شدّوا الأحزمة لمواجهة تداعيات خفض تصنيف لبنان الائتماني

//خاص المدارنت//.. كتب د. جميل علي حمّود
فيما تنشغل اوساط لبنان السياسية باجازات شهر آب، غالبا خارج ربوع الوطن، وبالعمل على شكليات عقد جلسة لمجلس الوزراء، المغيّب منذ اكثر من شهر، تعيش الاوساط الاقتصادية والمالية والمصرفية حال من الترقب المشوب بالخوف والحذر، في انتظار اصدار وكالة التصنيف الائتماني العالمية “ستاندرد اند بورز” تقريرها الجديد، المتوقع في 23 أب الجاري.
هذا، ويسود مناخ من التشاؤم حيال التقرير المرتقب، لجهة توقع خفض تصنيف لبنان الائتماني من مستوى B إلى مستوى C، وهو الخفض الذي كانت وكالة “موديز” العالمية قد اقرته سابقا هذا العام. وفي حال أقرّت “ستاندرد اند بورز” خفض التصنيف بعد “موديز”، يزداد الضغط على وكالة “فيتش”، وهي وكالة التصنيف الائتماني الثالثة الابرز عالمياً مع الاثنتين السابقتين، لاقرار خفض مماثل.
علما، ان التصنيف الائتماني للدول، هو عملية تقييم لقدرتها على خدمة ديونها، اي دفع فوائد الدين، عند الاستحقاق وعدم التخلف. وتعمل وكالات التصنيف على تحليل المعطيات والمعلومات التي تجمعها من مصادر مختلفة، منها الدول نفسها، حول عدد من المتغيرات الاقتصادية والمالية والسياسية، التي تنتظم وتندرج في النهاية ضمن انموذج تقييمي محدد ومعتمد.
وعلى الرغم من بعض الاختلافات في نتائج التقييم، وبالتالي اعتماد سلم تصنيف يختلف من وكالة الى اخرى، تتشابه تصنيفات الوكالات الثلاثة الابرز عالمياً، بأنها تقوم على مراتب تصنيف تنضوي في ثلاث مستويات، وهي A أي جيد جداً الى ممتاز، B أي جيد الى مقبول، و C أي سيّء الى سيّء جداً. و بالتالي، فإن خفض تصنيف لبنان من قبل “ستاندرد اند بورزز” في تقريرها القادم، إن حصل، يعني وضع لبنان في مرتبة واحدة فقط ما فوق مرتبة الافلاس والتخلف عن الدفع وعدم القدرة على خدمة الدبون.
فما هي التبعات والتأثيرات المتوقعة لخفض تصنيف لبنان الائتماني؟ تشير النظريات الاقتصادية والمالية وتجارب الدول المماثلة عموماً، الى أن اقتصاد الدولة المخفض تصنيفه يتعرض الى جملة من الضغوط التي تترابط فتشكل تأثير “دومينو”، واعباء مستجدة ومستعجلة، تقع بخاصة على المصارف والهيئات الحكوميه، وتكاليف وخسائر متعددة ومتنوعة، تطال كافة طبقات المجتمع. هذا طبعا اذا استثنينا احتمال الافلاس كما حصل في اليونان، التي اضطرت للخصوع لشروط اوروبية ودولية قاسية جداً، مقابل التعويم والانقاذ.
وما شاع من تقارير صحفية عن إمكانية طلب الدولة اللبنانية الى صندوق النقد الدولي التدخل لمساعدة لبنان، الا إشارة أولية لقساوة الشروط التي سيفرضها الاخير، ثمنا لتدخله، والتي سبق وأفصح عنها في تقارير متتالية، تشمل رفع الضريبة على القيمة المضافة الى 15%، رفع الضريبة على الودائع المصرفية وتثبيتها بشكل دائم، فرض ضريبة تساوي 5000 ليرة على البنزين، تحرير صرف اللبرة اللبنانية (أي ترك سعرها مقابل الدولار يتحدد وفق قوى العرض والطلب)، ووقف الدعم عن عدد من السلع مثل الخبز و غيره.
اما بعيدا عن تسليم رقبتنا الى صندوق النقد الدولي، فيمكننا توقع التداعيات التالية، باختصار شديد تجنباً للاطالة:
أولاً، هناك عامل تأثير نفسي ومعنوي سيغيّر في ذهنية معظم المتعاملين والمتفاعلين مع الاقتصاد اللبناني، من دول ومؤسسات دولية وشركات ومصارف اجنبية ومستثمرين وتجار ومنتجين وغيرهم. و غالباً، ما يترجم هذا العامل النفسي والمعنوي بكثير من التشدّد وفرض الشروط وطلب الضمانات، ويصل في حالات الى حدّ تجنب التعامل مع لبنان.
ثانياً، سيؤدي التصنيف الجديد المنخفض، الى ازدياد صعوبة تمويل الدولة اللبنانية، عبر بيع سندات الخزينة، نظرا لتخفظ المصارف والمستثمرين ازاء شراء السندات.
ثالثاً، نظرا لارتفاع منسوب مخاطر امكانية التخلف و عدم السداد، ستضطر وزارة المالية الى رفع الفوائد المرتفعة اساساً على اصداراتها الجديدة. و هذا ما يزيد في تكلفة خدمة الدين العام، وبالتالي عجز الموازنة.
رابعاً، يتوقع ان ينخفض الاستيراد، نظراً لبروز شروط جديدة يطلبها التجار الاحانب من نظرائهم اللبنانيين، وهذا ما يساعد في تحسين صورة ميزان المدفعوات، ولكن على حساب النمو و الاستثمار والاستهلاك.
خامساً، ستضطر المصارف اللبنانية المكشوفة أصلاً الى الدين العام بنسبة تصل الى 69% من موجوداتها، حسب ارقام صندوق التقد الدولي، الى اعادة تقييم المخاطر المرتبطة بما عندها من استثمارات في ديون الدولة. على ان رفع منسوب المخاطر سيحتم على المصارف زيادة المؤنة المخصصة لدرء المخاطر في رأسمالها، الى حدود 12% للالتزام بالمعايير الدولية (اتفاقية بازل). فمن اين تأتي المصارف بالأموال المطلوبة، وهي التي وضعت تقريبا كافة بيضها في سلة الدولة ومصرف لبنان؟
هنا تأتي هندسة مالية مبدعة جديدة، تمثلت في اجراء استباقي لمصرف لبنان، عبر عنه عبر التعميم رقم 519. فقد سمح مصرف لبنان للمصارف ان تعمل على استقطاب دولارات من خارج الحدود، وتجميدها لثلاث سنوات، مقابل عائد مرتفع جدا يصل الى اكثر من 14%. على أن تودع المصارف هذه الدولارات في مصرف لبنان، مقابل هامش ربحيّة معيّن وتسجل الارباح في تقاريرها المالية هذه السنة وقبل تحققها فعليا. وهذا ما يسمح بتخفيف ضغط اعادة الرسملة على المصارف دفتريا و ورقيا، ويظهرها بوضع مالي جيد. علما ان تكلفة اتقاذ المصارف ومساعدتها في هذه الحالة، تأتي على حساب المال العام كما في الهندسات المالية المبدعة السابقة.
سادساص، يتوقع ان تعمل بعض المصارف الأجنبية المراسلة، على اعادة النظر في التعامل مع المصارف اللبنانية. وهذا ما يُعوّق اعمال المصارف اللبنانية، وبالتالي، التجار اللبنانيين. وقد تعمد بعض المصارف المراسلة الى وقف التعامل مع لبنان.
سابعاً، قد يؤدي المناخ المالي الصعب الى فرض اجراءات حكومية، تمنع تحويل الليرة الى عملات صعبة، كما تمنع تحويل الاموال الى الخارج، في مسعى لحماية الليرة اللبنانية.
ثامناً، وهنا، نتناول الاحتمال الاخطر، ويتمثل باحتمال فقدان ثقة المودعين اللبنانيبن بالمصارف اللبنانية. في هذه الحالة يعمد المودعون الى سحب اموالهم من المصارف باعداد كثيرة، ومبالغ كبيرة، لن تكون موجودة في المصارف، فينهار القطاع المصرفي.



