خدم المنظومة

//خاص المدارنت//… لو وضعنا معظم الواعظين والمرشدين والمحاضرين واستشاريّي شؤون النجاح، وأصحاب كتب “كيف تصبح ناجحا؟”، و”كيف تكسب أول مليون؟”. و”كيف تجعلين الرجال طوع بنانِكِ؟”.. إلى آخر ما تتفتّق عنه عقول فطاحل الوعظ والإرشاد والنصيحة. لو وضعنا هؤلاء القوم جميعاً تحت مجهر النقد، لتبيّن لنا، أنهم هم أفضل الخدم وأنفع الأتباع للمنظومة الممسكة بزمام الأمور اليوم. أما كيف يكون ذلك؟ فالأمر في غاية البساطة.
بدل انتقاد الأنظمة المالية الجائرة، والمؤسسات الربَوية التي تتحكّم بالعباد والبلاد، وتمارس أعلى درجات الاحتكار المالي والابتزاز الاقتصادي، يلجأ جهابذة الوعظ والإرشاد إلى انتقاد الشخص العادي المسحوق، والذي يبلغ أقصى ما يصبو إليه من طموح، أن ينجو من الفاقة والذلّ، ولم يعد يطالب بحياة كريمة تليق بإنسانية الإنسان. بعبارة أخرى، إنهم يقولون للناس إن الأنظمة رائعة ممتازة، ملؤها العدل والإنصاف، وأنتم الفاشلون، إن لم تعرفوا من أين تؤكل الكتِف.
بدل انتقاد سياسات الحكومات والمؤسسات ودوائر القرار العليا، يعمد جهابذة الوعظ والإرشاد والاستشارة إلى التركيز على الفرد. وهم بهذا يضربون عصفورين بحجر واحد، يكرّسون روح المنافسة الشرسة بين الناس، إذ عليك دوماً أن تكون في المقدّمة لكي تنجو ببدنك، وهم بهذا يلغون التراحم، ويسحبون التكافل الاجتماعي من التداول، مما يرسّخ سيطرة عليّة القوم على مجريات الأمور، وفي نفس الوقت، يقومون بإعفاء الملأ المستكبر من مسؤولية سياساته، التي لا تخدم إلا المُترفين والمتنعّمين والمتجبّرين.
وأكبر دليل على أن هؤلاء القوم من بيّاعي النصائح المعلّبة، هم أعظم الخدم للمنظومة المهيمنة، أكبر دليل على ذلك، أنك قلّما تجد أحدًا منهم يعاني من الفقر والحاجة. فالمنظومة تملك من الدهاء ما يكفي لكي تعظّم الأجر لخدمها الخُلَّص، فتسوّق لهم أسباب الرفاهية، وتمدّهم بكل مظاهر العيش الرغيد والثراء الشديد.
ألقوا كلّ كتب كيف تنجح؟ وكيف تصبح مليونيراً، وكل الكتب التي تشاكلها في التفاهة والغثاثة وفي استخفافها بعقول الناس، ألقوها كلّها في سلاّت المهملات، وقوموا بتكرير الورق الذي صنعت منه لغايات أكثر نفعًا. أمّا أساطين هذا الميدان، فقاطعوهم، ولا تعيروا تسجيلاتهم ومقالاتهم وبرامجهم أيّ التفاتة.



