مقالات

لئلاّ نكرر نواقص الماضي وعلله!

د. علي محمد فخرو/ البحرين

“المدارنت”
لقد بيّنت في مقالي الأسبوعين الماضيين بشأن ضرورة إعادة بناء الاقتصاد العربي، فكراً وأهدافاً واستراتيجيات واقعية، بأن الدراسات الكثيرة الحديثة تؤكد الترابط الوثيق ما بين النظام السياسي والنظام الاقتصادي، بحيث يستحيل إجراء تغييرات جذرية في أحدهما، من دون أن يسبقه إجراء تغييرات جذرية في الآخر.

من هنا فإن تجربة الأقطار العربية الكبيرة، مصر وسوريا والعراق، بناء أنظمة اقتصادية قائمة على خليط متشابك من رأسمالية الدولة واشتراكية المجتمع، التي كانت مبهرة في بعض نجاحاتها لتحسين الحياة المعيشية والاجتماعية لملايين شعوبها، قد تراجعت وتشوهت مع مرور الوقت بسبب النظرات والمشاكل والأزمات والإخفاقات السياسية، كما سأبين بعضاً منها في هذا المقال.

لقد كانت تلك المحاولات الاقتصادية التقدمية الجريئة بحاجة إلى أن تسبقها أو تصاحبها نظرات ومحاولات سياسية تقدمية جريئة هي الأخرى، لكن ذلك مع الأسف تعثّر. فأول إرباك تمثل للفكر السياسي، عندما ركز الكثيرون طيلة العقود، من 1930 – 1960، على مناقشات نظرية لفكرة القومية العربية، أصولها وتاريخها ومصادرها الأوروبية الغربية ومقدار ماركسيتها والكثير من تجاربها في الغرب، بدلاً من التركيز على الجوانب التطبيقية الذاتية في المجتمع العربي في الحال، وإبداع سبل التطبيق بمساندة جموع الجماهير في الأقطار الثلاثة على الأخص، وفي بقية الأقطار العربية الأصغر الأخرى آنذاك.

جرت هذه النقاشات النظرية الطويلة على حساب بعض المبادئ لصالح شعارات سياسية. من الأمثلة الصارخة الإصرار على تأجيل الديمقراطية لحساب الانتهاء من الصراع العربي ضد الصهيونية، أو الانتهاء من هذا الاستعمار أو ذاك، والمنطق نفسه طال شعار الوحدة العربية، الذي ارتأى البعض تأجيله إلى حين تثبيت الاستقلال الوطني بصورة تامة.

ومع ذلك أجبرت الظروف الدولية والإقليمية القوى القومية على الدفع نحو محاولات توحيد بعض الأقطار العربية مثل ما جرى في عام 1958 من محاولة توحيد مصر وسوريا أو توحيد العراق والأردن الملكيين، أو وحدة تونس والمغرب العربي في شمال افريقيا العربية. ولا يسع المجال ذكر محاولات أعوام 1970 لوحدة مصر وليبيا، أو وحدة ليبيا وتونس والمغرب والجزائر وموريتانيا عام 1978. وجميعها برّر بوجود المشترك في التاريخ واللغة والدين، والمصالح المشتركة، والقرب الجغرافي، ومحاربة الاستعمار والصهيونية.

لكن، ومع شديد الأسف، جميعها تعثر وانتهى بالفشل لأسباب كثيرة داخلية وخارجية كتب عنها الكثير. ولعل أحد أسباب الفشل الوحدوي آنذاك هو انقسام الحركة القومية إلى عدة أجنحة، أحياناً متعاونة وأحياناً متخاصمة، مثل أجنحة الناصرية والبعث العربي الاشتراكي وحركة القوميين العرب، التي لو توحدت بأي شكل فعّال، تحت قيادة واحدة لبنى العرب تاريخاُ حديثاً مبهراً غيّر كل مكونات المنطقة العربية والإقليمية برمّتها.

ولا نحتاج أن نذكّر بالصراعات الفكرية العبثية ما بين الحركات الإسلامية والحركات القومية، مثل نقاشات معاني الديمقراطية والشورى، ونقاشات العلمانية والدينية والوطن العربي والخلافة الإسلامية وغيرها الذي لا يعد ولا يحصى، بل لم تسلم المحاولة الاقتصادية الإبداعية الذاتية نفسها، التي فصّلنا بعضاً من جوانبها الإشراقية في مقالات سابقة، لم تسلم من المناقشات النظرية الكثيرة تلك.

فالأخذ برأسمالية الدولة، حتى مع وجود الممارسة الاشتراكية في إدارة المجتمع، اعتبره البعض تنازلاً للفكر البورجوازي وطبقته على حساب شعار الاشتراكية، التي بدورها خضعت لمناقشات طويلة بشأن مصادرها وتطبيقاتها في العالم، فضاعت هنا المحاولات الإبداعية الذاتية الفكرية في خضم تلك الحوارات النظرية الشعائرية.

وحتى مناقشات المعسكر الشيوعي العالمي حول نوع الاشتراكية ونوع الوصول للشيوعية نقلها البعض إلى أرض العرب لتضيف ثرثرة فكرية أخرى إلى الساحة القومية العربية، فينقسم البعض إلى اشتراكي عربي لينيني، والبعض إلى اشتراكي ستاليني والبعض إلى اشتراكي تروتسكي وماوي و.. و..

وأخيراً لن ننسى الأدوار المعرقلة لأية وحدة التي لعبها بعض العساكر من خلال بعض الانقلابات العسكرية، وذلك من أجل الهيمنة على هذا القطر أو ذاك.

ويستطيع القارئ الراغب أن يعود إلى بعض المراجع العربية والأجنبية الكثيرة التي أفاضت في ذكر تفاصيل الحبكات الداخلية أو الخارجية أو الصهيونية التي هي الأخرى لعبت أدواراً كبيرة في منع المحاولات الإصلاحية السياسية الجذرية، وبعضها الثورية، التي حاول القيام بها البعض وأفشلت محاولاته مثل القائد الراحل جمال عبد الناصر على الأخص.

ليس الهدف هو إبراز نواقص الماضي، وإنما الهدف هو أن يعي جيل الحاضر نواقص ذلك الماضي ويجعل الحاضر متجنبا لها وواعياً بأخطارها إن استمرت أثناءه وانتقلت إلى المستقبل. وهي مهمة نحتاج جميعاً إلى أن نجعلها في قلب نضالنا بكل أشكاله ودرجاته.

د. علي محمد فخرو/ “الشروق” المصرية
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى