مقالات

سقوط الوهم السلالي واستحالة إعادة إنتاج إرث الشاه! 

د. مصطفى عبد القادر، سوريا

خاص “المدارنت”
تتصدّر قضية البديل السياسي في إيران واجهة النقاشات الجيو/ سياسية المعاصرة، باعتبارها معضلة محورية تتجاوز حدود التغيير الداخلي لتلامس استقرار الإقليم بأسره وأمنه الاستراتيجي.

وفي خضم السجالات الدائرة حول مستقبل النظام الحاكم وآليات تفكيكه، برزت مقاربات نقدية حاسمة تفكك أطروحات عودة الحكم الوراثي وخطابها الترويجي المستهلك. وفي هذا السياق، قدم المدعي العام الأمريكي الأسبق وعمدة نيويورك السابق، رودي جولياني، مرافعة سياسية وقانونية صارمة أمام البرلمان الإيطالي، مجرداً مساعي إعادة تدوير نظام الشاه وواجهتها السياسية ممثلة في رضا بهلوي من أي مشروعية أخلاقية أو مؤسسية، ومؤسساً طرحه على سوابق ملاحقة الجريمة المنظمة والفساد المالي العابر للحدود، في خطوة تكشف عقم الرهانات السلالية.

يستند التقييم العميق الذي قدمه رودي جولياني إلى خلفيته المهنية الطويلة كرئيس لنيابة عامة خاضت معارك شرسة ضد شبكات الجريمة المنظمة والفساد الهيكلي في الولايات المتحدة. ومن هذا المنظور القضائي الصارم، يرفض جولياني مقاربة الملف الإيراني بمعزل عن المسؤولية الجنائية التاريخية لعائلة بهلوي؛ إذ يصف بنية الحكم السابـق بأنها تتطابق هيكلياً مع عصابات الاحتيال المنظم وشبكات النهب الممنهج لمقدرات الشعوب.

وفي هذا الصدد، أشار بوضوح تام إلى أن الأموال الضخمة التي جرى الاستيلاء عليها من ثروات الشعب الإيراني تفوق حجماً وخطورة تلك الملفات الجنائية المعقدة التي تعامل معها طوال تاريخه المهني القضائي. هذا التأسيس القانوني المحكم يعطل محاولات التطهير الإعلامي والترويج السياسي، مؤكداً أن الحملات الدعائية والخطابات الشعبوية لا يمكنها أبداً محو سوابق نهب الثروات الوطنية وسحق الحريات الأساسية للمواطنين.

لا تقتصر الإدانة القانونية على الجرائم التاريخية للآباء، بل تمتد لتشمل السلوك السياسي الراهن للوارث المزعوم، والذي يعكس عجزاً بُنْيَوِيّاً عميقاً عن استيعاب المتطلبات الديمقراطية الحديثة. إن إصرار ابن الشاه على تبرير الممارسات القمعية لوالده، ورفضه القطعي لقطع الصلة مع الإرث الديكتاتوري، يعكسان انعداماً تاماً للأهلية الإصلاحية والوعي السياسي. فالقادة الحقيقيون يولدون حصراً من رحم المعاناة الشعبية والتضحيات التنظيمية الجسيمة، لا من خلال الوراثة الريعية والامتيازات السلالية المتوارثة.

ومن ثم، فإن التمسك برواية بطولات مزيفة تتعارض جذرياً مع الحقائق التاريخية الموثقة حول قمع المواطنين وتسليم المقدرات السيادية لقوى أجنبية؛ يسقط أي رصيد أخلاقي محتمل للتيار المتبني لهذا الخيار، ويؤكد جلياً عدم أهليته لإدارة الشأن العام أو قيادة مرحلة الانتقال الديمقراطي.

على الصعيد الاستراتيجي الأوسع، يعكس الموقف الأمريكي والغربي رفضاً قاطعاً لا لبس فيه لأي محاولة مستلهمة لإحياء نموذج نظام الشاه البائد، لكونه خياراً تاريخياً مفرغاً من الصلاحية ومصنوعاً عبر أدوات الدعاية الإعلامية المضللة. إن إدارة دولة معقدة ومتعددة القوميات بحجم وتركيبة إيران تتطلب رؤية مؤسسية واضحة، وهياكل تنظيمية راسخة، وجذوراً نضالية حقيقية متأصلة في الأرض، وهي مقومات تفتقر إليها بالكامل الشخصيات المعتمدة حصراً على الإرث العائلي والامتيازات التاريخية البائدة.

إن تجاوز هذا الوهم السلالي بشكل قطعي ونهائي يمثل الشرط الموضوعي الأول واللازم لفتح الأفق أمام تحول ديمقراطي حقيقي يعبِّر بصدق عن الإرادة المستقلة للشعب الإيراني، بعيداً عن إعادة إنتاج أشكال الاستبداد القديمة أو الوقوع في شرك البدائل الزائفة التي تعيد تدوير الاستبداد بثوب آخر.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى