مقالات

على المقلب الآخر.. الجزء “16”.. أنور القادري “Envar el Kadri” مقاتل ألقى السلاح

//خاص المدارنت//.. كتب عبد الناصر طه/ لبنان

والده “خالد القادري”، لبناني هاجر من بلدة القرعون في البقاع الغربي الى الارجنتين عام 1927، والدته “استير أماليا منّا” من أصل إيطالي، لقبه المعروف به “Cacho” ولد عام 1941، في عائلة تجري الدماء البيرونية في عروقها (نسبة الى الجنرال خوان بيرون، الرئيس الارجنتيني بين عامي 1946-1955، ثم بين عامي 1973-1974. ما شجعه على الانخراط المبكر في العمل السياسي، يوم كان في الرابعة عشرة من عمره، تلميذًا في المدرسة العسكرية، عام 1955، وبعد الانقلاب العسكري على الرئيس بيرون؛ حيث رفض القادري دخول الجيش الى مدرسته، والطلب من تلامذة المدرسة العسكرية إتلاف الكتب التي تروّج للبيرونية، وذلك أدّى الى طرده من المدرسة، وحرمانه من حلم الوصول الى رتبة ضابط كما كان يخطط له والده.

ولم يلبث الا قليلاً، حتى أسّس مع احد أصدقائه “الشبيبة البيرونية”، وهو ابن ستة عشرة ربيعًا، وكانت مهمتها وضع شعارات البيرونية وصور الرئيس بيرون على جدران الاحياء الشعبية، وكان ذلك يعتبر بمثابة جريمة، بعد ان قررت الحكومة العسكرية حظر كل ما يمتّ الى البيرونية بصلة.

أنبار القادري مع والدته استير وشقيقته ساريتا. صورة ارسلتها عائلة القادري في الأرجنتين خصيصاً لموقع “المدارنت”.

التحق أنبار “بكلية الحقوق في جامعة قرطبة”، التي اشتهرت بنضالها الثوري، وترأس اللجنة الطلابية في كليته، وما ان نجحت الثورة الكوبية عام 1959، حتى انتلقت الشبيبة البيرونية الى العمل المسلح، أسّس مع زميلهGustavo Rearte ، كوماندو المقاومة البيرونية، اول تنظيم مسلح في الارجنتين، وما ان نجحت اول عملياته العسكرية ضدّ بعض رموز الحكم العسكري، حتى انطلقا الى تأسيس الجيش البيروني للتحرير الوطني (EPLN)، الذي بدأ بالعمليات القتالية فور تأسيسه، بمهاجمة الثكنات العسكرية والاستلاء على الاسلحة، وتوسيع الانتشار على مستوى الارجنتين بكاملها، لكن الجيش الارجنتيني استطاع اعتقال القادري عام 1961، لمدة سنتين، خرج بعدها مستفيدًا من العفو العام الذي صدر عام 1963.

عن تلك التنظيمات يقول أنبار: “قامت مجموعة من الشبان الارجنتينيين من دون أي دعم خارجي، من دون ذهب موسكو ولا فضّة كوبا، لقد قررنا الشروع في الكفاح الثوري؛ لكن ذلك لم يأتِ بغتة؛ لم نستيقظ ذات صباح ونقول نحن متمردون، نريد ان نغيّر العالم، وإن جاء نتيجة نضال طويل، على الرغم من صغر سِنّنا، لأننا كنا شاهدَين على الكيفية التي انتكهت بها سيادة الشعب، “الديموقراطية وحقوق العمال”.

توجه القادري بعد خروجه من السجن الى لقاء الجنرال “بيرون” في منفاه ، ليتفق معه على فكر الثورة وكيفية تنظيمها، وليجد ان “بيرون” يودّ العودة الى الحكم من دون إراقة دماء، ولا يحبّذ الخيار المسلح في تلك المرحلة؛ ويضيف: إن الجنرال أخبره انه سيعود الى الارجنتين في العام التالي، وانه اذا منع من الدخول عندها يمكن اللجوء الى العمل المسلّح، وبالفعل فقد مُنع بيرون من دخول الأرجنتين، وأرغم على مغادرة الطائرة التي اقلته عند توقفها في مطار ريو دي جانيرو في البرازيل، باتفاق بين الحكومتين العسكريتين في كل من الارجنتين والبرازيل.

آنذاك، وبعد تصريحات للجنرال تشير الى موافقته على العمل المسلّح، اعتبر “أنبار” ان خيار الكفاح المسلح اصبح مفتوحًا على مصراعيه، فأسّس القوات المسلحة البيرونية (FAP)، وبدأ بتشكيل مجموعات في القرى والارياف الجبلية، موازاة مع ذلك تم التخطيط لاقامة معسكرات في المدن؛ وما لبثت الحكومة العسكرية ان اعتقلت قيادة التنظيم وعلى رأسها “أنبار القادري”. واذ لم تستطع حرب العصابات إسقاط النظام العسكري، فإنها ساعدت في إجبار العسكريين على التخلي عن السلطة، والدعوة الى انتخابات رئاسية حرّة عام 1973، فازت فيها الحركة البيرونية مجددًا، ولكنها كانت قد انقسمت الى تيارين: محافظ وثوري، كان القادري أحد رموز التيار الثوري؛ ثم كانت وفاة الجنرال بيرون، وعجزت أرملته “ماريا استيلا” التي خلفته في الحكم، عن إعادة الاستقرار الى الحركة البيرونية، ذلك ما أدّى الى نجاح انقلاب عسكري قاده الجنرال “خورخي فيديلا” عام 1976، والذي أدخل البلاد في أتون الاجرام، الذي خلّف عشرات الآلاف من القتلى وآلاف المفقودين ما بين 1967 و1983 على يد فرق الموت التي أنشأها؛ حيث توحدت الفصائل الثورية المسلحة جميعها في تنظيم “مونتونيروس”Montoneros ، كان القادري ضمن قادته الأوائل.

انقسامات داخل الحركة البيرونية:

وبعد عودة الديموقراطية عام 1983، وعودة البيرونية إلى الحكم مع الرئيس كارلوس منعم عام 1989، استمر انبار القادري في موقفه الرافض للبيرونيين المحافظين، رافضا عروضًا متعددة من الرئيس منعم للمشاركة في السلطة عبر إحدى الوزارات، أو في الانضمام الى فريق مستشاريه، لان “منعم” بنظره كان يمثل الليبرالية الجديدة، وليس البيرونية الحقيقية، ويقول في هذا الصدد: “لا علاقة لمنعم بتاريخنا ولا بكفاحنا، فقد سلّم البلاد وباع الاقتصاد وأهدى مصادر ثروتنا للاجانب، واضّر بمصالح الطبقة العاملة”.

عام 1963، انقسمت الشبيبة البيرونية الى تيارين: الاول يقوده القادري، وأطلق على نفسه اسم “حركة الشبيبة البيرونية”، والثاني أطلق على نفسه اسم “الشبيبة الثورية البيرونية”، وتفاقم الخلاف في صفوف أنصار بيرون، أثناء مرحلة نفيه الى اسبانيا؛ وذهب قسم كبير منهم باتجاه الماركسية. وعلى الرغم من اندماج الفصائل الثورية في تنظيم “مونتونيروس”، فالانقسام كان يتعمّق بين التيارين: محافظ، وثوري يتزعمه أنبار.

ولا شك ان فكره السياسي كان يتقاطع مع افكار “غيفارا”، ويفتخر “القادري” بتأثره بالزعيم الثوري، فقد التجأ الى جبال الارجنتين ليقود حرب عصابات، في مكان غير بعيد عن جبال بوليفيا؛ وهو شبيه غيفارا بانتمائه الى عائلة ثرية، أحسّت بالظلم الاجتماعي الذي يطال أكثرية الشعب؛ وهو مثله أيضًا، حين اعتبر أن حمل السلاح هو الخيار الوحيد لتحقيق الديموقراطية؛ وكثيرًا ما ردّد مقولات غيفارا، ومنها، “الحافز على الثورة هو أن تحسّ بأن الحيف الاجتماعي الذي يمارس في حق أي شخص في أي مكان في العالم يمارس ضدك أنت”، و”الثوري الحقيقي هو ذاك الذي يحركه الاحساس بالغضب حيال الظلم”. وفي مجال الاغتزاز بغيفارا يقول: “احسست دائمًا أنني قريب جدًا من أرنستو، كان بالنسبة اليّ بمثابة الأخ الأكبر”، وذلك دفعه إلى انتاج فيلم وثائقي قام ببطولته، موضوعه رحلة طويلة يقوم بها برفقة شاب أرجنتيني الى كل المناطق التي زارها غيفارا في أميركا اللاتينية، وصقلت حسّه الثوري. أثناء تلك الرحلة، يجيب عن اسئلة الشاب الذي يكتشف مفهوم الثورة، من خلال التقاطع الموجود بين حياتي غيفارا والقادري.

عام 1974، ابتدأت مرحلة جديدة في حياة “انبار القادري”، فقد وصلته تهديدات بالقتل من الميليشيات اليمينية Triple A) ، فاختار المنفى بدءًا ببيروت 1975، حيث اقام عند عمّه “منير القادري”، ولم تطل إقامته حتى بدأت الحرب اللبنانية، فاختار الذهاب الى اسبانيا، التي اعتقلته بناء على طلب من الحكومة العسكرية الارجنتينية، بعد مشاركته في نشاطات تدين الانقلاب، ومساهمته في انشاء تجمعات وحركات تدين المجازر التي تحصل في بلاده؛ وكانت آخر محطات منفاه العاصمة الفرنسية باريس، حيث اختار طريقًا آخر للنضال، طاويًا سنوات الثورة وحرب العصابات، واعتماد الكفاح المسلح وسيلة لتحقيق اهدافه.

اكمل دراسات عليا في كلية الحقوق، واشترك مع آخرين في انتاج مشاريع سينمائية، وأخرى موسيقية؛ وكانت له مساهمات فعالة في التحركات السياسية والاعلامية والشعبية في فرنسا، مساندة للشعب الارجنتيني، الذي ذاق الأمريّن على يد الطغمة العسكرية التي قتلت اكثر من ثلاثين ألف مواطن بعد الانقلاب الدموي عام 1976.

وفي اكثر من مقابلة صحفية، اعترف “أنبار” بالاخطاء التي ارتكبها هو ورفاقه، عندما حاولوا فرض الثورة على الشعب. ويقول: “حاولنا حرق المراحل واختزال الفرص، لم نكن ندرك ان زمن الشعوب مختلف، وانه كان علينا ان نحترم مفهوم الشعوب للزمن بين الموت والانتظار، الشعوب تفضل الانتظار”.

ومع ذلك، لم يفقد الامل في ان تحقق اجيال الشباب ما فشل فيه جيله، فيقول: “خسرنا، لم نستطع القيام بالثورة، لكن حاولنا، نحاول، وحقنا ان نحاول مستقبلاً، وسنكون من الفائزين كلما قرأ شاب هذه الافكار، وعرف أن ليس كل شيء يشترى ويباع، وكلما عبر عن ارادته في تغيير العالم”.

في تكريم أنبار القادري

توفي أنبار في 19 تموز عام 1998، عن عمر يناهز 57 عامًا، ودفن في المقبرة الإسلامية في بيونس أيرس.

وكان قد اوصى أن تنثر على قبره حفنة تراب أخذها معه من لبنان، حينما زاره عام 1975؛ وترك أكثر من كتاب حول نجاحات واخفاقات الحركة البيرونية، وفيلمًا يحمل اسم “che Ernesto”، واخرج “دافيد بلاوستاين” فيلماً عن حياته عام 1996، اطلق عليه اسم: صيّادو الاحلام؛ وصدر اكثر من كتاب تناول حياته ونضاله.

وبعد اكثر من عشرين عامًا على وفاته، لا يزال “أنبار القادري” يعتبر رمزاً من رموز الحركة الثورية الأرجنتينية، واعترافًا منهم بذلك، أسّس المهتمون بفكره ومساره الثوري: “مركز الدراسات من اجل التغيير الاجتماعي إنبار القادري. في مدينة روساريو”، ذات الرموز الثورية، ومسقط رأس مثله الاعلى “تشي غيفارا”.

وكان له تكريم ممّيز برعاية رئيسة الارجنتين السابقة، “كرستينا دي كيرشنر”، في قاعة المركز الاسلامي في بوينس أيرس، في 23 آب العام 2012 بعد أربعة عشر عامًا على وفاته؛ وكان برفقتها نائب الرئيس ووزير الخارجية وكبار المسؤولين في الدولة. ومّما قالته في ذلك التكريم مخاطبة السيدة “استير” والدة ” أنبار”: “هذا يوم خاص جدًا، لأنني عرفت انبار فكريًا، قبل أن أتعرف عليه شخصيًا، خلال فترة الشباب، بداية الشباب”.

وقالت: “لدينا مجموعة من الرجال والنساء الذين قدّموا حياتهم من أجل سعادة الشعب ووفاء للوطن، حيث أن التاريخ يبنى من خلال المجموعة، وليس من الافراد؛ وأنا على يقين أن “Cacho”  كان يؤمن بالعمل التاريخي الجماعي”.

وفي لفتة الى انتماء زوجها الى البيرونية اليسارية، التي كان أنبار أحد أهم مؤسسيها، قالت: “أنا بيرونية، نستور بيروني (زوجها، رئيس ارجنتيني سابق)، أنبار بيروني”.

خاتمة:

وهكذا، تعرّفنا الى سيرة كفاح متواصل، بطلُها ابن مهاجر لبناني من بلدة القرعون، ما يزال صدى كلماته يسمع آلاف الشباب الباحث عن العدالة الاجتماعية في الأرجنتين؛ “cacho” لم يكن قائدا ميدانيا في الحركة البيرونية فحسب، بل كان رمزا تاريخيا من رموزها، ومدرسة فكرية امتازت بعطاء لا محدود، ومصداقية ثورية مع الفقراء والمسحوقين، واستقامة شخصية عنوانها التضحية.

أنور خالد القادري “انبار”، إسم لمع في سماء الكفاح الأرجنتيني ضد الظلم والاستبداد؛ ولكنه لم يكن استثناء، وهناك أسماء وأسماء من أبناء المهاجرين العرب المعروفين في الأرجنتين، والمنسيين في بلادنا، مِمّن اسهموا في بناء الديموقراطية في تلك البلاد.

الحلقة المقبلة: العرب في الأرجنتين.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى