صحيفة عبرية: النزاع مع الفلسطينيّين كان وسيبقى مركز الحاضر السياسي!

“المدارنت”
تناولت الحملة الانتخابية الحالية كالعادة شخصية نتنياهو وقيادته. ولكن القضية الحقيقية المطروحة للنقاش ليست هوية رئيس الحكومة، بل مستقبل النزاع مع الفلسطينيين. في الانتخابات السابقة قبل أربع سنوات، تم تهميش مشكلات إسرائيل الأمنية وعلاقاتها الخارجية تحت غطاء وهم إدارة النزاع. كان هجوم حماس في أكتوبر والحرب منذ ذلك الحين بمثابة تذكير مؤلم بثمن تجاهل الفلسطينيين.
أما الآن، فالواقع أكثر تعقيداً. ففي غزة يكتظ مليونا فلسطيني في مخيمات النازحين، ويسيطر الجيش الإسرائيلي على معظم القطاع. وفي الضفة الغربية، تنخرط إسرائيل في جهد مشترك من البناء المخطط له، والاستيلاء على الأراضي، وإرهاب المستوطنين، لدفع الفلسطينيين إلى جيوب تتقلص باستمرار. وتهدد عدة دول غربية بفرض عقوبات بسبب سياسة إسرائيل في الأراضي الفلسطينية. وتزداد في الولايات المتحدة الدعوة إلى تقليص المساعدة الأمنية، وحتى وقفها.
الحكومة التي ستشكل بعد الانتخابات ستواجه سؤالاً حاسماً، وهو: هل تستمر بتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية وعرقلة إعادة إعمار غزة، أم تحاول تهدئة الانتقادات الدولية على أمل أن تخفف سياسة إسرائيلية متصالحة أكثر تجاه الفلسطينيين من اتهامها بارتكاب إبادة جماعية؟
اختار نتنياهو جانباً واحداً: الاستمرار في توسيع المستوطنات والإرهاب اليهودي في الضفة الغربية، حتى لو كلف ذلك عقوبات قاسية من النوع الذي طالب المجتمع الدولي بفرضه على إيران. ويتضح ذلك من إعلانه أن إسرائيل ستدفع بالعملة المشفرة بعد قطعها عن النظام المالي الدولي. بالنسبة لرئيس الحكومة وشركائه في اليمين المتطرف، يعتبر المضي في مشروع البناء في منطقة إي1 قرب “معاليه أدوميم”، الذي أدى نشر المناقصات لبناء وحدات سكنية هناك إلى إشعال مبادرة العقوبات الأخيرة ضد إسرائيل، يعتبر أهم من الدولة المزدهرة والاقتصاد المتطور.
قد ينظر إلى حديث نتنياهو عن العملة المشفرة على أنه محاولة يائسة لجذب الانتباه في اللحظة الحاسمة للحملة الانتخابية. ولكن الأمر ليس مجرد كلام. فقد عملت حكومته على تعميق الاحتلال وقمع الفلسطينيين، معتمدة على دعم فعال ولامبالاة الجمهور اليهودي في إسرائيل منذ مذبحة 7 أكتوبر. وحتى الآن ما زال عدد قليل جداً من اليهود الإسرائيليين يظهرون تعاطفاً مع الفلسطينيين بشكل عام، ومع سكان غزة بشكل خاص.

لقد أدى تصاعد الهجمات ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وتهميش قطاع غزة إعلامياً، إلى إثارة جدل سياسي جديد حول السيطرة على “المناطق”. وانتقاد تصرفات نتنياهو، حتى لو كان ذلك على أساس أنها تشكل خطراً على العلاقات مع الغرب. يتحدث غادي ايزنكوت، الذي برز في الحملة الانتخابية كرئيس لكتلة التغيير، بصراحة عن “الإرهاب اليهودي”، وقد أظهر تحفظه بشأن المضي في خطة البناء في منطقة إي1 “في الوقت الحالي” (وهو موقف تبنته كل حكومات إسرائيل، بما في ذلك التي كان يترأسها نتنياهو حتى قبل بضعة أشهر).
آيزنكوت يعرف طبيعة المنطقة جيداً بحكم خدمته العسكرية، ويفهم أنه إذا نجح في إزاحة نتنياهو، فسيتوقع منه المجتمع الدولي قبل أي شيء آخر إظهار تغيير في مسار العمل في الضفة الغربية، ليس إقامة دولة فلسطينية مثلما تقول دعاية اليمين، ولا استئناف عملية أوسلو بسرعة، بل تجميد المناقصات وكبح الإرهاب اليهودي بشكل حازم. لن يكون الأمر سهلاً، فقد انخرط المستوطنون والسياسيون الذين يدعمونهم في نضال للحفاظ على ما حققوه في السنوات الأربع للحكومة السابقة، وستتعامل كتلة التغيير مع الخلافات الأيديولوجية داخلها لصياغة سياسة متفق عليها وتنفيذها.
حاول نتنياهو كالعادة تخويف الناخبين من فكرة “فلسطين”، بهدف إبعاد النقاش عن إخفاقاته قبل الحرب وخلالها، وعن تسلل قطر وعملائها إلى دائرته القريبة. ويعرف أيضاً أن كتلة المعارضة تتجنب القضية الفلسطينية خشية الظهور بمظهر المراوغ. ولكن بعد تجاوز الشعارات والمواقف السياسية، لا يمكن تجاهل الحقيقة. فالنزاع مع الفلسطينيين يشكل صورة إسرائيل. وحتى لو كان الحديث عنه نادراً أو تقديم حلول له، فسيبقى في لب الوجود السياسي وعملية اتخاذ القرار.



