رَحَل د. فؤاد خليل

كتب د. عبد الناصر سكرية/ لبنان
“المدارنت”
خطف الموت فجأة ومن دون مقدمات، د. فؤاد خليل، الأستاذ الجامعي وعالم الإجتماع والمناضل اليساري العنيد.
يتحدث عنه طلابه في الجامعة اللبنانية بكثير من الحب والتقدير..فقد كان أكثر من مجرد أستاذ مادة علم الإجتماع، كان مثقفا لهم بمعنى أنه يحرص على تزويدهم بثقافة تنويرية أوسع بكثير من المقرر الجامعي، كان يحيطهم برعاية أبوية يحثهم على الإنخراط في ميادين العمل الوطني، وما يقتضيه من متابعة وتضحية وآلتزام، واسع الأفق بما يكفي ليجعله يتجاوز الأطر الحزبية أو الفئوية أو المذهبية ليصبح مناضلا وطنيا صاحب رؤية ثقافية متكاملة، تدرك حجم الأخطار على الوجود العربي ولبنان في قلبه.
ولهذا، إرتقى على أي قيود فئوية وتفوق على أي إلتزام عقائدي منغلق جامد، لهذا تصدى للكتابة عن العروبة كهوية جامعة تشكل منطلقا لمواجهة كل الحروب التي يشنها الغرب الإستعماري على الوجود العربي، ولهذا أيضا تصدى لدراسة تاريخية حول نشوء وتطور الأمة العروبة، ودور الإسلام في بلورتها، مؤكدا على دور غير المسلمين من العرب في بلورة شخصية الأمة التاريخية، فيما خصص المشاركة المسيحية العربية في تلك البلورة، وما نتج عنها من حضارة عربية زاهية.
وأدرك من دون سواه من اليساريين، أهمية الإسلام، ليس فقط كدين، وإنما كقيم وثقافة وحضارية تتكامل مع العروبة، ومع الوجود المسيحي العربي الأصيل، أدرك د. خليل، مبكرا، أهمية حماية الفكر المقاوم للمشروع الصهيوني من الجمود الحزبي، كما من الفئوية والعصبيات الإنقسامية، ومن أي إرتهانات رسمية تكبل حركتها، وتفرض عليها إلتزامات سياسية، لا تصب في مصلحة التصدي الجذري للعدوان الصهيوني، وأخطاره المتعددة الجوانب..
تفرد د. فؤاد، بمثل هذا الفهم لطبيعة المواجهة المطلوبة، والإشتباك الدائم مع المشروع الصهيوني حتى دحره، ولطبيعة ومواصفات المقاومة اللازمة والمطلوبة والقادرة على الإستمرار والإنتصار.
تميز عن كثيرين غيره من القيادات الحزبية اليسارية، التي لم تكتسب البعد الثقافي والتاريخي الموضوعي الذي إكتسبه د. فؤاد، بجهده الشخصي ومثابرته وروحه النضالية التي لا تقبل السكون ولا الإنتظار..
تميز عنها جميعا بموقفه الواضح الحر، والملتزم في الوقت ذاته من قضية “المقاومة”، فلم ينزلق إلى مستوى الإرتباط أو الإرتهان أو الإستفادة المصلحية، مركزا دفاعه وتبنيه للعقل “المقاوم” عن التبعية كما عن العصبيات بأشكالها..
وفي الوقت الذي إنزلقت قيادات يسارية حزبية كثيرة نحو تبني إلتزامات ليبرالية فردية ومصلحية، وضعتها في صفوف النفوذ الغربي والأمريكي.
رفض د. فؤاد خليل، كل إغراءات المناصب والمكاسب والوجاهة التي تغري بها أدوات ذلك النفوذ؛ ليتحول إلى مناضل حر ومفكر لا تحرك عقله وتفكيره ودوافعه إلا قضايا الشعب والوطن والأمة، ثم قضايا الآنسان، وما يعوقها من قيود محلية وخارجية..
في خضم المواجهات الفلسطينية ضد العدوان الصهيوني، كان صوته مرتفعا ملتزما بقضية فلسطين، كقضية عربية جوهرية، وكقضية إنسانية رفيعة الأهمية، في الوقت الذي تخلى فيه يساريون كثيرون عن فكرة “المقاومة” ذاتها..
د. فؤاد خليل، بقي حتى آخر أيام حياته، لا يحمل همًا إلا الإنسان والوطن وقضاياهما..
عاجله الموت قبل أن نلتقي، كما تواعدنا مؤخرا على إطلاق حوار حول مكونات الهوية، ومدى تفاعل العروبة مع الإسلام في الطروحات الفكرية المعاصرة، وما تحتاجه من تعميق وتطوير وتدعيم..
د. فؤاد خليل، أحد أبرز مفكري يسار وطني متجدد، غير فئوي وغير تبعي، بل ملتزم بثوابت التكوين التاريخي للأمة العربية، حتى لكأنه تتلمذ على كتابات المفكر القومي العظيم د. عصمت سيف الدولة، فكان متوافقا مع الفكر الناصري وثوابت التجربة الناصرية ومنطلقاتها وغاياتها ..
رحمه الله، وجازاه خيرا بكل ما قدم، وما كتب، وما أنتج من أفكار، وما إتخذ من مواقف نضالية مثمرة، لصالح ما آمن به من أهداف وقضايا..



