مقالات

فـــي عـمـــق الأبـحـــاث الـعـمـيـقــــــة.. الجزء (2)

د. محمد الحسامي/ اليمن

خاص “المدارنت”../ يتابع “المدارنت” اليوم، نشر الجزء الثاني من دراسة د. محمد الحسامي، التي تحمل عنوان: “في عمق الأبحاث العميقة”..

النظرية الثانية: هي “نظرية العقل الفاعل والعقل المنفعل”؟

تلك النظرية التي تختص بالفرد، بدلاُ من المجتمع. وهي تترابط وتتكامل مع النظرية الأولى، مع أنها تتميز عنها تماماً. وكلاهما ينطبقان على جميع المجتمعات، في كل زمان ومكان. حيث يعرف المفكر الأعرجي العقل الفاعل بقوله:
“هو تلك المَلَكة الطبيعية التي منحها الله للإنسان منذ ولادته، والتي تُميزه عن الحيوان. وأهم ما تتّسم به هذه الملكة هو الفضول أو حُبّ الاستطلاع وقد طوَّرَها عالم النفس “بياجيه Jean Piaget ”، إلى مبدأ الميل نحو المعرفة. ويرى أن البنى المعرفية للطفل هي استعدادات توجد لكل طفل، وهي بمثابة قوالب فارغة لدى الطفل الوليد.
ونحن نضيف أن “العقل المجتمعي” هو الذي سيقوم بدوره في ملء هذه الفراغات، لأن الطفل يأخذ ما يتوفر حوله من قيم وعادات وأعراف ومسلّمات جاهزة في العقل المجتمعي.. ولكن قد تظل هذه الملكة حيّة، أو تستيقظ بعد نوم طويل، لدى بعض الأشخاص القليلين الذين يميلون إلى التفكير العميق، لا سيما إذا توسعت آفاقهم العقلية والمعرفية عن طريق الاطلاع على مختلف الاتجاهات الفكرية عن طريق المطالعة المتأنية. وقد ترقى إلى حد الشك بمبادئ العقل المجتمعي السائدة، فيُشرع صاحب العقل الفاعل بتمحيصها ونقدها، وقد يكتشف في بعضها ضرراً للمجتمع نفسه.
أما العقل المنفعل فيعرفه بقوله:
“هو ملكة مكتسبة من المحيط، الذي يُمثّله “العقل المجتمعي”، يستخدمها الفرد في التعامل مع مجتمعه، وفي اتخاذ قراراته ويميز بها بين الخير والشر والصالح والطالح، والصحيح والخطإ، وذلك بناء على اعتبارات “العقل المجتمعي” السائدة، التي يتخذها معياراً لجميع أحكامه. ويتكون العقل المنفعل لدى كل فرد تدريجيا، أثناء مرحلة الطفولة المتأخرة، وما بعدها، على حساب العقل الفاعل، الذي يتراجع لصالح العقل المنفعل، بسبب ضغوط العقل المجتمعي. وفي مراحل العمر المتأخرة، يظل الفرد العاديُّ محافظاً على عقله المنفعل، بسبب سلطة العقل المجتمعي القاهرة”.
ووفقا لذلك فإن المفكر يرى بأن تطور المجتمعات البشرية مرهون وبدرجة أساسية بملكة العقل المنفعل، فكما أن سلطة العقل المجتمعي سلطة قاهرة ومتحكمة ومسيطرة على العقل الفردي المنفعل على حساب العقل الفردي الفاعل للفرد، إلا أن هناك استثناءات يتم بموجبها خروج بعض العقول الفردية عن النمط السائد للعقل المجتمعي المتحكم والمسيطر، وعلى سلطته تكون هي القوة الحقيقية في إحداث عملية التغيير فيه من عقل مجتمعي متخلف إلى عقل مجتمعي متطور، حيث يقول في ذلك: “إذاً يصبح هذا العقل المنفعل المسيطر الوحيد على أفكار الفرد وتصرفاته، وينسى وجود عقله الفاعل، الذي يتضاءل أو يتلاشى تدريجياً. وهذا التنظير يسري على الفرد العادي في كل زمان ومكان. ولكن هناك استثناء، الاستثناء، هو أن بعض الأشخاص في المجتمع، يعودون إلى إحياء عقلهم الفاعل، فيشرعون بالتشكيك بمبادئ العقل المجتمعي وقِيَمه ومُسَلماته، بل قد يلاحظون مدى ضررها على المجتمع نفسه.وقد يفصحون عن ذلك..”.
إلا أن الإفصاح عن ذلك من قبل هؤلاء الأشخاص الذين ملكوا عقلهم الفاعل وأعادوا إحياءه ليس بالأمر السهل بالنسبة لهم ، خاصة في ظل تحكم وسيطرة العقل المجتمعي وسلطته، وهنا يبدأ الصراع الحقيقي بينهم وبين حراس العقل المجتمعي، الذين يرون فيهم خطرا حقيقيا وجسيما عليهم، وفي مثل هذه الحالات في واقعنا كأمة غالبا ما ينتهي الصراع لصالح العقل المجتمعي ممثلا بحراسه ومقدسيه، لكن من دون أن يترك أصحاب العقل الفاعل أثرًا مهما في العقل المجتمعي، وهذا هو سبب ما وصلنا إليه كأمة، طبعا من وجهة نظره الخاصة.
حيث يبيّن ذلك بقوله:
إنهم، أي أصحاب العقل الفاعل، “يلقوَن الأمرّين من حُرّاس العقل المجتمعي، ومنهم الكثير من رجال الدين ورجال السلطة الحاكمة. وأولئك المشككون، هم الذين تُضفى عليهم صفة الريادة، ومنهم الفلاسفة مثل سقراط الذي أعدم، والأنبياء من أمثال موسى وعيسى “صُلب)”، ومحمد “اضطُهِدَ وكاد يُقتل”. وفي بداية عصر النهضة الأوروبية، القس جوردانو برونو(أحرق حياً لاتهامة بالهرطقة) وغاليلو الذي حوكم لينكر دوران الأرض حول الشمس كما صرح، بناء على نظرية كوبر نيكس. وفي العصر الحديث نذكر منهم الشيخ علي عبد الرازق، صاحب كتاب “الإسلام وأصول الحكم”، طُرد من القضاء والجامعة، وحُرم من درجة العالِمية، وعلي الوردي صاحب كتاب “وُعّاظ السلاطين” وغيره، اضطهدته السلطة والناس من ذوي العقل المنفعل، ونصر حامد أبو زيد، صاحب كتاب: ”مفهوم النصّ”، وغيره، طُلِّق من زوجته باعتباره مرتداً. وفرج فودة صاحب كتاب: “الحقيقة الغائبة”، قُتل، ومحمود محمد طه أُعدم.
أي أننا نقتل كلّ من يحاول أن يجتهد، أو ينقدَ بعقله الفاعل، علماً أن هؤلاء هم الذين يبنون صرح الحضارة.
ومن جهة أخرى، إن هذه رسائل يُبعث بها لكل من تسوِّل له نفسه؛ ممارسة النقد أو الاجتهاد أو كشف الحقائق بعقله الفاعل، قائلين له: سيكون مصيرك كمصير فرج فودة مثلاً. وهكذا نعيد إنتاج تخلفنا الحضاري. بل هكذا وصلنا إلى هذه المرحلة من التردي في جميع مجالات الحياة بل إلى هاوية “الداعشية”.
“يتبع”..

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى