جمال عبد الناصر والعقيدة (الإيديولوجية)..

خاص “المدارنت”..
سئل جمال عبد الناصر، مرّة، من فِبَل صحافيّ أجنبيّ، عن ماهيّة فلسفتِه وعقيدتِه، فقال أنّها الإسلام.
هذا الجواب، على اختصاره، يلَخِّص ما تجاوز 24 ألفًا من الكتب والدراسات والأبحاث التي تناولت جمال عبد الناصر، زعيمًا ورجُلَ دولة وقائدًا ورئيسًا وصاحبَ رؤية وإنسانًا وزوجًا وربَّ عائلة..
ألعقيدة، حسبما فهِمَها الرجُل، لم تكن قطّ بالمعنى السياسيّ وإنّما بالمعنى الدينيّ البحت؛ فبالنسبة إليه تندرج القوميّة العربيّة تحت مشروع وحدويّ للعرب على أسس تاريخيّة وجغرافيّة ولغويّة ومصالح مشتركة ووجدان مشترك ومصير مشترك . بذلك ، يصبح العرب دولة مترامية الأطراف قادرة على التنمية والحضور الفاعل في محيطها وفي العالم وتستطيع حماية مواطنيها وتأمين الحياة اللائقة بالإنسان على أسس من القيم والأخلاق التي رسّختها الأديان السماويّة وعلى رأسها الإسلام .
كانت رؤية عبد الناصر، ونهجُهُ في الحكم وإدارة الدولة بسياستها الداخلية، السياسيّة والاداريّة والانمائيّة، وبسياستها الخارجيّة الاقليميّة والدوليّة، تعتمد على مبدأ التجربة والخطأ. كان قائدًا ورجل دولة ناشطًا (براغماتيًّا)، يرى أين تقع مصلحة العرب فيخطو الخطوة المناسبة – من دون أيّ تردُّد. كانت خطواته تنجح أحيانًا وتفشل أحيانًا أخرى، حسب الأوضاع الظاخليّة والخارجيّة والامكانيّات الذاتيّة؛ لأنّ قرارَهُ كان – دائمًا – سياديًّا مستقلًّا عن أيّة جهة مهما كانت الضغوطات..
أمّا بالنسبة لمصر، فقد كانت رؤيته شديدة الوضوح إذ قرّر ، منذ البداية، جَعلَها بلدًا ذا قاعدة صناعيّة متنوِّعة وبلدًا ذا زراعة تناسب المناخ والطبيعة وبلدًا فيه الضمانات الصحِّيّة والاجتماعيّة وفيه البنى التحتيّة للتربيّة والتعليم والثقافة، وكلّ ما ينهض بالإنسان وبلدًا محوَرِيًّا يستقطب العرب وأحرار العالم وكلّ التوّاقين إلى الاستقلال وخلع التبعيّة الخارج.
بالفعل، أصبحت مصر في أيامه منارةً للعلم والفنّ والإبداع، في كلّ مجال، وقبلةً الأحرار الذين ينشدون التحرُّر من نير الاستعمار والرجعيّة والتخلُّف.
سار عبد الناصر في طريق توحيد العرب، فلم ينجح، لأسباب موضوعيّة تبدأ من الهيمنة الخارجيّة على الحكّام إلى تشعُّب تناقض المصالح بينهم، لكنّه وحّد وجدان العرب حول الوحدة والنهوض وفلسطين، بحيث أصبحت شعاراته في صلب ثقافة العرب إلى ما شاء الله..
في مجال العمل السياسيّ، انتقل عبد الناصر في قاعدته التنظيميّة من “هيئة التحرير” إلى “الاتّحاد القوميّ” إلى “الاتّحاد الاشتراكيّ العربيّ”، ولو طال به العمر لانتقل إلى صِيَغ أخرى جديدة تناسب المرحلة المستجدّة.
أمّا في الفكر السياسيّ، فسار من “فلسفة الثورة” إلى “الميثاق” إلى “بيان 30 مارس/ آذار”، ولو طال به العمر لاستمرّ في التجديد والتطوُّر.
في السياسة العامّة كان تحرُّكُه واضحًا من ضمن “الدائرة العربيّة” و”الدائرة الأفريقيّة” و”الدائرة الإسلاميّة”، حيث كان ينسج تحالفاتِهِ الاقليميّة والعالميّة من أجل فلسطين وقضايا العرب..
بعد هذا العرض الموجز، لبعض من نهج جمال عبد الناصر، هل أن “الناصريّين”، بشكل خاصّ، والعروبيّين، بشكل عامّ ساروا – بعد غيابه – في هذا النهج؟
برأيي، وحسب اطِّلاعي ومتابعتي للحركات القوميّة كلِّها، كأمين عام أسبق لـ”حزب الاتّحاد” (الإشتراكي العربي/ حزب ناصريّ في لبنان)، لم يخطُ أحد في النهج الحقيقيّ لجمال عبد الناصر؛ وإنّما كان الجميع يعيشون على صدى الوهج الحيّ لهذا الزعيم التاريخيّ العظيم، إلى أن استهلَكهُم الزمن وأضعَفَتهُم الأحداث وتخطّتهُم المُتغَيِّرات والمستجدّات المتلاحقة.
على أيّ حال، المشهديّة أصبحت واضحة للجميع: فشل تامّ لكلّ الأحزاب والتنظيمات والجماعات “القوميّة” و”الاسلاميّة”، بسبب جمودها وعقدنتها السياسيّة، بالمعنى السلبيّ الجامد، وبسبب عدم قدرتها على الإفادة من حيوِيّة (ديناميكيّة) الحياة التي يفرضها الإسلام وتفرضها العروبة ويفرضها المنطق السليم وكلّ ما، ومَن، يدعو إلى إعمال العقل وإلى التقدُّم والتطوُّر، بفهم جوهر عمليّة الخلق ووجود الإنسان في الأرض ..



