مقالات

فـــي عـمـــق الأبـحـــاث الـعـمـيـقــــــة.. الجزء (1)

د. محمد الحسامي/ اليمن

خاص “المدارنت”..
كثيرة هي الكتب التي نشرت حول أزمة أمتنا العربية الحاضرة، وكثير هم الكتاب الذين تناولوا هذا الشأن, لكن القلة القليلة منهم تناولوا في أبحاثهم عمق الأزمة الحقيقية التي تعاني منها أمتنا العربية الحاضرة، بعيدين كل البعد وبدرجة كبيرة عن الطوباوية والانفعالات العاطفية، متخلصين وبدرجة كبيرة من قيود وأغلال الموروث الماضوي لها… متخلصين بدرجة كبيرة من تلك الإشكاليات العديدة والمتعددة والمتنوعة التي تعاني منها العقلية العربية الحاضرة، قداساتية وماضوية واحتكارية وسلطوية تسلطية وتآمرية وذكورية وغيرها وغيرها وغيرها من تلك الإشكاليات التي حاولت الإشارة إليها سابقا عبر هذه الصفحة الشخصية المتواضعة وباختصار شديد وموجز، وبحسب وجهة نظري الشخصية المتواضعة وبحسب الأرضية المعرفية المتواضعة التي أدعي بأنني أمتلكها، ومنطلقين من الحاضر للأمة ومحلقين في مستقبلها وآملين بتأسيس مشروع عربي حضاري يخرج الأمة مما هي فيها.. وعليها.. وذلك عبر إخراج الوعي العربي الحالي، جمعيا مجتمعيا ونخبويا، والعقلية العربية الحاضرة من تلك الإشكاليات العديدة والمتعددة والمتنوعة التي تعاني منها، وذلك عبر استخدام العقل النقدي في تلك الأبحاث والدراسات التي يقومون بها وبدرجة كبيرة، متخلصين وبدرجة كبيرة من العقل النقلي المسيطر والمتحكم في الوعي واللاوعي الجمعي الإجتماعي عموما والنخبوي منه على وجه الخصوص…
لعل أحد هؤلاء القلة القليلة من أولئك الكتاب والباحثين هو الباحث والمفكر/ علاء الدين الأعرجي، وذلك عبر متلازمته الثلاثية حول أزمة التطور الحضاري للأمة العربية الحاضرة، عبر ثلاثة كتب صدرت له بهذا الشأن، ألا وهي:
الكتاب الأول: “أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي بين العقل الفاعل والعقل المنفعل”، بحث في تشريح العقل المجتمعي العربي الممزق بين سطوة الماضي وضرورات الحاضر.
الكتاب الثاني: “الأمة العربية بين الثورة والانقراض”، بحث في “نظرية العقل المجتمعي” تفسيرا لأزمة التخلف الحضاري في الوطن العربي.
الكتاب الثالث: “الأمة العربية الممزقة بين البداوة المتأصلة والحضارة الزائفة”.
دراسة لتفسير الصراع بنظرة العقل المجتمعي.
حيث حاول في هذه الكتب الثلاثة محاولة الإجابة على السؤال الهام الذي طرح منذ بداية النهضة العربية الحديثة في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي والتي يعتبرها الكثيرون جاءت نتيجة تلك الصدمة الحضارية التاريخية التي أثرت وبشكل كبير وكبير على العقلية العربية الحاضرة، تلك الصدمة الحضارية التاريخية، المتمثلة بحملة نابليون بونابرت على مصر, 1798م.1801م. ذلك السؤال هو:
لماذا تقدم الآخرون وتخلفنا نحن؟!
أو بمعنى آخر: ما هي الأسباب والعوامل التي جعلت أمتنا العربية عاجزة عن التخلص مما هي فيها.. وعليها.. والخروج من ذلك كله ومواكبة التطور الحضاري للأمم الأخرى، بالرغم من أننا كأمة سبقنا الكثير من بعض تلك الأمم التي تعد الآن من ضمن الأمم المتقدمة والمتحضرة،؟
هل هي أسباب وعوامل ذاتية خاصة بنا كأمة؟ أم أن هنالك أسبابا وعواملا غير ذاتية متعلقة بالآخر…؟ أم كليهما معا؟
هل نحن أمة في طريقها إلى الانقراض كما يقول الكاتب والباحث البريطاني ارنولد توينبي في كتابه الموسوعي “دراسة للتاريخ”؟ أم أنه ما يزال هناك أمل أمامنا كأمة بالخروج مما نحن فيه.. وعليه.. ومواكبة التطور الحضاري للأمم الأخرى وتفادي عملية الانقراض تلك التي أشار إليها الكاتب والباحث البريطاني؟ وكيف السبيل إلى ذلك كله..؟
هذا ما يحاول المفكر الأعرجي الإجابة عنه عبر متلازمته الثلاثية حول ذلك..
وبغض النظر عن الاتفاق أو الإختلاف مع ما ذهب إليه في تلك المتلازمة الثلاثية سالفة الذكر، بدرجة أكثر أو أقل أو بتاتا مع ما احتوته، إلا أنها تظل جديرة بأن تدرس وتوخذ بعين الإعتبار من قبل الباحثين والمتخصصين في هذا الشأن، فهي تعتبر من ضمن أهم الأبحاث والدراسات التي صدرت حتى الآن في هذا الشأن….
وهو يرى كما يقول بأن ما طرحه ويطرحه حول هذه المعضلة من آراء وأفكار ليست مسلمات لا تقبل التعديل والمناقشة حولها من قبل الآخرون، إنما هي من ضمن المحاولات العديدة والمتعددة والمتنوعة التي حاولت الإجابة على تلك الأسئلة سالفة الذكر، وذلك عبر ثلاثة فرضيات/ نظريات من وجهة نظره الخاصة.
يشرح المفكر علاء الدين الأعرجي تلك الفرضيات/ النظريات الثلاث في إحدى محاضراته ونشرت في إحدى الجرائد.. حيث يقول:
السؤال الكبير، الجواب؟
السؤال الذي طرحته على نفسي، وهو نفس السؤال المطروح منذ قرنين تقريباً: هو لماذا تخلفنا وتقدم الآخر؟
ومع أن هذا الموضوع قد أعيا جمهور المفكرين العرب، وكُتب فيه الكثير، لاسيما في العصر الحديث، ومنهم علي الوردي ومحمد جواد رضا وزكي نجيب محمود وحسن حنفي وفؤاد زكريا ومحمد عابد الجابري ومحمد أركون وغيرهم الكثير. إلا أنني تجرأت في أن أدليَ بدلوي الصغيرة بين دلاء عمالقة الفكر العربي المعاصر. وذلك سعياً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، كمحاولة لمعالجة هذا التخلف كواقع قائم. لذلك حاولنا تشخيص الداء قبل كل شيء، باعتبار أن تشخيص الداء قد يكون نصف الدواء. فطرحنا ثلاث فرضيات/ نظريات متواضعة تحاول تشخيص المرض، وربما وصف الدواء، هي: نظرية العقل المجتمعي، ونظرية العقل الفاعل والعقل المنفعل، ونظرية عدم مرور العرب بمرحلة الزراعة قبل وصولهم إلى الحضارة، أو بالأحرى “التحضر”، أي مجرد سكنى المدن، وليس الحضارة بمعناها الحديث، الذي يتضمن الرقي الفكري، المادي والمعنوي…)
وهو عندما يطرح ذلك ليس من باب المسلمات الحتمية التي لا تقبل المناقشة والنقاش حولها، إنما هي وجهة نظر شخصية خاصة به، ويتمنى مناقشتها، فهي قد تحمل الخطأ والصواب، حيث يؤكد ذلك بقوله:
“وأنا أطرح هذه النظريات على حضراتكم وآمل بكل إخلاص مناقشتها ونقدها، معترفاً بأنني قد أكون قد جانبت جادة الصواب، لذلك أتوقع ملاحظاتكم، التي أرحب به بكل سرور”.
ثم ينطلق بعد ذلك إلى شرح موجز لتلك الفرضيات/ النظريات، فيبدأ بالنظرية الأولى: “نظرية العقل المجتمعي”، حيث يقول:
النظرية الأولى:
تفترض أن لكلِ مجتمعٍ، بصفته كياناً اعتبارياً مستقلاً، عقلاً” خاصاً به، أطلقنا عليه مصطلح “العقل المجتمعي”Societal Mind”، وهو يمثِّل سلطةً خفيَّةً قاهرة تتحكَّم بسلوك أفراد المجتمع وتصرُّفاتهم، دون وعيهم بها. وتتكوَّن من منظومة واسعة من القِيَم والمبادئ والأعراف والعادات والمعتقدات والمسلَّمات… السائدةً لدى الجماعة، والتي تَخَلّقَتْ وتبلورتْ خلال مسيرة المجتمع التاريخية وصيرورته التطورية، أي من خلال تفاعلات الأحداث والمجريات الديالكتيكية وتراكماتها البنيوية، منذ أقدم العصور حتَّى يومنا هذا.
ونحن كأفرادٍ نخضعُ لهذا العقل، لأننا نتغذى، من مبادئه وقيمه، وأوامره ونواهيه، منذ طفولتنا المبكرة، بل نكتسب معتقداتِنا منه تلقائيا وبلا شعور. وبناءً على هذه النظرية، ليس لإرادتنا الشخصية المحضَّة، في الغالب، أيُّ دورٍ في اختيار قيَمنا وعقائدنا بل نظرتنا إلى العالم. فلو نظرنا إلى أنفسنا بعمق للاحظنا أننا صنيعة محيطنا: من أسرتنا إلى أصحابنا إلى مدرستنا. فمعتقداتنا الأساسية نأخذها من أسرتنا. فنحن نصبح مثلاً مسلمين “شيعة أو سنة” أو مسيحين أو يهود لأننا نتربى على هذه العقيدة أو تلك. فأين إرادتنا الشخصية المحضة؟ ولكن هناك استثناءات تفسرها نظرية العقل الفاعل والعقل المنفعل….الخ.
ثم يقرر بعد ذلك بقوله: “والحقيقة المضحكة المبكية أننا جميعا تقريباً كعرب، صنيعة هذه السلطة القاهرة، أو “سجناء” في سجنها المحاط بأسوار محكمة، ومراقبين مراقبة شديدة من جانب سجانين لا يرحمون، هم أنفسهم مسجونين معنا، ولكنهم لا يعلمون!”.
“يتبع”

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى