رأيـــت الـلــــــــه*..!

“المدارنت”..
“والجمل الذى لا يضاجع أنثاه إلا فى خفاء وستر.. بعيداً عن العيون، فإذا أطلت عين لتري ما يفعله، امتنع وتوقف ونكس رأسه إلى الأرض!
هل يعرف الحياء…؟!
وخلية النحل التي تحارب لأخر نحلة، وتموت لأخر فرد فى حربها مع الزنابير!.. من علّمها الشجاعة والفداء؟!
وأفراد النحل الشغالة، حينما تختار من بين يرقات الشغالة يرقة، تحولّها إلى ملكة بالغذاء الملكي، وتنصّبها حاكمة.. فى حالة موت الملك من دون وراثة.. من أين عرفت دستور الحكم؟!
والفقمة المهندسة التي تبني السدود!.. وحشرات الترميت التي تبني بيوتاً مكيفة الهواء، تجعل فيها ثقوباً سفلية تدخل الهواء البارد، وثقوباً علوية تخرج الهواء الساخن!.. من علّمها قوانين الحمل الهوائى؟!
والبعوضة، التي تجعل لبيضها الذى تضعه فى المستنقعات أكياساً للطفو، يطفو بها على سطح الماء.. من علّمها قوانين أرخميدوس فى الطفو!..
ونبات الصبار، وهو ليس بالحيوان، وليس له إدراك الحيوان، من علّمه إختزان الماء فى أوراقه المكتنزة اللحمية، ليواجه بها جفاف الصحاري وشح المطر!..
والأشجار الصحراوية، التي تجعل لبذورها أجنحة تطير بها أميالا بعيدة، بحثاً عن فرص مواتية للإنبات فى وهاد رملية جدبية!..
والحشرة، قاذفة القنابل، التي تصنع غازات حارقة، ثم تطلقها على أعدائها للإرهاب!..
والديدان التي تتلون بلون البيئة للتنكر والتخفي!.
والحباحب، التي تضئ فى الليل، لتجذب البعوض ثم تأكله.. والزنبور الذى يغرس إبرته فى المركز العصبي للحشرة الضحية، فيخدرها ويشلّها، ثم يحملها إلى عشّه، ويضع عليها بيضة واحدة.. حتي إذا فقست خرج الفقس، فوجد أكلة طازجة جاهزة!!.. من أين تعلّم ذلك الزنبور الجراحه وتشريح الجهاز العصبي؟!
ومن علّم كل تلك الحشرات، الحكمة والعلم والطب والأخلاق والسياسة؟!.. لماذا لا نصدق حينما نقرأ فى القرآن الكريم أن الله هو المعلّم..
من أين جاءت تلك المخلوقات العجماء، بعلمها ودستورها، إن لم يكن الله من خالقها؟!..
وما هى الغريزة؟!.. أليست هى كلمة أخرى للعلم المغروس منذ الميلاد.. العلم الذى غرسه الغارس الخالق..
وقول الله تعالى: “وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ أَنِ ٱتَّخِذِی مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُیُوتا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا یَعۡرِشُونَ ٦٨ ثُمَّ كُلِی مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَ ٰتِ فَٱسۡلُكِی سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاۚ یَخۡرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَاب مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَ ٰنُهُۥ فِیهِ شِفَاۤء لِّلنَّاسِۚ إِنَّ فِی ذَ ٰلِكَ لَـَٔایَة لِّقَوۡمࣲ یَتَفَكَّرُونَ ٦٩﴾ [النحل ٦٨-٦٩].
ولماذا ندهش حين نقرأ أن الحيوانات أمم أمثالنا ستحشر يوم القيامة؟! .. وقوله تعالى:
“.. وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾.. السورة: الأنعام (رقم الآية: 38).
وقوله تعالى”: “وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [سورة التكوير: 1-14].
ألا يدلّ سلوك ذلك الأسد، الذى انتحر على أننا أمام نفس راقية، تفهم وتشعر وتحس وتؤمن بالجزاء والعقاب والمسؤولية.. نفس لها ضمير يتألم للظلم والجور والعدوان!!
وحينما نقرأ عن نملة تتكلم..
وقوله تعالى: “… قَالَتْ نَمْلَةٌ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَٰكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَٰنُ وَجُنُودُهُۥ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ..”.. (النمل.. 18)..
لماذا نقلب شفاهنا في استغراب؟!.. وكيف يمكن أن تتوزع الوظائف فى خلية من ألوف النمل..
وكيف يمكن أن يشترك الكلّ فى نشاط إجتماعي معقد ودقيق، من دون لغة يتخاطبون بها.. ودون وسائط للتفاهم!
ولماذا ينصرف ذهننا حينما نقرأ عن اللغات، إلى أنه لا لغات فى الدنيا إلا لغاتنا وحروفنا؟!..
وأن اذا كان على النمل، ان يتكلم فانه ليس امامه الا لغاتنا وحروفنا لكي يتكلم.. فإن لم نسمعه يتحدث بها فانه لا يتكلم ولا يمكن ان يتكلم!..
إنها نظرة الأفق الضيّق، التي نحاول أن نفهم بها كل شيء من خلال حدودنا البشرية، ومن خلال عاداتنا ومألوفاتنا..
وكأننا أمام خالق، أفلست وسائله، وأفلست حيله، فلم يعد له من أسباب ووسائل إلا ما دلنا عليه علمنا الظاهر!..
وننسي ان علمنا، هو قطرة من علومه ونفحة من نفحاته وإلهامه!
* من كتاب “رأيت الله” للمؤلف الراحل.




