مقالات

دّعهُ يمرّ.. دَعهُ يعمل.. دَعهُ يَتملّك

د. حميل علي حمّود/ لبنان

//خاص المدارنت//… في الوقت الذي يسود في البلد حال من التوتر والسجالات والاحتجاجات، الناتجة عن مسعى السلطة الى إقرار موازنة “تقشّفية”، تحسن الايرادات وتخفض النفقات الحكومية بهدف تخفيض عجز الموازنة، في مواجهة ازمة لبنان الإقتصادية والمالية، بدات وزارة العمل بتنفيذ إجراءات تهدف الى تطبيق وتنفيذ قانون العمل اللبناني، بحسب إعلان وزير (العمل) كميل أبو سليمان.

وليس سراً، ان إجراءات تطبيق القانون وتنفيذه، تستهدف بشكل رئيسي النازحين السوريين، العاملين في لبنان من دون إجازات عمل، أو عقود عمل مثسجلة رسمياً لدى الدوائر الحكومية المختصّة. وكانت الوزارة قد استبقت إجراءاتها بحملة دعائية وإعلانية، تدعو فيها أرباب العمل اللبنانيين إلى توظيف أبناء وطنهم، لمكافحة البطالة التي وصلت إلى مستوى 35%، حسب بعض التقديرات المتداولة في الإعلام.

لكن اللافت للإنتباه في عمل الوزارة، كان شمول إجراءاتها اللاجئين الفلسطينيين، المقيمين في لبنان منذ نكبة فلسطين عام 1948، مما اثار موجة غضب واسعة النطاق، تجلّت في حال من التشنّج الذي انتشر في الخطاب السياسي، وإحتجاجات  في المخيمات الفلسطينية، وتعليقات مكثفة وواسعة على صفحات شبكات التواصل الإجتماعي.

وفجأة ومن دون سابق إنذار. تم إستحضار خطاب ولغة ومفردات الحرب الأهلية، التي اتّسمت بطابع الحقد والكراهية والعنصرية. كما عمد كثر إلى كيل الإتهامات، التي وصلت إلى حدّ التخوين والارتهان لأجندات خارجية، بما في ذلك صفقة القرن وتصفية القضية الفلسطينية.

في ظل هذا المناخ المتشنّج، الذي بات يشكل خطراً مستجداً نحن في غنى عنه في لبنان، الذي يرزح تحت وطأة مجموعة مشكلات وأزمات، ليس أقلّها أزمته المالية العامة والركود الاقتصادي. يتوجب علينا جميعاً عقلنة مسألة تطبيق قانون العمل على اللاجئين الفلسطينيين، باللجوء إلى معالجة هادئة وواعية، مجردة من استثارة الغرائز والميول الفئوية والخطاب الفتنوي. وفي هذا الإطار، نجد لزاماً علينا إلقاء الضوء على عدد من جوانب المسألة في سياقها المتوازن.

أولاً، لا يصحّ ربط إجراءات وزارة العمل بما يُسمى صفقة القرن، التي لا نزال نجهل معظمها، وبخاصة شقّها السياسي. إن هذا الربط يشكل إتهاماً شعبوياً متسرعاً، غير مبنيّ على الأدلة والوقائع. لقد توحّد لبنان حتى الان في رفضه صفقة القرن، في إجماع نادر، وليس هناك أي إشارات تدلّ على خروج وزير العمل أو حزبه على هذا الإجماع.

ثانياً، قد يكون وزير العمل عنصرياً، وقد لا يكون. لكن فرضية البراءة تبقى ثابتة، إلى حين إثبات العكس. كما أن الوزير ليس متهماً أساساً حتى يدافع عن نفسه. يجب علينا ان نتنبه الى أن صفة العنصرية ليست تهمة بسيطة تطلق جزافاً على أي كان. وعلى الرغم من تحفظنا على مقاربة الوزير أبو سليمان للموضوع، سنبيّن تحفظنا لاحقاً، فإن الوزارة تتعاطى مع قانون قائم ومُقرّ منذ زمن بعيد.

ثالثاً، لقد حصل الكثير من التطورات والتغيرات الكبيرة منذ توقيع إتفاق الطائف، الذي أنهى الحرب الأهلية. لم تعد مواقف لا “القوى الفلسطينية” في لبنان، ولا (حزب) “القوات اللبنانية” كما كانت عليه آيام الحرب. فيسجّل مثلاً للقوات اللبنانية تصالحها مع عروبة لبنان، وإلتزامها الموقع العربي العام في مواقفها ودعمها الصريح لإنتفاضات الربيع العربي، وإنخراطها في ثورة الأرز. كما يسجّل للقوى الفلسطينية وضع انفسها خارج نطاق مشكلات لبنان الداخلية، وتعاونها مع السلطة اللبنانية والتزامها بقوانين البلد.

من هنا نقول، إن العودة الى خطاب الحرب الأهلية، وكأن شيئاً لم يكن في غضون ثلاثة عقود من الزمان، إنما تُعبر عن إصرار البعض على البقاء خارج إطار الزمان والمكان، وعلى هامش حركة التاريخ.

رابعاً، يبدو أن معالي وزير العمل، قارب موضوع تطبيق وتنفيذ قانون العمل بالمطلق، ولم يأخذ بعين الاعتبار خصوصية وحساسية وضع الفلسطينيين في لبنان، ونعتقد أنه أخطأ في ذلك. فليس الفلسطيني في لبنان عاملاً أجنيياً، و لم يأتِ إلى لبنان البارحة، ولا نظن ان حلم حياته هو ان يستقر في زواريب (مخيّمات) عين الحلوة أو الرشيدية أو الميّة وميّة.. الخ.

خامساً، ليس من الواقعية والبرغماتية بشيء، أن نطلب من الفلسطيني رخصة عمل في مؤسسة صغيرة، هي نفسها على الأرجح غير مرخصة وغير مسجلة. فهل يخفى على وزارة العمل ان عدداً كبيراً جداً من المؤسسات اللبنانية الصغيرة والكبيرة هي غير مرخصة وغير مسجلة؟ ثم كيف لنا ان نطلب من الفلسطيني توقيع عقد عمل مع ربّ عمل، لا يريد عقوداً، ليتهرّب من دفع الضرائب وإستحقاقات الضمان الإجتماعي وغيرها؟

منذ زمن ليس ببعيد، أي بضع سنوات، كان يقدّر عدد الفلسطينيين في لبنان بأرقام تتراوح بين ربع ونصف مليون. أما اليوم فإن العدد لا يتجاوز 150 ألف، فهل نحن منتبهون أن تفريغ الفلسطينيين من لبنان سارَ على قدم وساق؟ وأنه لم يبقَ منهم على الأرجح إلاّ مَن هو في وضع جيّد جداً فلا يريد الهجرة، أو في وضع سيّء جداً، فلا يستطيع الهجرة؟

إلى متى يبقى الفلسطيني أسير زواريب المخيم، لا يستطيع العمل، ولا يستطيع التملك، ولا يستطيع العيش بحدٍ أدنى من الكرامة الإنسانية، بحجج واهية، كالتوطين وحق العودة وتحرير القدس؟ّ!

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى