خامنئي يستنفر القضاء خشية تجدد الاحتجاجات!

خاص “المدارنت”
في توقيت يحمل دلالات سياسية وأمنية، جاء لقاء (المرشد الإيراني) مجتبى خامنئي، رأس النظام الإيراني، مع غلام حسين محسني إيجئي، رئيس السلطة القضائية، قبيل الذكرى السنوية لانتفاضة نوفمبر 2019، ليكشف عن هواجس السلطة تجاه احتمال تجدد الاحتجاجات الشعبية. فالتوجيهات المعلنة بشأن تعزيز «الرصيد الاجتماعي للنظام»، وتسريع تنفيذ الأحكام الرادعة، وتوسيع الرقابة، تعكس في القراءة المعارضة محاولة لمواجهة ضعف النظام وتراجع ثقة المجتمع بتشديد القبضة القضائية والأمنية.
إن أهمية هذا اللقاء لا تكمن في انعقاده وحده، بل في توقيته ومضمون التوجيهات التي نقلها الإعلام الرسمي. فقد أكدت هذه التوجيهات ضرورة «زيادة الرصيد الاجتماعي للنظام»، وهي عبارة تطرح تساؤلات بشأن حجم الفجوة بين السلطة والمجتمع.
فالنظام الذي يواجه أزمات اقتصادية واجتماعية متراكمة، واحتجاجات متواصلة من العمال والمتقاعدين والطلاب وسائر الفئات، لا يستطيع استعادة ثقة المواطنين بمجرد إصدار الأوامر. وفي القراءة المعارضة، فإن الحديث عن تعزيز الرصيد الاجتماعي يمثل اعترافا ضمنيا بتراجع التأييد الشعبي والخشية من تحول الغضب المتراكم إلى انتفاضة جديدة.
والأكثر دلالة، هو تأكيد اللقاء على «النظر السريع في القضايا بدقة وحزم، وتنفيذ الأحكام في الوقت المناسب وبما يحقق الردع». ففي ظل سجل السلطة القضائية الإيرانية في ملاحقة المعارضين وإصدار الأحكام القاسية والإعدامات، يثير هذا التشديد مخاوف من استخدام القضاء أداة لترهيب المجتمع ومنع الاحتجاجات.
إن النظام الذي يحتاج إلى تسريع الأحكام الرادعة وتوسيع أدوات التخويف لا يقدم دليلا على قوته، بل يكشف عن عجزه عن معالجة الأسباب التي تدفع الشعب إلى الاحتجاج.
وتكتسب هذه التوجيهات أهمية خاصة مع اقتراب ذكرى انتفاضة نوفمبر 2019، التي تحولت فيها احتجاجات بدأت على خلفية ارتفاع أسعار الوقود إلى مواجهة سياسية واسعة مع السلطة. وقد أظهرت تلك الانتفاضة أن الغضب الاجتماعي المتراكم يمكن أن يتحول بسرعة إلى تحد مباشر للحكم.
ومن هذا المنطلق، فإن ذكرى نوفمبر ليست مجرد حدث تاريخي بالنسبة إلى النظام، بل تذكير بخطر تجدد الاحتجاجات، خصوصا في ظل استمرار الأزمات المعيشية والسياسية.

كما شملت التوجيهات استخدام التقنيات الحديثة وتوسيع التفتيش والرقابة. ورغم إمكانية توظيف التكنولوجيا لتحسين الإدارة، فإن استخدامها دون ضمانات لحماية الحريات يثير مخاوف من تعزيز المراقبة الأمنية للمواطنين.
وهنا تتجلى المفارقة الأساسية: فبينما يحاول النظام إظهار القوة والاستقرار، يركز في أعلى مستويات قيادته على الردع والرقابة واستعادة الثقة الشعبية. وترى المعارضة أن هذه الأولويات تعكس أزمة سياسية عميقة وخوفا من تكرار الانتفاضات السابقة.
فالأحكام القضائية لا تعالج التضخم والفقر، والمراقبة لا تزيل أسباب السخط، والإعدامات لا تستطيع توفير شرعية سياسية يفتقر إليها الحكم في نظر معارضيه.
إن الدلالة الأبرز للقاء خامنئي ومحسني إيجئي هي أن النظام، رغم امتلاكه أجهزة أمنية وقضائية واسعة، لا يزال منشغلا باحتمال عودة الشعب إلى الشوارع.
وفي المحصلة، فإن الاعتماد المتزايد على أدوات القمع يعكس، في التقييم المعارض، ضعف النظام أمام المجتمع وخشيته من انتفاضة جديدة. وما دامت الأسباب الاقتصادية والسياسية التي فجرت الاحتجاجات السابقة قائمة، فإن تشديد القبضة القضائية قد يؤجل بعض مظاهر الغضب، لكنه لا يستطيع إزالة جذوره أو ضمان استقرار دائم.



