لا حدود تاريخية واضحة لـ”كردستان”!

خاص “المدارنت”..
إن صحت نسبة المقال لهذا العالم الشيعي البحريني فهو قديم، إذ أنه توفي في العام 2007، وبالتالي، فإن المقال مكتوب قبل هذا التاريخ بزمن، وتعمل مواقع إعلامية كردية على إعادة نشره المرّة تلو المرّة.
بنية المقال مهمة جدًا، لأنها قائمة على تبادل المواقع والأدوار، وتوقع ردود الفعل والأفعال. لكن المدقق في المقال يلفت نظره أمور يمكن أن تكون مصدر حكم على رؤية صاحب المقال وإدراكه للمواضيع التي يتناولها، ومن المهم أن نضع هذه المواضيع في نقاط محددة:
1 – خديعة كبيرة القول بأن العرب لو قبلوا قرار تقسيم فلسطين عام 1947، لحصلوا على كثير مما يريدون، فمثل هذا القول بات ممجوجًا، بعد أن تبين بوضوح وبالوثائق – بعد أن كان هذا واضحا بالتحليل والرؤى- أن إقامة الكيان الصهيوني، لم يأت نزولا عند تطلع “شعب”، يبحث عن وطن، وإنما هو مخطط مرسوم بدقة من النظام الرأسمالي العالمي لأغراض هذا النظام في الاستئثار بخيرات هذه المنطقة، ولمنعها من النهوض، ولمنع ظهور نظام دولي قائم على مفاهيم العدل والتعاون والسلام، والذي تمثل مفاهيم الاسلام في هذا الجانب جوهره، ولبه الرئيس.
لقد قبل النظام العربي والفلسطيني، كل ما طرحه الغرب عليهم، منذ قبولهم كامب ديفيد، الى الاتفاقات الرديفة، الى مؤتمر مدريد الى… الخ، وكانت دول العالم الكبرى كلها تدعم هذه الخيارات، لكن لم ينال العرب والفلسطينيون شيئا على الاطلاق.
وحين يضرب المقال مثالا بهذه القضية فإن هذا يعني أن صاحب المقال لم يدرك حقيقة المشروع الصهيوني، وهذا الخلل في هذه الرؤيا، هو المشكلة التي تصبغ كل القضايا التي يطرحها المقال.
2 – يتحدث المقال عن المشكلة الكردية وكأنها تمثل “رؤية واحدة” للعقل السياسي للأكراد، وهذا غير صحيح، لا جغرافيا، ولا اجتماعيا، ولا سياسيا.
ففي الأكراد تيار مفارق للتاريخ وللحضارة وللدين، وهذا ينتمي إلى الرؤية الاستعمارية لقضية “الأقليات”، وقد كانت فرنسا، أول من طبّق هذه الرؤية في الجزائر، حينما حاربت ارتباط الأمازيغ/ البربر بالاسلام، ووضعت لهم “الظهير البربري”، كقانون يحتكمون إليه بدل قانون الشريعة الإسلامية الذي كان يحكم الجزائريين، وكان هدفها من ذلك فصل البربر/ الأمازيغ عن اللحمة القانونية والتشريعية التي تصوغ حياتهم، منذ وصول الاسلام إليهم، وكان رأي الفرنسيين الحاسم يقوم على فكرة أن التمكين لفرنسا في الجزائر مرتبط بفك العلاقة بين الجزائريين والدين الاسلامي، وقد تمكن قادة العلم والمعرفة الجزائريين والكثير منهم من أصول أمازيغية من إفشال هذا المخطط، ونجحوا في توحيد الجزائريين فكريا خلف “جمعية العلماء المسلمين”، التي أسّسها الشيخ عبد الحميدبن باديس، وتوحيد الجزائريين نضاليًا خلف جبهة التحرير الوطني الجزائرية، التي وصلت نضال جزائريين ضد المستعمر الفرنسي منذ عبد القادر الجزائري وصولا إلى عصر الاستقلال.
مع الأكراد. هناك حالة مطابقة يمثلها “حزب العمال الكردستاني”، يريد أن يفصل الأكراد عن دينهم وتاريخهم وبيئهم الاجتماعية والحضارية، وتحويلهم إلى “عنصر مضاد، ومعاد” لهذه البيئة بكل مكوناتها: الدين. التاريخ، الشخصيات والأعلام، الطبيعة الحضارية.
وبالتالي يريدون التحوّل إلى شبيه لـ”الحركة الصهيونية”، وهم يلقون من الحركة الصهيونية كل دعم وتأييد.
لا يجوز لباحث أن يغفل عن هذه الحقيقة. وهي ليست نتيجة سوء فهم، أو نتيجة ضغوط الواقع، وإنما هذا اتجاه ومنهج تم اعتماده عن وعي، وبإدراك لطبيعته، ولأدواته،
3 – يتحدث الكاتب عن “العرب” كحالة جمع مقابل الأكراد، وهذا على أرض الواقع غير حقيقي، فالأكراد كمكوّن اجتماعي، تراهم أو ترى معظمهم في العديد من الدول والمجتمعات العربية، مندمجون، متفاعلون، ومبدعون، يأخذون من اللغة العربية، ومن الدين الاسلامي ثقافة يعتزون بها، ويفتخرون، ويسهمون في إعلاء راية الاسلام، وراية العربية، ويدعمون بالفكر والحركة كل ما من شأنه تدعيم قوة العرب ووحدتهم، واستقلال إرادتهم، من دون أن يدفعهم ذلك إلى نسيان حقيقة أنهم من المكون الكردي.
وقد رأيناهم في هذه المجتمعات أعلاما في الفكر وقادة سياسيين، في أجهزة الدولة، وفي الأحزاب والحراك السياسي.
كذلك فإن ” العرب” لم يكن لهم موقف موحد مضاد من ” الحراك” الكردي، حتى في أشكاله المسلحة، وكان الموقف والحذر من استخدام الخارج، وهو هنا “شاه ايران، وواشنطن، وتل أبيب”، لهذه القضية، ومعروف أن علاقة قادة أكراد عراقيين بالزعيم العربي جمال عبد الناصر كانت علاقة ايجابية طيبة، وأن أول برنامج إذاعي كردي يبثّ كان من مصر.
فتصوير أن “للعرب” موقف واحد من “الكرد”، تصوير غير حقيقي.
وينبني على هذا التصوير، ما يستتبعه وهو “الظلم والطغيان” الذي مارسه نظام ما – وهنا الإشارة إلى النظام العراقي – على الحركة الكردية، كان ظلما وطغيانا أختص بالحركة الكردية المعارضة، وهذا أيضا غير حقيقي لأن ممارسات القمع كانت تصيب الشعب كله، والأكراد جزءا من هذا الشعب، يمكن في مرحلة ما أصاب المكوّن الكردي أكثر من غيره، وفي مرحلة قبلها نال المكون العربي أكثر من غيره، وفي أخرى نال المكون الاسلامي أكثر من غيره، وفي رابعة نال المكون الشيوعي/ اليساري أكثر من غيره.
وفي كل هذا المسار كان هناك من الأكرد، والعرب، والاسلاميين (شيعة وسنة)، واليساريين، مساهمون في السلطة الغاشمة القائمة، لكن النصيب الأكبر من هذه السلطة بيد القوى المتغولة( حزبية، عائلية.. الخ). والفتات كان بيد ممثلي هذه القوى، والنموذج الماثل في هذا النظام السوري الراهن.
4 – كذلك في المقال تصوير غير متوازن “للقضية الكردية”، فالمكوّن الكردي يتمركز في أربع دول هي: “تركيا، ايران، العراق، سوريا”، والقسم الأكبر موجود في تركيا، وأقله موجود في سوريا، والدولة الوحيدة التي تمتّع فيها الأكراد بشكل من أشكال الحكم الذاتي كانت “العراق”، وأساس هذا الحكم تمت صياغته منذ مارس 1970،
وبغض النظر عن العقبات التي حالت أو شابت تطبيق هذا الاتفاق، فإنه يمثل “حالة، مسعى” للخروج من الصراع العسكري، ومن استغلال الخارج لهذا الصراع.
5 – أستطيع القول بيقين أن الحديث عن كيان جغرافي/ سياسي لـ”كردستان”، حديث غير متفق عليه، وإنك لن تجد أبدًا “كيانًا” محدّد الحدود لـ”كردستان”، في أيّ مرحلة من مراحل التاريخ، بل إن البحث في الخرائط التي تعتمدها الأحزاب الكردية الانفصالية، تؤكد هذه الحقيقة.
إن الأمر هنا، لا يعني أنه ليس هناك منطقة أو حيز جغرافي اسمه كردستان، لكنه يعني بدقه، أنه ليس هناك كيان “جغرافي سياسي”، أو جغرافية سياسية لكردستان، وما يفعله الانفصاليون من “حزب العمل الكردستاني” ونظيره في الفرع لسوري من إسباغ الصورة الكردية على مدينة الرقة السورية، وعلى الحسكة، والقامشلي، وعين العرب، تل رفعت، يشهد على صحة هذا اليقين، إن هؤلاء اعتمدوا المنطق الصهيوني نفسه، المنطق القائل: “حيث تصل قوتنا وسيطرتنا، فثم حدودنا”.
6 – لو كان للعرب دولة واحدة، ولو في بلاد الشام فقط لكانت قدرتهم عى صوغ حل للقضية الكردية ممكنة، لكن العرب موزعين على دول رسمت حدودها اتفاقات سايكس – بيكو، وهي الاتفاقات التي وضعت الاساس لقيام الكيان الصهيوني. وكل الجهد الغربي المبذول في منطقتنا قائم على منع وحدة هذه المنطقة – أيا كان شكل الوحدة- .
وطرح “القضية الكردية” على النحو الذي تطرح فيه يعني فيما يعني، تفكيك أربع دول في المنطقة، من أجل تركيب دولة جديد غير واضحة المعالم، ومعادية بالطبيعة لمكونات الدول الأربعة، لأنها لن تقوم إلا على أنقاض هذه الدول.
7 – ولو أننا أخلصنا الرؤية للواقع الراهن، وللبنية الاجتماعية والحضارية للمنطقة، لأرشدنا هذا الاخلاص إلى حل “حضاري وتاريخي”، يتسق مع طبيعة هذه المنطقة، وطبيعة مكوناتها.
لنمعن النظرة في المنطقة الجغرافية التي يطلق عليها اسم “كردستان”، ومن دون التدقيق في حدود هذه المنطقة، لننظر إليها باعتبارها “فضاء حضاري حيوي”، سوف نكتشف أن الأكراد يمثلون موقع “السرّة” في جسم المنطقة، أو اللحمة التي تلتقي فيها دول المنطقة، أي أن في مقدور الأكراد أن يمثلوا “الملاط” الذي يشد أجزاءهذا الفضاء: العربي الشامي (سوري وعراقي)، والتركي، والايراني، ومن حولهم عدد وافر من الدول والدوائر ليكونوا جميعا فضاء حضاري يشد بعضه بعضا، ويكون أكراد تركيا، وأكراد العراق، وأكراد إيران، وأكراد سوريا، أدوات للجذب والتعاون على كل المستويات بين هذه الدول، وبين هذه الشعوب، وبين دوائرها المؤثرة، ذلك أن لبلاد الشام دائرتها العربية( وفيها وافر من الأكراد)، ولتركيا دائرتها الثقافيةالممتدة حتى حدود روسيا. ولايران دائرتها الممتدة.
نحن هنا نتحدث عن جغرافيا سياسية وحضارية، تمتد لتشمل الكثير من آسيا الصغرى والوسطى.
وحدهم الأكراد يستطيعون القيام بهذا الدور، وهو دور مناقض للدور الراهن الذي تمثله الانفصالية الكردية المتجسدة بـ”حزب العمال الكردستاني” وتفرعاته.
وسيكون هذا التطلع ممكنا من خلال الإسهام في التمكين لقيام نظم ديموقراطية حقيقية تجسد إرادة شعوبها، ومن خلال تعزيز مرحبا الاسلامي، وتعزيز حضور اللغة العربية باعتبارها لغة الدين، ولغة النبية الحضارية للأمة.



