مقالات

زواج “نافخ الكير بحامل المسك” فى السودان

كتب د. علي ابراهيم/ السودان*

//خاص المدارنت//…

بالتوقيع على الإعلان السياسي والوثيقة الدستورية في السابع عشر من هذا الشهر، وباختيار أعضاء المجلس السيادي ورئيس مجلس الوزراء في السودان، يكون قد أسدل الستار على أكثر أنظمة العالم استبدادا وقهرا وظلما وفسادا في العالم، طغى وتجبّر وساد على مدى ثلاثين عاما حسوما، وتكون قد بدأت كتابة صفحة جديدة في تاريخ السودان المعاصر، وسط أجواء يختلط التفاؤل والأمل، بالريبة والتوجس ويتقاطع فيه الخير والشر، وتبعد المسافة بين الطموحات وواقع تتجاذبه الأهواء والأغراض.

فالاتفاق تم بين المجلس العسكري الإنقلابي  وقوى الحرية والتغيير، ولكل منهما رؤية متناقضة وهدف مختلف ومتباين عن الآخر. وهذا يفسّر لنا أسباب تراجع المجلس عن التفاهمات التي كان يتفق عليها بمبررات واهنة، واتباع مسلك التلكؤ والمماطلة ووضع العراقيل، أمام توافق جمعي يوفي بمرامي ومضامين الثورة.

فى 19 ديسمبر، إندلعت شرارة الثورة ضد نظام البشير، وخلال أيام قليلة عمّت كل مدن وقرى السودان، وتواصلت بلا هوادة أو إنقطاع بسلمية لم تتجاوزها، على الرغم من محاولات النظام جرّها إلى دائرة العنف والتخريب. وقابلها بعنف وإرهاب وترويع غير مسبوق في التعامل السياسي، تجاوز فيه كل قواعد الخلق والمثل والمبادئ العرفية والإنسانية والدينية، خلّف مئات الشهداء والجرحى، وضاقت السجون بالمعتقلين.

وبعد مسيرة نضالية وصلت ذروتها في اعتصام الثوار أمام مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة، الذى قدر بأكثر من أربعة مليون ثائر وثائرة، والذي دشّن السقوط الفعلي للنظام. في هذه اللحظة التاريخية المفصلية، قامت اللجنة الأمنية المنوط بها حماية نظام البشير والدفاع عنه، بانقلاب القصر، والذي كان متوقعا من معظم المراقبين للمشهد السوداني، لمحاصرة التطور الثوري وتعطيل مسيرته، وتفريغه من أهدافه ومحتواه النضالي. ولم تفلح مسرحية الإدعاء بالانحياز الى الثورة في إخفاء الوجه الحقيقي للإنقلاب.

والإحساس الذي غلب على كل السودانيين في تلك الأثناء، أن الانقلاب هو انقلاب على الثورة أكثر منه انقلابا على البشير. وفشل قادته في تقديم الدليل القاطع على هذا الانحياز المزعوم، وكانت كل أقوالهم وأفعالهم  تدلّل على العكس تماما.

قاموا باعتقالات صورية منتقاة لبعض قادة النظام السابق، لذر الرماد في العيون، وأبقوا على كل مؤسساته العسكرية والأمنية والشرطية والعدلية والإقتصادية والإعلامية، وجعلوا من خلفهم جيشا من مستشاري النظام السابق، يقدمون لهم الخطة والنصح والتوجيه والإرشاد .

وصبوا عظيم جهدهم في شيطنة الثورة والثوار وقوى الحرية والتغيير، وسعوا سعيا حثيثا الى إيجاد حاضنة سياسية واجتماعية تشكل لهم غطاءًا يمنحهم شرعية مفقودة، باللجوء إلى الأحزاب الوهمية التي أنشأها النظام البائد، والتي أدعوا أن عددها فاق 170 حزبا، تحت مظلة نظام شمولي  يحتكر كل مصادر السلطة. وبذلك، دخلوا موسوعة “غينيس” للأرقام القياسية في الكذب والتضليل والخداع والمراوغة. عندما هانت حيلتهم وضعفت بصيرتهم، توجهوا إلى بعض قيادات الإدارة الأهلية والطرق الصوفية، فأغدقوا عليها العطايا والرشاوى ظنا في كسب ودّها وتأييدها، وبالتالي يتسنى لهم سحب البساط الشعبي والجماهيري من قوى الحرية والتغيير.

واقتفوا أثر النظام السابق في البطش والتنكيل، فقرروا وخططوا ونفذوا مجزرة فضّ اعتصام الثوار في ساحة القيادة العامة للقوات المسلحة، التي راح ضحيتها المئات من الشهداء والجرحى والمفقودين. والتي ستقودهم قطعا إلى حكم قاسي في توفر نظام عدلي مستقل، بعد اعتراف الناطق الرسمي للمجلس في لحظة تجلّي مشهودة بإرتكاب المجزرة. والاعتراف سيّد الأدلة.

وفي المقابل، يقف تجمع قوى الحرية والتغيير قائدا وحارسا وحافظا أمينا للثورة وقيمها ومبادئها ومسارها من الانحراف والتغوّل والسرقة والإجهاض. ولكنه يعاني من تناقضات جوهرية بين مكوناته المختلفة. فهو تحالف عريض، يضم طيف واسع فضفاض للقوى السياسية، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، إضافة الى حركات مسلحة ومنظمات المجتمع المدني. وقد استفاد المجلس العسكري أيّما استفادة من هذا التباين والاختلاف في الرأي والخطاب السياسي، الذي كان يظهر الى العلن بين الفينة والأخرى، ويبرز أحيانا في مواقف آحادية صادمة توضح بما لا يترك مجالا للشك، في أن التجمّع ليس على قلب رجل واحد. وهذا ما دعا المتحدث باسمه في احتفالية التوقيع الى أن يطالب بالوحدة وسدّ الثغرات.

والتحدي الذي يواجه هذه القوى، يتمثل في كيفية الحفاظ على وحدتها وهرمونية توافقها السياسي، وفي وضع هيكلة تضبط الإلتزام وتفرض التقيد بالأسس والمعايير التنظيمية، وفي إسكات الأصوات النشاز التي لا تستطيع صبرا على الصيام من الكلام الغير مباح.

وثمة مُهدِّد آخر، قد يهدم صرح قواها، يشكله الإحساس بتضخم الذات، والشعور بزعامة وهمية خلقتها أربعة شهور من الاعتقال أو المطاردة لدى بعض الشباب، واستلوا سيوف القتال ورفعوا معاويل الهدم لكياناتهم السياسية، وجعلوا منها جزرا معزولة تتناحر وتتصارع فيما بينها، وتفرغ رميها في محصلة قوى الحرية والتغيير.

وهذه الشهور المحسوبة، غير كافية لميلاد او استنساخ غيفارا أو هوشي منه أو بن بيلا، فالزعامة والقيادة تتطلب فكرا وعلما وفعلا ومسيرة وتجربة ونتيجة. ويقينى أن الإتفاق تم تحت وقع الضغوط الدولية، وفشل المجلس العسكري في الحصول على القبول والاعتراف والتأييد والمساندة المحلية والعالمية. وما كان ليتمّ، لولا صبر وجَلَد ومثابرة وحكمة الوسطاء الأفارقة.

هو اتفاق منقوص، لا يلبي أهداف وشروط  ومتطلبات الثورة كاملة، وفيه قدر من الثقوب ومواطن التأويل والزلل والإبهام. وفيه تنازل بيّن ومهمّ في بعض القضايا، التي لا تقبل التنازل أو الإخلال. والثورة الصحيحة تظل عصيّة على الانقسام، ونصف الثورة ليس بثورة في كل الأحوال.

وأعضاء المجلس العسكري الانقلابي، أصبحوا أعضاءًا في المجلس السيادي ضمن الاتفاق، وبصلاحيات ليست تشريفية كما أشيع على نطاق واسع قبل إبرامه. وهذه الكوكبة هي ربيبة نظام البشير. ولها معه روابط فكرية وسياسية وتنظيمية لن تنقطع بين يوم وليلة، وستقاتل من أجل الحفاظ على إرثه وموروثاته، وستعيد تكويره وتغليفه وتقديمه في نسخة جديدة، وبمفاهيم تتّسق وترتكز على نفس الفكرة والمنهج. والإتفاق بصورته الحالية، يعطيها هامشا كبيرا للمراوغة والتحايل والتسويف، والقفز عليه لتحقيق مراميها.

وستكون قوى الحرية والتغيير، حاملة لواء أهداف وقيم ومبادئ الثورة في التغيير الجذري، وكنس وإزالة آثار ومخلفات النظام السابق، وإقامة دولة الوطن والمواطنة السودانية، والديموقراطية القائمة على التبادل السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات، وبسط الحريات العامة، وحكم القانون، وإشاعة الأمن والسلام والعدالة، والحفاظ على حقوق الإنسان.

سيكون بين النقيضين صراع وتنازع مرتقب، فهل يفلح التزاوج بين النار والماء؟ لقد انفضّ الحفل، وغادر الوسطاء والشهود والمدعوون. وخَلا الجوّ والمكان. فهل ينجح زواج نافخ الكير بحامل المسك بميلاد جديد ومُشرق لسودان المستقبل؟ أم هو فراق بلا إحسان؟.

* ناشط سوداني

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى