رسالة مفتوحة رقم “2” الى شباب “الثورة اللبنانية”
خاص “المدارنت”… كتب د. أحمد حمّود
يا شابّات وشبّان الثورة
تضمنت الرسالة الاولى بعنوان: “الشعب يريد إسقاط نظام الزعيم/الطائفة/القبيلة”، الذي أطلقنا عليه هذه التسمية، وفقاً لتحليل سياسي اجتماعي تاريخي لا مجال للتطرق اليه هنا، الدَعْوة لتبنّي خطّة عمل مبنيّة على عدة محاور مترابطة، أهمها: تنظيم الانتفاضة، تطوير آليات وأدوات مواصلتها، التوافق على سلّة حقوق ومطالب موحّدة واقعية وممكنة. كما تضمنت اقتراح تشكيل هيئة وطنية تنفيذية من الخبراء تقوم بدور ووظيفة “حكومة ظلّ، استعداداً لتحمل مسؤوليات ستفرض نفسها لاحقاً.
تنظيم الحراك
في هذه الرسالة، أول ما نشدِّد عليه هو المحور الأول، لأن من تجارب الشعوب والتاريخ الإنساني نستخلص بأن الاستبداد والفساد يدفعان الشعوب الى الثورة التي كثيراً ما تكون عفوية من دون أي تنظيم. كما نستخلص بأن وصول الثوار لأهدافهم المشروعة مشروط بأن يتنظّموا ويفرزوا من بينهم مَن يمثّلهم ويؤطّر حراكهم ويُجيّره لصالح الشعب والوطن. إن تنسيق وتنظيم الجهود ضروري من أجل تحقيق التناغم بين قوى وأفراد الثورة، كي يستطيعوا، كالفرقة الموسيقية، أن ينجحوا معاً في عزف نشيد الثورة.
من الطبيعي أن يتَحفُّظ الثوار ويتوجّسوا من العملية التنظيمية ومن فرز ممثّلين لهم، لأنهم يخشَوْنَ بشكل خاص سقوط هؤلاء في حبائل ومكائد وإغراءات السلطة وقواها وأركانها. لكن هذا لا يكفي لتبرير تأخير إطلاق العملية التنظيمية وبلورة تشكيلة وطنية تجسّد وحدة الثورة، وتنوّع وتعدّد قواها. صحيحٌ أن العفوية تحمي هذه القوى وأفرادها، لكنها لا تؤمّن ولا تَضْمن الاستمرارية لوقت طويل قد يكون ضرورياً للوصول الى الأهداف. هذا بالاضافة الى أنه عندما تنتقل الثورة الى مرحلة القرارات والاجراءات لتحقيق المطالب، ستعود هذه الحشود الهائلة إلى بيوتها، شئنا أم أبينا، وثمة عدد محدود سيتحمل مسؤولية استلام السلطة ومؤسسات الدولة.
وعليه، رغم ان هناك مجموعات وتشكيلات تنظيمية عاملة الآن في الساحات، لا بد من الإطلاق الفوري، في كل المواقع والمناطق، لعملية تشكيل “هيئات التنسيق الشعبية” المحلية (هيئة تنسيق في كل موقع) ينبثق عنها، عبر ممثّليها، “هيئة التنسيق الوطنية للثورة”. ويُراعى في تشكيلها التمثيل النسبي لكل الساحات، بحيث يكون العدد متناسباً مع حجم المناطق والحشود الثورية. كذلك لا بد من أن يتم التشكيل بشكل ديمقراطي، قَدَر المستطاع وضمن حدود الممكن عملياً.
أيّ شرعية؟
ثمّة سؤال مركزي يؤسِّسُ جوابُه لكل ما يتعلّق بالثورة وبمسيرتها وبوصول الشعب الى حقوقه: إستناداً الى أيّ شرعية يجب أن تواصل قوى الثورة حراكها وتسعى للوصول الى الحقوق المشروعة؟
شرعية السلطة والمُمْسكين بها أم شرعية المُمْسكين بالساحات في كل المناطق؟ شرعية الطبقة الفاسدة الحاكمة أم شرعية الشعب المظلوم المحكوم؟ شرعية النظام الفاسد أم شرعية الثورة؟
بالنسبة للثائرين، يجب أن يكون الجواب واضحاً: انها شرعية الشعب مجسّدة بثورته العابرة للمناطق والطوائف والفئات والطبقات والأجيال.
إن خروج هذه الأعداد الهائلة، وبخاصة من الشابات والشبّان، في مظاهرات حاشدة ومتواصلة منذ 17 تشرين الأول/أكتوبر، هو بحدّ ذاته إسقاط لشرعية نظام المحاصصة الطائفية والاستبداد والزبائنية والفساد ونهب المال العام… أضف الى ذلك، أليس “الشعب مصدر السلطات”؟ أليس الشعب هو صانع هذه الثورة والمُطالِبُ بالتّخلّص من مجمل الطبقة الحاكمة والحريص على الوصول بثورته الى استرجاع حقوقه كاملةً؟ والآن، بعد استقالة الحكومة، يبقى السؤال التالي مطروحاً: مَنّ يجب أن يُشكّل حكومة جديدة، حكومة الخبراء والاختصاصيين، ومَنّ سيمنحهم الشرعية والثقة؟ هل هم نفس أركان السلطة التي سقطت شرعيتها الشعبية؟
عن المواجهة
إذا كان الأمر كذلك، هل تصُحُّ مطالبة هذا النظام بالثورة على نفسه؟ وكيف لهذه السلطة المنخورة بالفساد حتى خلاياها، أن تتولى عملية التغيير الجدّي ضدّ وجودها وضدّ استمرار نهبها لمقدرات البلد؟ وهل تُعْقَل المراهنة على تخلّي هذا النظام طوعياً عن طبيعته وتخلّي أركانه عمّا راكموه من سلطات وثروات وممتلكات؟
إن المراهنة على هذه الطبقة الحاكمة، أو التراجع عن اسقاطها لن يجلب إلا المزيد من المحاصصة والطائفية والفساد والنهب والجوع والمرض… بحماية قوة الأمر الواقع وحزبها المسيطر المأمور من الخارج. إن ما يبشّر به أركان هذه الطبقة ممّا يُسمّونه إصلاحات، ليس إلا كذبة كبيرة جديدة واستخفاف بعقول الشعب وقواه الحيّة.
ان أركان وأفراد هذه الطبقة يعتمدون أساساً على هذه الحماية وعلى مشاركة هذا الحزب في السلطة، وانغماس قياداته أو بعضها على الأقل في المحاصصة والاستبداد والفساد… وليس سرّاً أن هذا الحزب بدوره يخضع، ارادياً وعلنياً وبوعي كامل، لقرارات مرجعه في طهران الذي حرّض ضد ثورتيّ العراق ولبنان واتهمهما بالعمالة لأميركا ولإسرائيل واصفاً التظاهرات السلمية بأنها “أعمال شغب”. فهل ستتخلى دولة هذا المرجع عمّا تتحكم به من نفوذ وسلطات وثروات وعمّا تعتبره “انتصارات” عبر وضع يدها على العواصم العربية الأربعة، من دون ضغط شعبي عظيم متواصل وبدون هوادة؟
إن كل الأطراف الداخلية والخارجية المتضررة من هذا الحراك الثوري، تُمارس الآن سياسة “عضّ الأصابع واللعب على الوقت”، أي المماطلة والمراهنة على: عدم قدرة الثائرين على الصمود في الساحات لفترة طويلة، واستمرار فقدانهم لتشكيلة تنظيمية، وعدم قدرتهم على تطوير وتصعيد الحراك، ومحدودية قدراتهم التمويلية الفردية والجماعية… وكل هذا يشكل جزءاً من تحديات المواجهة المفروضة على قوى الثورة.
مِمّا يعني، بكل واقعية، ضرورة مواصلة الحراك ضد الطبقة الحاكمة، كما يعني أن المواجهة معها قد تطول وقد تتطلب المزيد من الصبر والجهود والتضحيات والصمود، بخاصّةً عندما يؤخذ بالاعتبار طبيعتها وتركيبتها وتبعيتها المباشرة او غير المباشرة للمرجع الإقليمي الخارجي.
الخَصْمُ والحَكَمُ
لمّا كان “فاقد الشيء لا يعطيه” وأن “حامي الحِمى حَراميها” وأن الفاسد لا يمكن أن يحارب الفساد… فإنه يرتكب خطأً كبيراً من يطالب بالحقوق على قاعدة “فيك الخصامُ وأنت الخَصْمُ والحَكَمُ”، أي الاكتفاء باستقالة الحكومة، ومطالبة أركان الطبقة الفاسدة الحاكمة بتشكيل حكومة جديدة وانتخابات مبَكِّرة، وفقاً للآليات الدستورية!
هل يُعْقَل أن تمحض هذه الطبقة ثقتها لمن يجب أن يكون في برنامجه محاكمة أركانها واسترداد الأموال المنهوبة ووضع الفاسدين في السجون إلخ؟ ألا تُجمِع قوى الثورة على مطلب إسقاط الطبقة الحاكمة بما فيها الرئاسات الثلاثة؟ بل هل يمكن أن يتم التغيير المنشود بدون استلام السلطة ووضع اليد على مراكز القرار فيها؟
في هذه الظروف الاستثنائية، بما ان الآليات الدستورية والقانونية تتحكم فيها الطبقة الحاكمة، فإن الانتخابات المبكِّرة لا يمكن إلا أن تعيد انتاج معظم إن لم يكن كل الطبقة الفاسدة نفسها أو من جنسها. وهذا ما سيحصل بالضرورة إذا لم يتم إقرار قانون انتخابي عصري جديد تتولى إعداده هيئة مستقلة مؤلفة ممّن يُشهد لهم بالكفاءة والنزاهة وحرية الضمير ونظافة الكفّ والسيرة الحسنة، من خارج هذه الطبقة وحواشيها وتفرعاتها.
دور الجيش
ماذا عن الجيش وما هو موقعه ودوره في هذه الظروف؟ هل يمكن لقيادة الجيش أن تُجذِّر رؤيتها المتوازنة بحيث يلعب الجيش دور العرّاب لعملية التغيير والضامن لإعادة بناء مؤسسات الدولة على أُسُسٍ سليمة وحديثة؟
استناداً الى ما سبق ولغيره من الأسباب، بمجرد الانتهاء من تشكيل هيئات التنسيق الشعبية ومنها فرز “هيئة التنسيق الوطنية للثورة”، نقترح أن تبادر هذه الهيئة فوراً الى الاتصال بقيادة الجيش لتطّلُب منها ولتُشَجّعها على حسم خيارها بالوقوف مع مطالب الثورة، والى فتح حوار صريح معها حول العديد من القضايا ومنها تأكيد سيادة لبنان وحماية الوطن والاستقرار والأمن، المحافظة على سلمية الثورة وعدم التّورط بالصدام مع قوى الثورة، وبشكل خاصّ التنسيق والاتفاق معها على:
أولاً، تشكيل حكومة انتقالية مصغّرة، بعيداً عن أخطبوط الطبقة الحاكمة وتفرعاتها، مؤلفة من خبراء واختصاصيين تميّزوا بكفاءاتهم ومناقبياتهم ويُشْهَدُ لهم بالنزاهة وحرية الضمير ونظافة الكفّ والسيرة الحسنة.
ثانياً، محكمة خاصة ذات صلاحيات واسعة لمحاربة الفساد ومحاكمة الفاسدين، مؤلفة من قضاة ومحامين مِمَّن يتميّزون بنفس الصفات المذكورة لأعضاء الحكومة الانتقالية (فالقضاء بكل أسف ملوَّث أيضاً بالفساد).
ثالثاً، مرحلة انتقالية أقلُّها لمدة سنة، يتم فيها إقرار قانون انتخابي جديد معاصر، ثم إجراء الإنتخابات النيابية تحت إشراف مؤسسات ومنظمات دولية، تفتح الباب لاستكمال بناء مؤسسات دولة القانون الديموقراطية الحديثة.
رابعاً، إطلاق وإدارة حوار وطني شامل وعميق، من اجل بلورة برنامج عمل لإعادة بناء لبنان الجديد، القائم على أُسُسِ المساواة والعدل والحريات والحقوق والواجبات.
الوحدة الوطنية
إن هذه الثورة السلمية العظيمة لا مثيل لها من زاوية عدد المشاركين (أكثر من نصف عدد الشعب بما فيه الأطفال والعجزة)، وهي غير مسبوقة في لبنان، من زاوية انها لا تمثّل حزباً أو فئةً أو منطقةً أو مذهباً ولا غيره، وإنما تمثّل عموم الشعب اللبناني، بما في ذلك المضلّلين والمخدوعين والمغلوبين على أمرهم والخائفين من قمع قوة الأمر الواقع.
من هنا، فإننا نعتقد أن التاريخ سيسجّل 17 تشرين الأول/ أكتوبر ليس فقط كتاريخ لطيِّ صفحة الحرب بل الحروب الأهلية المشؤومة، وإنما أيضاً لإطلاق آليات بناء الوحدة الوطنية اللبنانية الحقيقية لأول مرة منذ تأسيس لبنان. ومن بين هذه الآليات التفاعل اليومي المباشر والحوارات الواسعة والعميقة الدائرة في كل المواقع بين المشاركين بالثورة وبخاصة الشّابّات والشُّبّان. وهذا بحدِّ ذاتِه كافٍ لتأكيد ضرورة مواصلة وتصعيد هذا الحراك الثوري الشامل ضد الطبقة الحاكمة بكل قواها وأحزابها وأركانها، التي لا يمكن أن يَنتج عن استمرار سلطتها إلا المزيد من الفساد والتخريب والشرور.
يا شابّات وشبّان الثورة
لقد صبرتم وصبر الشعب اللبناني عقوداً طويلة ومريرة، لكن لا مجال بعد الآن لتضييع الوقت بالانتظار، تقدّموا فوراً بدون أي تأخير لاستلام مقاليد الأمور، من أجل استرجاع الحقوق وإطلاق ورشة بناء لبنان الجديد، لبنان الوطن والمواطن السيّد الحر المستقل، على أُسُس الحرية والكرامة والديموقراطية والعدالة والعيش الكريم.



