فرنسا.. شارع مفتوح على المفاجآت دائمًا!
“المدارنت”
كل من يعرف فرنسا، يدرك أن الشارع فيها يلعب دورا مهما في تعديل مسارات سياسات الدولة، وأنه عبارة عن رمال متحركة، وقابل للانفجار في أي وقت. وقد حاولت الحكومات المتلاحقة منذ بداية القرن الحالي تحجيم دور النقابات العمالية، وتقييد حركة إضراباتها عبر قوانين ونظم، استحدثت خصيصا للحد من تأثير دورها، وبالأخص بعد الإضراب الشهير عام 1995، في بداية حكم الرئيس جاك شيراك، الذي عرف بـ«شتاء الغضب»، ودام لأكثر من ثلاثة أسابيع، عاشت فرنسا خلاله أياما سوداء، حيث شلت حركة المواطنين، والاقتصاد، وكل دوائر الدولة. غير أن إضرابات النقابات بفضل القوانين والتنظيمات المستحدثة، أصبحت غير مؤثرة كما كانت من ذي قبل. كذلك أصبح الإضراب مكلفا إلى حد كبير بالنسبة للمشاركين فيه، لكون موارد ومداخيل النقابات، لم تعد كما كانت في الماضي، إذ خفت حركة الانخراط في صفوف النقابات إلى درجة كبيرة، بعدما كان ذلك أمرا أساسيا في حياة الفرنسيين، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.
ولكن، بقيت الحركة الطلابية بكل أطيافها السياسية والاجتماعية، بعيدة عن هذه القوانين، المقيدة لحركة النضال عامة، خصوصا أن شبابها وإلى أي طبقة كان انتماؤهم، يجمعهم شعار واحد، يتلخص في كلمتين «نعم نستطيع»، وهم يستوحون ذلك من تاريخ الحركة الطلابية المتوج بالإنجازات، وكذلك من تحركات عام 1968، التي انضمت إليهم خلالها نقابات العمال، وشريحة كبيرة من الفرنسيين، استقال على إثرها رئيس فرنسا القوي الجنرال شارل ديغول، وفرضوا يومها تغييرات جذرية على كل المستويات: السياسية، والاجتماعية، والآداب، والفنون، وامتدت تأثيراتها حينها لكل دول العالم، وغدت ملهمة لكل الشعوب..
وهو ما يجعل دينامية تحركات الشباب الفرنسي، غير خاضعة لضوابط، وقوانين، إذ غالبا ما تنفجر فجأة، ومن دون سابق إنذار، بسبب شرارة حادث بسيط، من الممكن السيطرة عليه بالقانون والحكمة، كأحداث ضاحية نانتير الباريسية، إثر مقتل الفتى نائل عام 2023، على أيدي رجال الشرطة، وقبلها حوادث الشغب في ضاحية كليشي سو بوا، عام 2005، التي اندلعت إثر إعلان الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، عزمه على تنظيف الضواحي برفش الزبالة، وغيرها كثير من الأحداث.
لقد أتت إضرابات طلاب المدارس الثانوية منذ عدة أسابيع، لتذكرنا بأوضاع الضواحي، ومعاناة شبابها وسكانها بشكل عام، ومن كل النواحي. حيث تدني مستوى الخدمات التي تقدمها الدولة، من صحة، وتربية وتعليم، ورعاية اجتماعية، وغيرها من الخدمات الأساسية، مع أن هذه الضواحي محرك فعَّال في الاقتصاد الفرنسي من كل النواحي. غير أن الأهالي فيها، لا يسمعون إلا الوعود بالإصلاح من قبل الحكومات المتعاقبة، وهي ككل الوعود السياسية، التي تطويها وعود أخرى.. يقدمها الساسة عند كل موسم انتخابي. بينما على أرض الواقع، فإن ما تم تنفيذه إلى الآن من كل تلك الوعود، بقي دون المستوى المطلوب، وعبارة عن عملية ترقيع، تشبه إلى حد كبير، ما تقوم به دول العالم الثالث في مواجهتها لمشاكل مواطنيها الأساسية، وطريقة حلولها لها!
إن أوضاع المدارس والعملية التربوية عموما، في فرنسا اليوم، تسير منظومتها بعدة سرعات، وبالتوازي، حسب المنطقة التعليمية. ولكل سرعة منها، مستواها إن كان على الصعيد التربوي التعليمي، والخدماتي، أو على صعيد الأهداف التربوية الموضوعة لتلك الشريحة من السكان… فهناك مدارس المناطق الراقية، التي تسكنها الطبقة البورجوازية، وكذلك ما يطلق عليهم البوبو (Les bobos)، وهي مدارس تأتي في المقدمة، وتمثل فعليا واجهة فرنسا من حيث المستوى التعليمي والثقافي. وطلاب هذه المدارس، غالبا ما يكون في مقدورهم تخطي امتحانات القبول لمدارس الهندسة والتكنولوجيا التخصصية العليا، وكليات الطب، بلا أي عوائق تذكر، لأنه تم تكوينهم في الأساس للولوج إليها من النواحي العلمية، والمعرفية المختلفة، وأيضا من حيث الاستعداد النفسي..
لتأتي من بعدها المدارس الأخرى، وهي الموجودة في الضواحي، والمناطق الفقيرة. وهي مدارس تعاني مبانيها من إهمال كبير على كل المستويات: زجاج الفصول المكسور، والسبورات المتقادمة، والمقاعد غير صالحة للجلوس، وعدم وجود أبواب للمرافق الصحية، إلخ… وصولا إلى تكدس الطلاب في الفصول، بما يفوق الأعداد المتوافق عليها تربويا، وطبقا للأنظمة واللوائح التي وضعتها الوزارة، بالإضافة لغياب الأساتذة المتكرر، إما لأسباب صحية، أو لأسباب أخرى يطول شرحها. وقد وضعت لمدارس الضواحي هذه، أهداف تربوية غير معلنة، تخالف في أساسها مبادئ الجمهورية، وثلاثيتها المقدسة «حرية، مساواة، أخوة»، ولهذا لا يعلننوها، لكنهم يطبقونها للأسف. فمن أهداف هذه المدارس غير المعلنة مثلا: تخريج تقنيين من الفئة الثانية والثالثة، وعمال بسطاء، أو إعداد موظفين غير متخصصين، للعمل في الشركات التجارية والصناعية، أو في دوائر الدولة المختلفة. وليس من أهدافها تخريج كبار الموظفين، ولا الكوادر الأساسية التي تحتاجها الدولة..
ورغم الإهمال، والمصاعب الكثيرة، فإن بعض طلاب الضواحي، يتخطون كل الحواجز، ويحققون آمالهم، في الخروج من الحظائر التي أرادوها لهم، بفضل تشجيع عائلاتهم، وبدوافع شخصية… وهؤلاء بالنسبة لمفكري الوزارة، وفلاسفتها العظام، كالأطفال الرضع عند بعض الشعوب القديمة، الذين كانوا يتركون عدة أيام في العراء، فإن استطاعوا مقاومة عوامل الطبيعة، فرحوا بهم، وتبنوهم، وضموهم إليهم، وهو ما نراه من خلال الاحتفاء بهؤلاء الطلاب، من قبل رؤساء البلديات، وبعض نواب المناطق، لكونهم قاموا بمعجزات، ونجحوا بتفوق، مع أنهم لم يؤمنوا لهم في الأساس، لا الوسائل، ولا الأسباب، ولا الدعم النفسي اللازم.

إن لب المشكلة في النظام التعليمي التربوي الفرنسي اليوم، عنصري محض، لأن العقل الفرنسي الذي خطط، لإقصاء العمال الأجانب في بداية الأمر، وأسكنهم في مجتمعات شبه مغلقة، بعيدا عن أحيائه من كل النواحي، كان من بين أهدافه أيضا إبعادهم عن أبنائه، ومنافستهم لهم على مقاعد المدارس والجامعات، والمختبرات المتخصصة، والدخول إلى المدارس العليا، فخصص لهم مدارس مجهزة «بالحد الأدنى»، ومن كل النواحي. ومن هنا يأتي إصرار فئة من المسؤولين، على ترك مدارس الضواحي على ما هي عليه من إهمال، ووضع يرثى له، من دون أي إصلاحات تذكر، بل اللجوء إلى الترقيع. وبالرجوع إلى إضرابات الطلاب، وما يحدث من عمليات شغب، فبغض النظر عمن بدأ بها، فهي أمور معهودة ومعروفة في كل التظاهرات، ليس في فرنسا فقط، بل في كل أنحاء العالم، وهي غالبا ما تكون بسبب توحش رجال الأمن، أو بدوافع سياسية، تقف وراءها أحزاب متطرفة من اليمين واليسار على حد سواء، ضمن حسابات خاصة بكل طرف منها، وبالأخص عند اقتراب موسم الانتخابات، كما هو الحال في فرنسا حاليا…
وأحيانا تكون نتيجة لتصرفات شبان مهمشين، بدوافع شخصية خاصة، لها مسببات نفسية واجتماعية كثيرة، تعود في أصولها على الأغلب لمرحلة الطفولة، والتربية المنزلية، والشعور الدائم بالاضطهاد، والإهمال من قبل المسؤولين لمتطلباتهم، وغيرها… وهي ظاهرة معروفة في علم النفس، يطلق عليها (Conduct disorder)، أي حب التخريب والتكسير. وتعتبر الدولة الفرنسية المسؤولة عنها بالدرجة الأولى، لأن بوادر هذه الظاهرة، تبدأ بالظهور لدى بعض الأطفال في سن مبكرة، فكان من الأجدر بالمتخصصين التربويين والنفسيين، والمسؤولين السياسيين، تدارك ذلك في حينه، لكنهم أهملوها، وأداروا لها بظهورهم، فكانت النتيجة أنهم يدفعون اليوم الثمن!
شكرا للطلاب عبر العالم، الذين ما زالوا ينتفضون بين الفينة والأخرى، للمطالبة بحقوقهم، على عكس طلاب بلداننا، الذين يقبلون بما تفرضه عليهم الحكومات من أنظمة تعليمية ومقررات، وبما تتصدق عليهم به من خدمات، هؤلاء الطلاب الشباب، الذين يحيون في قلوبنا الآمال، بأن الشارع ما زال حيا، وينتفض من أجل مزيد من المطالب الاجتماعية والحياتية، ومن أجل العدالة القانونية والاجتماعية، والحريات، والديمقراطية، وبالأخص بعدما تراجعت النقابات العمالية عن القيام بواجباتها، وعن قيادة الشارع، وهذا ليس في فرنسا فقط بل في كل العالم الغربي والعالم الثالث.



