مقالات

رجـــــل خـــارج الـــزمـــــن!

د. محمود المسلماني/ لبنان

خاص “المدارنت”..
الدنيا تغيرت، أمّا أبو مريم فبقي عصيّا على التغيير. كان وريث أبيه وجدّه في حبّ الأرض، وحميميّة التفاعل معها؛ فمنذ نعومة أظفاره كان رفيق أبيه في خدمتها، يحرث تربتها ويزرعها، يتعهّد نباتاتها بالسقاية والرعاية، ويجني مواسمها الوفيرة.
مع إشراقة شمس الصباح كانت تنطلق مسيرة عمله؛ فتراه وأباه على ظهر دابتين نشيطتين يرافقان قوافل الفلاحين التي تتحرك على طول الطريق الى “النهر”.
وهناك حيث الزروع والاشجار والخضار، يتنفس الفلاحون حبّ الأرض مع نسائم هوائها النقيّ، فتنتعش صدورهم، وتعمر أبدانهم بالقوّة والعزيمة والنشاط.
برفقة هؤلاء الفلاحين أمضى شطرًا طويلا من حياته، وطّد خلاله صحبة عميقة مع الأرض، فكان لا بدّ أن تثمر، وقد أثمرت وملأت بيته بغلالها وخيراتها الوفيرة.
لكنّ بقاء الحال من المحال. هجر الفلاحون أرضهم. منهم من وافاه الأجل، ومنهم من أقعدته الشيخوخة، ومنهم من طاب له الإسترخاء متّكئًا على مردود يسير من وظيفة أو تجارة أو مهنة تأتيه بما يسدّ العسرة ويقيم الأود في هذه الحياة.
مضى ذلك الزمن الذي كانت فيه الحقول والبساتين مسرح نشاط أهالي القرية، ومحور اهتمامهم. لقد تطوّرت الحياة ولم يعد الإنتاج الزراعيّ ليفي بحاجات ومتطلبات الحياة الجديدة.
كان البيت التقليديّ في الريف مكتفيًا الى حدٍ بعيد بما تؤمّنه الأرض من محاصيل؛ فحاجات طعامه وشرابه هي من خيرات تلك الأرض، وما تبقّى من حاجات أخرى – وهي قليلة – فتتأمّن بالتبادل، وببعض يسير من نقود متوفّرة.
لكنّ التطور وما أدخله على هذا البيت من أدوات وآلات وطرق حياة جديدة، جعل من ذلك الاكتفاء مستحيلًا.
لذلك كان من الطبيعيّ ان تخلو الأرض أو تكاد من روّادها، ليمسي ذلك الحبّ وتلك السواعد العاملة أثرًا بعد عين.
قلّة من الفلاحين ما برحوا على العهد؛ فما انقطعت لهم بأرضهم صلة إخلاص ووفاء. وأبو مريم واحد منهم، بل لعلّه الأخلص والأوفى بين هؤلاء.
عرفت “بو مريم” في طغولتي ومطلع شبابي. لا أذكر أنّني شاهدته يومًا، إلا وكان في عمل وشغل شاغل (يزرع يحرث، يروي أشجاره، يشذّب أغصانها، تحمل دوابه الزروع الى البيدر، يدرسها، ينقل الحبّ والتبن على دوابه الى المنزل…). وهكذا حتى خيّل إليّ وكأنّه آلة لا يضنيها إرهاق أو تعب.
مكثت هذه الصورة في ذاكرتي سنينًا طوالا، حتى لغدا الرجل نموذجًا حيًّا للفلاح الذي يعشق أرضه، ولا يفصله عنها حتى الموت، حيث يحتضن ترابها ترابه.
منذ أشهر كان الجوّ الاجتماعيّ ملبّدًا، فالأوضاع الإقتصادية متردّية، والناس في الشارع يشكون الفقر والحرمان.
خطر لي أن اقصد الرجل في داره، لأتعرّف على أحواله في هذه الضائقة التي يكتوي بنارها الجميع؛ فلطالما راودتني فكرة هذه الزيارة منذ زمن بعيد، وقد جاء اليوم المناسب للتنفيذ.
الجوّ خريفيّ ممطر على شيء من البرودة، واحتمالية أن ألقاه في المنزل واردة.
كنت في صبيحة ذلك اليوم، عند مدخل دار واسعة، يحيطها سور مرتفع من حجر غير مشذّب، أطرق بابًا خشبيًا كبيرًا، طَرقات متوالية، فيجيبني نباح كلب في الداخل، وصوت امرأة تصيح بالكلب زاجرة، وتسرع لفتح الباب المغلق.
– صباح الخير مريم.. “بو مريم” بالبيت اليوم؟
– وين بدّو يروح بهالشتا؟! تفضّلوا.
… سرت خلفها في باحة الدار، بجوار دجاجات كانت تتسابق لالتقاط الحبوب المنثورة لها من القمح والشعير. وعندما بلغنا باب غرفة العائلة، وجدت نفسي في مواجهة أم مريم، التي كانت تفرش الخبز المحمول لتوّه من التنّور على رقعة من قماش نظيف، مدّت لهذه الغاية؛ فما أن شاهدتني حتى صاحت مرحّبة:
“اهلين أستاذ خليل. كيف تفكّرت تزورنا؟ من زمان ما شفناك. إنت ابن المرحومة “جورية” اللي كانت رفيقتي الغالية.. تفضّل.. تفضّل.
… وأشارت الى “طرّاحة” بجانب الموقد، الذي تشتعل فيه أرومات من شجر المشمش الجافّ.
… قعدت، وفي أذني طرقات فأس تنهال بقوّة على جذوع من شجر، تتشقّق تحت وقع ضرباتها.
– شو ما بيستريح “بو مريم”.. عطول عنده شغل؟!
– راح حطّ تبن وشعير للدواب،. وعميهيّر شويّة حطب للنار.. ما عاد إلا يجي.
… ويقبل ابو مريم، وهو يتأبّط حزمة من حطب يضعها عند عتبة الغرفة، ويتوجّه نحوي بابتسامة عريضة، وهو يقول:
“كيف تاجينا عبالك يا استاذ؟!”..
هأنذا، أمام رجل ربع القامة عريض المنكبين، في وجهه ويديه خشونة الكادحين العاملين في تراب الأرض ونباتها. كان في كوفيته والعقال، وقمبازه ولباسه (سرواله) وفي حزامه العريض “الكمر” الذي يشدّ وسطه، صورة لوالدي الذي تغمّدته الرحمة منذ سنوات؛ فما أن اتّجه نحوي حتى هببت واقفًا، أصافحه بحرارة الحنين لذلك الماضي الجميل المفتقد.
– ما بشوفك غير عمتشتغل. العمر بيخلص والشغل ما بيخلص.
– شو هالشغل؟! شويّة حطب شقّفتهن للموقدة.
– كيفكن بهالأيام الصعبة؟ العملة ما عاد إلها قيمة. الناس جاعت، وما عاد تعرف كيف بدها تعيش.
– يا عمّي اللي بيترك أرضه بيجوع.. الله مبارك بالأرض.. الحمد لله نحنا بألف خير.. رزقاياتنا بيكفونا وبيفيضوا عنّا.. كل شي مأمّن: البرغل والعدس والحمّص والفاصوليا.. هيدي حبوبنا اللي منزرعها وبتعطينا فوق حاجتنا.. وعندك الزيتات والمربيات من اشجارنا اللي ما بتبخل علينا طول ما نحنا منأمّنلها العناية الكافية. وهالخبزات اللي عمتفلشهن أم مريم، هنّي من القمحات اللي طلعولنا من خيرات الأرض؟ شو بدّي عُدّلك يا عمي: المكدوس ولّا المخلّل والمقدّد، أو اللبن واللبنة والجبن والبيض اللي ما بيخلا بيتنا منهن؟!
… كان ابو مريم يتكلم ويفيض، كلّما وجد منّي اصغاء وانتباهًا، والحقّ أنّ هذا الحديث كان قد شدّني بقوة الى درجة أنني كنت اتابعه بكثير من الارتياح والإنجذاب.
شدّني حديث ابي مريم، ودهشت لما يصوّره لي من حال الاكتفاء الذاتيّ، لتوفّر كل هذه الحاجات الضرورية لديهم.
لكنّ للاسرة حاجات أخرى لا بدّ من توفّرها؛ فمن أين لهم ذلك في هذه الضائقة، وحيال وحش الغلاء الذي ينهش الجميع؟!
– بس في حاجات تانية للبيت؛ كيف بتأمنوها بهالغلا؟! ما بتشتروا شي من برّا؟
– يا عمّي نحنا قليل كتير اللي منشتريه من برّا. كل هالمقتنيات الحديثة اللي بتشوفها بالبيوت اليوم، اغلبها ما إلنا عازي فيه.
بيبقى هالشويّة تياب اللي لابسينها ومنغسلها وقت اللي بتتوسّخ، ومنشتري غيرها وقت اللي بتهتري. نحنا من خير الله موسم المشمش والتفاح، بيأمّنلنا شويّة مصاري، بيكفّونا وبيزيدوا وقت اللي بدنا نشتري شي.
الحمد لله الله كافينا ومانّا بحاجي لحدا.
… وما أن انهى جوابه حتى صاح بابنته:
” وين الفطور يا مريم؟ بدنا نتروّق نحنا والاستاذ “خليل”.
ولم يطل الوقت حتى بُسط “مشمّع” واسع على الارض، وصفّت عليه صحون الزيتون والزيت والزعتر ومربّى المشمش والتفاح، ومكدوس الباذنجان، والجبنة واللبنة والبيض البلديّ المسلوق، ووزّعت ارغفة الخبز الطازجة، وشرعنا بتناول حاجتنا من هذه الالوان المضمّخة بعطر الارض الطيبة.
وعندما حملت نفسي المفعمة بالمتعة وتوجهت للمغادرة بعد تذوّق ذلك الحديث الشيّق، وتلك الاطباق اللذيذة، كانت أسرة ابي مريم ترافقني الى مدخل الدار، وبيد مريم سلّة مليئة بثمار التين والعنب. لقد أبى هؤلاء إلا أن احملها الى أسرتي كهدية من خيرات الارض الطيبة.
حملت الهدية، واتجهت قدماي نحو سيارتي المتوقفة خارجًا، فيما كان الذهن يسلك بي وجهة أخرى، وجهة ذلك الماضي الجميل، ماضي الارض الطيبة والفلاح الخيّر الذي لا يجوع.
كنت اسير وفي العين فيض من دموع. توقّفت فجأة. أدرت النظر في ما حولي. وإذ تأكدت من خلوّ المكان، هَمَمت بفَمِي أقبّل التراب، تراب الارض التي اعطتنا الخير، ونفحتنا بهؤلاء الفلاحين الطيبين.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى