي، بل رسم قطيعة تاريخية حديثة في خط زمني، وحرف التسلسل المألوف عن مسارِ كاد أن يكون محتوماً، الى مسار جديد بالمطلق، فهل تنجح ثورة لبنان الأناركية؟!
* أستاذ محاضر في التاريخ.
=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=



