مقالات

لا مكان للفلسطيني غير أرضه… حيث ينتصر أو يستشهد!

“المدارنت”
هذا هو شهر فلسطين. هذا هو الشهر الذي تتوحد فيه إرادة المقاومة مع قوى السلام والحرية في العالم. هذا هو شهر تحويل حل الدولتين إلى حقيقة غير قابلة للجدل، إذا سلمت النوايا وتوحدت الإرادة. هذا هو الشهر الذي يواجه فيه العالم نفسه، وهو يختبر قدرته على حماية شعب يتعرض لأبشع جريمة لم يتعرض لها شعب قبله، محاولة الإبادة المطلقة المادية والمعنوية، بتخريب أرضه وحرقها بمن فيها.
هذا هو الشهر الذي تقرر فيه الأمم المتحدة ما إذا كانت هي ستبقى أو تموت، وتعرف فيه شعوب العالم ما إذا كان النظام العالمي، قادرا على منع اكتمال جريمة الإبادة، أم أنه يساعد عليها ويدير لها ظهره.
وقد عرف كل أناس موقعهم، فهذا هو ترامب وزمرته يمنع مشاركة الفلسطينيين في مؤتمر السلام لفلسطين في عاصمة النظام العالمي نيويورك، ويدعو نتنياهو إلى تدمير مدينة غزة بكل قوته. وليكن الرد على ذلك هو نقل المؤتمر إلى المقر الأوروبي في جنيف، وتقديم اقتراح بجعل افتتاح الدورة السنوية للأمم المتحدة في قارة مختلفة دوريا كل عام، وليس في نيويورك.
وهؤلاء هم أنصار الصهيونية النازية، يرقصون على طبول الحرب المستمرة، شرابهم الدم، وطعامهم جثث الأطفال الجوعى، الذين تفيض أرواحهم وهم يحلمون بكسرة خبز أو شربة ماء. وليكن الرد عليهم هو إشعال ميادين الاحتجاجات في كل عواصم العالم، تحديا لحرب الإبادة وتضامنا مع المقاومة، والضغط بكل الطرق لإدخال الإمدادات الإنسانية إلى الفلسطينيين في غزة. هذا هو الشهر الذي تكشف فيه البشرية عن وجهها الحقيقي.
من ينتصر للحق والحرية والسلام، فليفعل ما يبرهن به على ذلك.. ومن يتواطأ مع المجرم السفاح فهو يمده بالمال والسلاح. في هذا الشهر تعود السياسة إلى المدارس والجامعات، وتعود مؤسسات صنع القرار في دول العالم من عطلاتها الصيفية، فلنجعل هذا الخريف ربيعا جديدا للمقاومة، وتحدي حرب الإبادة وتحويل إسرائيل إلى دولة منبوذة مكروهة من العالم كله.
لقد دخلت حرب إبادة الشعب الفلسطيني مرحلتها الأخيرة على مرأى ومسمع من العالم كله، وبينما هذا الشعب يقاوم حتى النصر أو الشهادة، يتنكر له أشقاء له، أو ينكرون عليه حقه في المقاومة، بل إن بعضا منهم يتواطأ ضده، استرضاء لعدوه، أو خوفا منه.
الآن لا يترك نتنياهو بناء قائما في غزة، ولا نباتا حيا، ولا إنسانا يتنفس. لم يحدث في تاريخ البشرية ما نشهده بأعيننا من صور حية، تظهر إبادة غزة بمن فيها بالجملة وعلى رؤوس الأشهاد. وهو لا يفعل إلا بعد أن اطمأن إلى أن من تواطأوا معه أصبحوا مثل الجرذان تجري إلى جحورها هلعا لتختبئ.
والآن، يدرك الفلسطينيون جميعا أن قضيتهم واحدة، فمحاولات فرض السيادة على أجزاء من الضفة الغربية لم تتوقف، والدعوة لتهجير الفلسطينيين من وطنهم تدق الطبول. وأن من فرَّقهم هو عدوهم ليفوز بهم، وأن مصيرهم واحد وإن اختلفت الوسيلة في الضفة عنها في غزة. الآن تدرك شعوب المنطقة أن مصيرها واحد، وأن بعد غزة تأتي عواصم أخرى، وقد ركعت فعلا بعضها، بالقبول بنزع سلاحها، وتسليم السيادة على أجزاء من أرضها إلى عدوها.
رئيس دولة عربية استنكر الحديث عن نزع السيادة عن أجزاء من بلده قائلا، إن نتنياهو لم يبلغه بذلك! وكأن سفاح غزة يطلب الإذن لقواته بالدخول قبل أن تدخل! الآن يعلم بني يعرب جميعا أنهم لن يرتفع لأي منهم رأس إذا مضت حرب الإبادة إلى تحقيق غايتها، وأنهم لن يكونوا إلا خدما لسيدهم الجديد.

بركان غزة لن يهدأ
ويعلم نتنياهو، ويعلم ترامب، أن الشعب الفلسطيني لا يزال هو الرقم الصعب في المنطقة حتى في أحلك الظروف، وأن أرض غزة المحروقة ستظل مشتعلة مثل بركان لا يهدأ. ومهما اختبأ جيش الاحتلال وراء آلات حرب الإبادة الوحشية، من أجهزة روبوتية طائرة أو راجلة، وأسلحة مدمرة لم نشهدها من قبل، فإن الإنسان بإرادته قادر على قهر كل آلة والانتصار عليها.
كل ما يحتاج إليه الفلسطينيون الآن هو أن يشهدوا انتقال تضامن العالم معهم من حيز الكلام إلى آفاق الفعل المادي. هذه تركيا تعلن قطع العلاقات التجارية مع دولة الشر الصهيونية النازية. وهذه هي دول الاتحاد الأوروبي تعلن مراجعة اتفاقات التعاون التجاري والعلمي معها.
وها هم رموز من بين قيادات الإدارة الأمريكية السابقة، يدعون إلى وقف صفقات السلاح إليها، ومنهم جيك سوليفان الذي كان مستشارا للأمن القومي. وها هي دول مثل أيرلندا تدعو إلى تدخل دولي من أجل وقف الحرب، ومنع إسرائيل من استكمال جريمة الإبادة. وها هي جنوب افريقيا وأيرلندا وتشيلي وغيرها تطالب بمحاكمة سفاح غزة بشأن جرائم الحرب التي أمر بها.
إن اتساع نطاق حملات أساطيل ومسيرات الحرية التي تقصد غزة لفك الحصار عنها لا يمثل فقط مجرد مظهر من مظاهر التضامن العالمي الشعبي مع المقاومة الفلسطينية، وإنما هو يسهم أيضا في تحويل إسرائيل إلى دولة منبوذة ومكروهة.

فماذا تفعل الدول العربية وسط ذلك؟ بأي وجه نطالب العالم بالوقوف مع الشعب الفلسطيني، إذا كان العالم يرى البعض منا يتواطأ جهرا وسرا مع إسرائيل؟ ألا يتوقف هؤلاء الذين يحتفلون عبر أجهزتهم الإعلامية بما ترتكبه إسرائيل من جرائم؟ ألا تراجع كل دولة عربية علاقاتها، خَفيّة كانت أو ظاهرة، مع دولة الشر الصهيونية النازية؟ لماذا لا تتوقف التجارة معها؟ لماذا لا ترفض استقبال ممثليها؟ لماذا لا تغلق مجالاتها الجوية ضد طائرات العدو؟ لماذا لا تمنع سفنها من دخول موانئها؟ لماذا لا تعلق برامج التعاون العسكري معها ومع الولايات المتحدة؟ لماذا لا تكف عن تقديم القرابين إليها مثلما هو حال سوريا حاليا؟ لماذا لا تقود حملة لتكوين تحالف دولي يمارس الضغط المادي على دولة الشر الصهيونية النازية، ووقف حرب الإبادة؟
إن الوقت ينفد، ومن العار أن تقف الحكومات العربية متفرجة على فظائع الإبادة الوحشية في غزة. إن زمن إصدار بيانات الشجب والتنديد قد ولّى، ولم يعد الوقت يسمح إلا بالفعل العملي الجاد لمنع إسرائيل من استكمال جريمة الإبادة. العار كل العار على من تواطأ علنا أو خِفية ضد شعب يٌحاصر ويقاوم، والعار كل العار على من سكت.

رسالة التعايش إلى الداخل “الإسرائيلي”
أثبتت المقاومة في غزة خلال الأسبوع الماضي أنها تستطيع شن عمليات متزامنة ضد جيش الاحتلال، وأنها تستطيع إلحاق الخسائر به، وأنها قادرة على إسقاط خطة احتلال غزة، كما أسقطت من قبل أهداف خطط حرب «السيوف الحديدية»، وحرب «عربات جدعون»، باعتراف إسرائيل نفسها.
نعم لقد أحدثت قوات جيش الاحتلال دمارا وموتا غير مسبوق في كل قطاع غزة، لكنها فشلت في تحقيق أهداف الحرب حتى الآن. ومن الضروري للمقاومة تطوير أساليب قتالية مبتكرة لمواجهة الروبوتات على وجه التحديد، وتقليل خطورة نشاط «الطنانات». من الضروري تطوير تقنيات لتفخيخ المنشآت التي يتردد عليها جنود جيش الاحتلال، وزرع العبوات الناسفة على جنبات الطرق التي تستخدمها الآليات والدوريات، من أجل تحقيق أكبر قدر من الإصابات بين أفراد وآليات جيش الاحتلال، والعمل على أسر من يمكن أسره من بينهم.
وقد انتقلت المقاومة فعلا إلى عمليات نوعية شديدة التركيز، تعلو فيها الإرادة على مستوى التسليح، وتتفوق خبرة أصحاب الأرض في أساليب القتال، وتتعاظم قوة الالتحام والتعاضد بين الشعب والمقاومة. وقد أثبتت كل تجارب الحروب الشعبية، أن النصر في نهاية الأمر ليس للتفوق التسليحي، وإنما لقوة الحق وعدالة القضية التي تحارب من أجلها المقاومة.
وما أشرف وأنبل القضية التي تقاتل من أجلها المقاومة الفلسطينية. ومع صمود الشعب وصلابة المقاومة فإن جيش الاحتلال يضعف ويتفسخ، ويلجأ جنوده للانتحار بدلا من القتال. ويبقى فوق ذلك أن يترافق نشاط المقاومة مع توجيه رسائل سياسية واضحة إلى الداخل الإسرائيلي، تربط بين رغبة الإسرائيليين في استعادة المحتجزين، وحاجة الفلسطينيين إلى التعايش داخل وطن آمن، ما يستلزم وقف الحرب والدخول في عملية جادة لبناء التعايش والسلام.
وإذا كانت إسرائيل متفوقة في ساحة الحرب فإنها أضعف ما تكون في ساحة السياسة والدبلوماسية. هذا هو الجانب الغائب تقريبا في الصراع الدائر، وهو مسؤولية الديبلوماسية الفلسطينية والعربية، وليس مسؤولية المقاتلين على الأرض في غزة. وليعلم نتنياهو وزمرة المشعوذين مصاصي الدماء من عصابات الصهيونية الدينية المتطرفة، أن المقاومة لا تموت، طالما هناك شعب يعرف وطنه، ويملك إرادة تجسيد حقه في الوجود.

إبراهيم نوار/ “القدس العربي”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى