مقالات
“حكي بلدي”.. مَن يُصلح الملح اذا فَسد..؟!

خاص “المدارنت”..
عندما يدخل ايّ شاب إلى السجن في أوروبا، يخضع لإعادة تأهيل، أو يتعلم مهنة أو حِرفةً، ويتلقى الدروس، وفي آخر مدة محكوميته، يُطلق سراحه مع رأس مال صغير يتقاضاه كأجرٍ، كي لا يخرج متسولاً أو عاطلاً او مجرماً.
كنتُ (اتنصّتُ) إلى مكالمة صديق لي كان يجلس إلى جانبي هنا في الغربة، مع صديق له تخرّج إبنه حديثاً من إحدى الجامعات الخاصة بشهادة المحاسبة في بلدي، يتقن إضافةً إلى العربية اللغتين الإنكليزية والفرنسية، وحسب سياق الحديث فهمت ان الأب قد دفع دم قلبه، وباع أرضه، ورهن مصاغ زوجته، واقتصد باللقمة، وحتى لو تطلب بيع ملابسه الداخلية في سبيل تعليمه.
هذا المتخرج الجديد من جيش العاطلين عن العمل، أمّن له صديقي وظيفة في هذه الغربة مع “منّةٍ” لابيه براتب، يعادل ألف دولار شهرياً، من دون سكن او طعام أو فواتير أو حتى تذكرة طائرة، مع (ملاحظة) في حال صام الشهر كاملاً، وافطر على سمك السردين المعلّب، وشرب من ماء النهر بكفيّه، وانتعش بهواء ونسيم الطبيعة في هذا الحرّ، ولبس سراويل غاندي، فان الراتب لا يكفيه.
كنتُ احلّل هذه العملية الحسابية في راسي، عندما شاهدت على قنواتنا الوطنية، أن عشّ الزوجية، والشقق السكنية، بسبب الاوضاع المعيشية المتردية (مع مفاجأةٍ سارةٍ أن إسعارها سوف تبدأ من مئتين وخمسين ألف دولار)، وصديقي ما يزال منتشياً على الهاتف، بأنه أمّن لإبن صديقه وظيفة في الغربة، بعيداً عن أهله ووطنه وأصدقائه وأحلامه.
بينما في سياق النشرة الاخبارية على نفس القناة، كان باقي المتخرجين ينالون نصيبهم من الركل والضرب والاعتقال وتمسيح الأرصفة بهم، لمجرد أنهم قالوا: لا ثقة لهم بحكامهم أو رموهم ببعض الحجارة..
لا تلقوا عليهم قنابل مسيلة للدموع، ففي عيونهم ما يكفي ان يملوا كل العبوات الفارغة.
=======================


